أخبار السودان لحظة بلحظة

الأسباب وكيفية وأد الفتنة شرق السودان … اصطفاف قبلي وتلويح بالإنفصال …!!

0

الخرطوم : محمد الأقرع
في الوقت الذي كانت تهتف فيه كل أرجاء الوطن بالثورة وظن الناس أنهم أبصروا طريقهم جيداً نحو دولة المدنية ، صعدت على سطح الأحداث الصراعات القبيلية بين بعض مكونات شرق السودان وكان جزء منها ذو طابع دموي عنيف بينما كان الجزء الأخر متسماً بالحدة اللفظية وملاججات التاريخ الطويلة ، الصراع في الشرق لم يكن محصور في الإطار القبلي أو الاجتماعي فقد بل كانت له أبعاده السياسية كذلك لم تكن معركة بين المكونات المحلية وإنما كانت هناك جبهة أخرى تدور بين تحالف للناشطون وقوى المركز الحاكم لدرجة محاولة تسير موكب يطالب بإنفصال الإقليم .ردود الفعل تجاه ما حدث في الشرق كانت متفاوته منهم من حاول التقليل من حدها وطالب بالحسم القانوني ومنهم من حاول تهويلها وإطلاق إنذارات بالشر القادم ، وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة بأن ما شهده شرق السودان خلال الفترة الماضية يستوجب التوقف والقراءة مجدداً للإجابة على عدد من التساؤلات بداً من الأسباب مروراً بالتأثيرات والترسبات التي خلفها هذا الصراع على المستوى الإجتماعي والسياسي بالإضافة الى معرفة أدوار القوى المدنية والسياسية وقدرتها في تخفيف حدة التوتر فضلاً عن ماهية الحلول الناجعة في وأد مثل ذلك الصراع مستقبلاً .
قراءة في مسار الأحداث :
في بورسودان وخلال الفترة القليل الماضية حدثت صراع بين جزء من قبيلتي البني عامر والنوبة وسقط نتيجة لذلك عدد من الضحايا قبل يتدخل العقلاء لتهدئة الأجواء والأجهزة الأمنية لفض الاشتباك ولم تجف دماء الموتى بعد حتى اطلقت صافرات الإنذار بأن ثمة (سطرين) في كتاب التاريخ للفصل الخامس قادريّن على إشعال نار الفتنة من جديد بين المجتمعات المحلية بعد أن إعترض البعض عن حقيقة أحد المعلومات الواردة فيه ورغم أنه تم سحب الا أن حالات الغضب مازالت باديه على الطرفين .
أما في مدينة كسلا فقد تجمع عدد من السكان المحليين بعد دعوات للمشاركة في مظاهرات إحتجاجية تطالب بإنفصال شرق السودان وبرر مطلقو الدعوة أنها نتجت عن التهميش الذي وجده الأقليم في التمثيل في السلطة المركزية والتجاهل الواضح في طرح قضاياه حتى الآن . وعلى ضوء ذلك يمكن القول بأن الأزمة في شرق السودان تأخذ بُعدين أول داخلي قبلي وآخر سياسي يراوغ بكرت الإنفصال .
الخبراء في مجال علم الأجتماع يقولون أن الصراع القبلي في السودان موجود تاريخياً في كثير من المناطق ولديه عدة أشكال منها المسلحة والسلمي والخفي كما أن هنالك صراع يحدث داخل بطون القبيلة الواحدة ويعزي هؤلاء أن مشكلة الصراع القبلي ناتجة لعدة أسباب منها أننا لم نتقل من مرحلة المجتمعات التقليدية الى المجتمعات الحديثة بالإضافة ضعف التعليم فضلاً أن ضعف التتمية أعاد إحياء الإنتماء القبلي وأشاروا الى أن هنالك أسباب أخرى متسببة في النزاعات منها عدم الإندماج بين المكونات الإثنية المتجاورة وسيطرة نظرة (الأنا) كذلك إختلاف الثقافات بين المجموعات المحلية مما قد يتسبب في حدوث إحتكاكات .
ضغف وتأهيل قوى المجتمع المدني :
يقول الكاتب والصحفي محمد فرح وهبي أن شرق السودان ضاج بالاختلافات ـ الالسن ، المكون القبلي ببطونها الكثيرة وابوابها ـ إضافة للوجود المديني الذى تراجع بالكامل وقطع الطريق امامه بقصد مقابل ازكاء نار القبيلة فتح النظام الباب واسعاً للتنافس تغذية جهة ضد أخرى ويرى وهبي أن الأهم من الذى تم من قبل نظام محلي هو قراءة كل هذه الأوضاع المتشظية في أفقها الدولي والاقليمي_ وضعية شرق السودان_ كأرض واعدة، ارض بكر، شاسعة، مقابل إشتعال الصراع من قبل دول بمحاور مختلفة في مواضيع الموارد والنفوذ . ويعتقد أن بشرق السودان بذرة صغيرة للعنف ولكن جهات ما “دولية ، اقليمية” تغذى هذه البذرة لتثمر، ومن ثم تتم سيطرة على هذه الموارد أو اقتسامها مثلما يحدث في ليبيا واليمن كنموذجين للأزمة (أزمة صراع المحاور الإقليمية) كما أسمها . وفي السياق يقول وهبي أن المجتمع المدني في شرق السودان شبه غائب وغير معترف بالبسيط الموجود وتم عزله وتهميشه وتتفيه دوره بإعتبارهم فئة صغيرة شبه معزولة بطقوس غرائبية ، كمثقفين أو كما درج على وصفهم بـ(المثقفاتية)، وهي اوصاف لم تكن برئية يقف وراءها برأيي النظام البائد، لعلمه العام بتأثير هذه الطاقات المدنية وقدرتها على اذابة جبال الجليد بين كل المكونات ولكنه كان نظام يستثمر في القبيلة والعصبيات والإنغلاق…الخ لذلك لم يكن أو لم يسمح من الاساس للمجتمع المدني ان يشتغل بشكل طبيعي ويتواصل ويؤثر، توجد بذرة لمجتمع مديني ولمجتمع مدني . وأضاف بأن الأحزاب السياسية هي الاخرى بلا دور يذكر لأنها مصادرة وعاشت في مستوى حق البقاء طيلة فترات النظام البائد، كما قامت أحزاب طبعا مصنوعة تخدم أجندة النظام وخطوطه وهي دمرت وعززت الصراع اكثر منها أجابتها على اسئلة حية حقيقية تعالج أو تقدم وجهات نظر مفيدة حول وضعية الشرق السوداني .ويشير محمد فرح بأن الحلول يجب أن تبدأ بتعزيز دور المجتمع المدني ليس في صورته القديمة التي وصفها بالمعطوبة موضحاً بأن المجتمع المدني يفترض تتم إعادة تأهيله من جديد عبر دراسات إجتماعية تفهم خصوصيات هذه المجتمعات وما تحتاجه حقا، بدل تقديم وجهة نظر سطحية استعلائية تجاهها ومحاولة فرض حلول لمشاكل لا تسمي كمشاكل الا في مخيلة المجتمع المدني واردف قائلاً : (أعرف أن ثمة قيم كونية تجمعنا ونحن حزء من العالم لكن تنزيل هذه القيم يفترض يكون بحساب ، لانك إذا قدمت لمجتمع شبه بدائي وعنفته أو طرحت عليه موضوعات عامة ، دون مراعاة وجهة نظره الخاصة كمجتمع في هذه الموضوعات ، سيقاوم بإعتبارانه يفهكم كمدمر لخصوصيته وكغازي بقيم غريبة).
صراع الأرض :
وفي تفسير ما يدور في الشرق أيضاً يقول رئيس حزب المنبر الديمقراطي القومي فيصل يس أن الأزمة أزمة تاريخية وليست جديدة وأن أسبابها متعددة لكن من الأسباب الرئيسية أن حقيقة الصراع هو حول الأرض ، وهذا الصراع الأساس فيه المستعمر لأنه قام بتسجيل كل الأراضي الموجودة على ضفاف النيل وبالجزيرة بإعتبار انها أراضي نقديو ولم يسجل الأراضي الأخرى للمجتمعات الموجودة في المناطق الثانية سوى كانت في دارفور أو شرق السودان أو غيرها وحين قرروا المغادرة قاموا بوضع توصية بأن على الحكومات الوطنية تسجيل الأراضى متى ما ظهرت لها قيمة نقدية لصالح الشعوب المحلية . ويؤكد فيصل أن الحكومات اللاحقة سوى كانت عسكرية أو مدنية لم تفعل شيء ما عدا نميري الذي قام بإصدار قانون (73) الذي بموجبه حول الغير مسجله لملكية الدولة . ويضيف : (في الشرق هناك أراضي معروفة إدارية تتبع لمن لكن قانونياً لا يوجد لها سند وهذا خلق مشكلة كبيرة جداً ، لا أحد يعلم أين وحدود مناطقه بالقانون رغم أن التاريخ يحفظ لهم وجودهم) . وقال فيصل أن السلطات حين قررت عمل مشاريع مثل طوكر والقاش قاموا بتسجيلها كمشاريع مركزية وفي الوقت أنه حين تم تأسيس مشروع الجزيرة كانوا قد خاطبوا المجتمعات المحلية سجلوا لهم بعض الأراضي وأجروا البعض الاخر ، لكن المشاريع التي تمت في الشرق حول المجتمعات من مجتمعات فقيرة الى مجتمعات معدمة .
ويرى فيصل يس أن المجتمع في شرق السودان كان مجتمع رعوي بمعنى أن علاقته بالدولة علاقة ثانوية كان يعتمد على البيئة الطبيعة في توفير إحتياجاته المعيشية لكن حدثت كارثة طبيعية “جفاف وتصحر” والأنسان بطبعه مبدع في تلبيه حاجياته وابتدأ الناس يكونوا جزء من الدولة عبر الإنخراط في التعليم والعمل في المؤسسات الرسمية وهذا بالتأكيد خلق وعي متنامي تجاه مفاهيم التنمية وبالمقابل أدى ذلك الى صراع بينهم وبين المجتمعات التي كانت تستفيد من عزوف المجتمع المحلي عن الدولة وهنا ظهر صراع المصلحة . ويعتقد فيصل أن القوى السياسية ساهمت في تأجيج الوضع أكثرولم تقم برفع الوعي بشكل علمي وحين جاءت الإنقاذ قامت بعمل تحالفات مع القوى المجتمعية هناك ، لم يقولوا لهم إنضموا الى الحركة الإسلامية وإنما كان تحالف في تسير شأن الدولة ، وصنع النظام وقتها توليفه عبر التمثيل والمحاصصات الجهوية ، فجأة قامت ثورة في منطقة الوعي غيرت النظام ، وتسأل فيصل هل من المنطق هنا أن يتم التعامل مع هؤلاء بإعتبارهم فلول النظام ؟ . وأردف : الوضع الجديد أوجد مخاوف لدى البعض خاصة وأنهم يعبرون عن كتلة إجتماعية قادرين على توظيفها في إحداث الصراعات المتوالية . وطالب فيصل قوى إعلان الحرية والتغيير بعدم التعامل مع الناشطين في المنطقة لأنهم في الأساس منعزلين عنها بل يجب عليهم كما يقول التواصل مع الإدارات الأهلية وشبابها .
مؤتمر التعايش السلمي :
ومن جانبه يرى القيادي بقوى إعلان الحرية والتغيير بالبحر الأحمر مجدي عبدالقيوم أن الصراع في شرق السودان مثله مثل اي صراع في المناطق التي تعاني التهميش جراء انعدام التنمية المتوازنة وهو صراع قديم متجدد والاطراف فيه متغيرة ولعل هذا ما يبرهن علي الاسباب الحقيفية له مرتبطة بتداعيات انعدام التنمية المتوازنه . مبيناً أن المكون الثقافي يلعب دوراً لكنه ليس الاساس في تفجير الصراع من حين لاخر . وقال مجدي أن الأصوات التي ترتفع من حين لآخر رافعة شعارات ترتبط بمطالب الأقليم أصوات إعتادت إستغلال اي سانحة وإنتهاز اي فرصة . واضاف : (بحسب ما نعلم أن تحدثنا عن مؤتمر البجا الآن أو تاريخياً وهو الرافعة الاساسية في المشهد هناك وأعني المرتبطة بالقومية فاننا لم نقرا في أدبياته حديث عن الإنفصال بل أن مؤتمر البجا ظل يطرح القضايا في كلياتها الوطنية ويتعاطي معها بهذا المنظور . الاصوات التي ارتفعت مؤخرا منادية بالكونفدرالية هي مجموعات لا يمكنك القول انها تعبر عن العقل الجمعي للبجا وما يتصل بالانفصال فحتي الان لم يقع بين يدي ما يشير الي ذلك فلم اقرا او اسمع دعوة لانفصال الشرق) .
ويدافع مجدي عن الاحزاب السياسية وقوي المجتمع المدني التي يشير الى أنها لعبت دوراً وظلت تلعبه في التأسيس والتكريس للتعايش السلمي بين مكونات شرق السودان من مختلف القوميات وليس دقيقاً انها تهمل تراتيبية السلطة الإجتماعية لانه وببساطه هذا غير ممكن سواء في الشرق او غيره من أقاليم السودان لطبيعة المرحلة التاريخية لمجتمعنا عموما) ويوضح بأن الحل الجذري لمشاكل شرق السودان في الحل الجذري لمشاكل عموم السودان وهي ذات القضايا المتصلة بتوزيع الثروة والسلطة وكيفية حكم السودان وهي القضايا التي ظلت كل الحركة السياسية تنادي بأن تحسم في المؤتمر الدستوري . ويختم حديثه قائلاً : (أعتقد أن إنعقاد مؤتمر لقضايا شرق السودان من الممكن أن يضع لبنة اساسية في حل النزاعات بمعالجة أسبابها والآن باتت الساحة في شرق السودان مهيأة لانطلاق فعاليات التحضير لهذا المؤتمر. مؤتمر للتعايش السلمي ينظم ويحضر له وينفذ بحرفية كفيل بان يضع كل القوميات علي منصة القواسم المشتركة).
….. …….
نشر في صحيفة الوطن الخميس 3/ أكتوبر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.