مقالات وآراء سياسية

سؤال الدين من منظور الثورة (١)

يوسف السندي

قامت الوزيرة ولاء البوشي بفتح بلاغ ضد أمام مسجد جبرة عبدالحي يوسف ، و هو بلاغ قانوني و لكنه يحمل في طياته صراع فجرته ثورة ديسمبر حول سؤال الدين و تأثيره على نهضة السودان مستقبلا ، و للغوص في أضابير هذا السؤال الضخم يلزمنا تقديم تاريخي لمراحل بروز هذا السؤال تاريخيا .

اذ ظهر سؤال : الدين و تأثيره على نهضة السودان ؟ بصورة أكثر حدة بعد سيطرة حزب الجبهة الاسلامية القومية على الحكم في السودان بواسطة انقلاب عسكري نفذه التنظيم الاسلامي بقيادة الدكتور حسن الترابي على الحكومة الديمقراطية المنتخبة برئاسة السيد الصادق المهدي ، و منذ ذاك العهد ظل سؤال الدين حاضرا بقوة حتى اللحظة .

الدين تاريخيا لم يغب عن السودان، ففي القرن التاسع عشر قام الشعب السوداني بثورة دينية تحررية بقيادة الإمام محمد احمد المهدي على الحكم الثنائي التركي الانجليزي ، و استطاع المهدي تجييش الشعب السوداني تحت راية مقارعة المستعمر و احياء الكتاب و السنة المقبورين .

ظهور المهدي كان مصاحبا بهالة من القدسية و الصلاح جعلت المواطنين يفدون إليه زرافات و وحدانا و يقاتلون تحت قيادته مقدمين ارواحهم بسهولة في تضحية نادرة في سبيل المبادىء التي أعلنها من أحياء للدين و تحرير للوطن من الاتراك و الإنجليز .

ثورة الأمام المهدي كانت اول تجييش ديني للسودانيين في العصر الحديث و ربما فكرة التجييش الديني التي نجحت نجاحا هائلا اقرب الى المعجزة بانتصار قوات المهدية بسيطة التنظيم و التسليح على قوات الحكومة التركية الانجليزية المنظمة و المجهزة بالأسلحة النارية في ذلك الزمان ، ربما أوحى هذا الانتصار إلى الدكتور حسن الترابي بإمكانية تحقيق انتصار مشابه تحت راية مشابهه، و ذلك ما جعل الشيخ يستعجل تنفيذ الانقلاب العسكري على الحكم الديمقراطي و عدم الانتظار لحين فوز حزبه بالحكم عن طريق الانتخابات ، رغم أن حزب الدكتور الترابي (الجبهة الاسلامية) خطى خطوات جيدة في الانتخابات الديمقراطية سنة ١٩٨٦ و احتل المركز الثالث في سجل الاحزاب المشاركة من حيث عدد الدوائر الانتخابية المحرزة بعد حزب الأمة (الأول) و الحزب الاتحادي (الثاني) ، و ربما لو صبر حزب الشيخ الترابي إلى حين الانتخابات اللاحقة لفازوا بدوائر أكثر و لتقدموا أكثر في سجل المنافسة ، و لكن هذا ما لم يحدث ، و ما يبدو ان الدكتور الترابي ندم عليه فيما بعد حين أطاح به تلامذته من الحكم و زجوا به في السجن .

الصراع الفكري و الديني على فكرة المهدية ، شهد انتصارا مهدويا ساحقا على العلماء و بعض شيوخ الطرق الصوفية المناوئين للمهدي ، و ذلك يرجع إلى ان المهدي امتلك سلاحا لم يمتلكه الآخرون و هو منازلة المستعمر عسكريا ، فالشعب السوداني وقتها وصل مرحلة بعيدة في كره المستعمر و اثقل ظهره حمل الاتاوات و الضرائب و السياط و صار يبحث عن منقذ يحرره من هذا الظلام ، لذلك حين ظهر المهدي و انتصر في اول معاركه ضد الأتراك و الإنجليز عظمت شخصية المهدي عند الشعب و ارتفعت من رجل دين عادي الى مهدي و منقذ و محرر .

حاول الشيخ الترابي و تنظيمه مجاراة هذه اللوحة المهدوية و قيادة حرب دينية الأهداف من أجل جمع السودانيين تحت راية تنظيمهم و بالتالي السيطرة السياسية الكاملة على كل المناوئين بقوة الدعم الشعبي ، و لكن هناك عوائق وقفت أمام هذا الحلم ، فالسودان لم يكن مستعمرا كما كان في عهد المهدية ، كما ان تبلور الدولة القطرية في العصر الراهن يمنع الحروب عابرة الحدود ، اذاء ذلك فإن الشيخ و تنظيمه لم يجدوا امامهم الا حرب الجنوب لتطبيق هذا النموذج .

الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق كانت حركة تغلب عليها الجهوية حين جاءت الانقاذ ، إذ كان قوامها الأكبر من أبناء جنوب السودان ، و لان غالبية أبناء جنوب السودان لا يدينون بالإسلام، فقد وجد التنظيم الاسلامي ضالته في ذلك ، و أعلن حربا دينية على الحركة الشعبية لتحرير السودان .

انتشرت اناشيد الجهاد و معسكرات التدريب و ارتفعت حمى التجييش الديني بين الشباب و الطلاب و اقتنع الكثيرون بعد استخدام التنظيم الإسلامي الممنهج لاعلام الدولة في تصوير الحرب في الجنوب حربا بين الخير و الشر ، بين الإسلام و الكفر ، و بين الشهداء الذاهبين إلى الجنة و القتلى الذاهبين إلى النار .

زاد من تفجير حمى هذه الحرب برنامج في ساحات الفداء الذي انتشرت فيه قصص الشهداء و روائح المسك و حماية الغمام للجنود و غير ذلك من قصص يرويها البرنامج من غابات الجنوب تحت وقع الرصاص ، يسلب بها مشاعر المسلمين في الشمال و يستقطبهم إلى ساحات الحرب .

استجاب عدد ليس بالقليل من السودانيين للتنظيم الإسلامي و حاربوا معه ، و لكن هناك عوامل هزمت هذه الفكره مبكرا و غرست الشك حولها ، كان من أبرزها احادية النظام الإسلامي التي ادت في شمال السودان إلى عزل قوة إسلامية أساسية من الواقع السياسي هم طائفة الأنصار و طائفة الختمية ، قاد هذا العزل قادة الطائفتين إلى معارضة النظام الاسلامي ، و من ثم وجها أكبر ضربة ايدولوجية لعقيدة النظام الاسلامية حين تحالفا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق .

طائفتي الأنصار و الختمية هما أكبر طائفتين دينيتين في البلاد ، شكل وجودهما في المعسكر المعادي لشعارات الشريعة التي اطلقتها حكومة التنظيم الاسلامي غمامة من الريبة و سرب الشك إلى الجماهير عن صحة دعوات الاسلاميين و صدق مقاصد حربهم الدينية في الجنوب ، لذلك بعد أن كان مستساغا لدى جماهير الشمال وصف الحركة الشعبية باوصاف مناهضة لتعاليم الإسلام ، اصبح غير مستساغا اطلاقا و بل مرفوضا محاولة اقحام سليل الأمام المهدي السيد الصادق المهدي و سليل السجادة الختمية في السودان السيد محمد عثمان الميرغني في برنامج في ساحات الفداء باعتبارهما معاديين للدين و ضد تطبيق شرع الله.

هكذا تأثر النموذج الحربي للتنظيم الاسلامي مبكرا ، و عجل من دمغ الانقاذ عالميا بالارهاب خاصة بعد تنظيمه للمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي و استقباله لقيادات و كوادر من جماعة الاخوان المسلمين و بعض قيادات التنظيمات الإسلامية الجهادية ، و كان من ضمن الحضور الشيخ أسامة بن لادن الذي قاد من بعد تنظيم القاعدة .

من ما سبق يتضح اجمالا ان طريقة استخدام نظام الانقاذ للدين في الحرب كان يمكن أن تنجح لو لم يقم النظام بفعلين كارثيين :

الفعل الأول : دفعه قادة طائفتي الأنصار و الختمية ( أكبر طوائف الإسلام جماهيرية في السودان ) إلى معارضته و تضييقه عليهم و سجن قادتهم و إحالة كوادرهم من الوظيفة العامة الى الصالح العام ، مما الب عليه هؤلاء القادة و وحدهم ضده رغم خلافاتهم التاريخية ، ثم قادهم ذلك من بعد الى التحالف مع الحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق ، الشيء الذي فضح النموذج الإسلامي الراديكالي للنظام في أعين قطاع واسع من جماهير الشعب السوداني .

الفعل الثاني : اتجاه النظام مبكرا إلى حلم قيادة العالم الإسلامي قبل أن ينجز ملفاته الداخلية مثل التنمية و الاكتفاء الذاتي ، حيث رمى بثقله في إقامة مؤتمرات عالمية إسلامية، دعيت لها قيادات ضمت مطلوبين في بلدانهم لارتكابهم جرائم ضد الدول ، و أطلقت من خلالها شعارات عودة الإسلام من جديد و مناهضة الكفر و الشيوعية و الإمبريالية العالمية في إشارة إلى أميركا و روسيا و اسرائيل و الدول المسلمة المتحالفة معهم ، هذا مع اتهام النظام بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اثيوبيا ، و وقوفه مع العراق عقب احتلاله للكويت ، أدى إلى عزلة دولية للنظام و علاقات اقليمية فاترة و حصار اقتصادي خانق ، تكامل بوضع الانقاذ عبر السنوات تحت طائلة عشرات القرارات من مجلس الأمن .

هذين الفعلين اضرا بلوحة الإسلام التي رسمها د الترابي زاهية في عقله و سعى لها عبر تقويض النظام الديمقراطي ، و قاد الفعلين نظام الحكم إلى خسائر ايدولوجية تاريخية هزمت فكرة البعث الإسلامي المرتقب بقيادة المجدد الديني الجديد الدكتور حسن الترابي ، و أحالت مشروعها الديني إلى حطام .

يوسف السندي
[email protected]

تعليق واحد

  1. الزول سرق ونهب وساعد النظام في قتل ونهب الناس

    يعني لا محتاج بلاغ ولا ملام فاضي

    المشتقة طوالي

    بلاغ وملام فاضي
    ضياع زمن ساي

    ديل نشرو الفساد في الارض

    المفروض ينفي من السودان

    ياخي ناس بتفتح دكان عشان تسترزق
    انت فاتح مسجد عشان تسترزق

    ياجماعة دة شنو دة
    نحن وين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..