أخبار السودان لحظة بلحظة

الشيخ (تارتوف) السوداني

0

في ستينيات القرن السابع عشر,كتب مؤسس مايعرف ب(الكوميديا الراقيه),الشاعر والمؤلف الفرنسي الكبير:(موليير ) ,مسرحيه شهيره بعنوان :تارتوفTARTUFFE,تحكي عن رجل دين منافق يحمل هذا الاسم ,وتفضحه وتسخر من نفاقه,مما أثار عليه بشده ,حفيظة الكنيسه القويه والنافذه آنذاك,فمنعت عرض مسرحيته لمدة  خمس سنوات ,بل وطالبت أيضا بحرقه حيا,ولكن رغم ذلك تحولت مسرحيته إلي أيقونه في المسرح الاوروبي ,وصارت كلمة تارتوف في الثقافه الغربيه مرادفا لرجل الدين المنافق,أو مانعرفه في ثقافتنا الشرقيه ب(عالم السلطان),وبالمناسبه فإن ظاهرة علماء السلطان هذه ,ظاهرة قديمه جدا,قدم الاديان نفسها,فمنذ الهندوسيه,والتي تعتبر أقدم الاديان المعروفه( نشأت في الهند في القرن الخامس عشر قبل الميلاد ),مرورا بأديان آشور وبابل بالعراق القديم واديان فارس وآلهة الاولمب بأثينا ثم كهنة آمون بمصر الفرعونيه ,إنتهاءا بظهور الاديان-الحديثه نسبيا,وهي الاديان الابراهيميه الثلاث :اليهوديه والمسيحيه والاسلام(نشأت قبل ثلاث الاف عام فقط) ,والتي يدين بها معظم عالم اليوم,فقد ظهرت طبقة رجال الدين في كل تلك الاديان بلا إستثناء,فأينما وجد دين ,يظهر رجال يتحدثون بإسمه ويحتكرون قداسته,وللحفاظ علي إستمرارية ذلك الدين وتلك الطبقه,كان من الضروره تماهيها مع السلطه الحاكمه القويه وتزلفها لها تفاديا للصدام الخاسر,بل إن نفاق رجال الدين في الاديان القديمه وصل إلي حد تآليه الحاكم أو جعله –علي الاقل ,نصف إله أو إبن اله ,وذلك عند من تمتعو بالقليل من حياء الزمن القديم ,والتاريخ خير شاهد علي ذلك ,طبعا بإستثناء بعض الاضاءات القليله هنا وهناك.

أما في الاديان الابراهيميه الحاليه ,فقد تقلص ذلك الدور كثيرا في المسيحيه ,بفضل الديموقراطيه الغربيه وتهميش العلمانيه لتلك الطبقه ,مما أدي لتحرر (معظم)رجال الدين المسيحي  الغربي من نفاق القرون الوسطي,بينما لازلنا نشاهد (القليل)من حاخامات اليهود اليوم يمارس  ذلك الدور القديم علي إستحياء ,برغم الديموقراطيه الاسرائيليه ذات النمط الغربي ,وذلك ربما للتمازج العجيب بين الدين والعلمانيه في ذلك البلد, ووقوعه في قلب جغرافيا ملتهبه قابله للانفجار في أي وقت,بينما لايزال (الكثير) بل الكثير جدا من علماء المسلمين يمارس ذلك الدور إلي يومنا المعاش هذا ,وذلك ربما بسبب القمع الطويل وغياب الحريه وانتشار الفساد أو الجهل والفقر,يشاركهم في هذا الدور الوضيع  بعض الاعلاميين والمتسلقين والشعراء المنافقين كأمثال إبن هاني الاندلسي والذي بلغ به النفاق ذات مره أن أنشد مادحا الخليفه الفاطمي المعز لدين الله قائلا:

(ماشئت لا ماشاءت الاقدار ,,,,فأحكم ,فإنت الواحد القهار…).

والهيئه الدينيه التي تسمي نفسها (هيئة علماء السودان),واحدة من أشهر الامثله المعاصره لنفاق رجال الدين في السودان ,فهي ملآي بالعديد من (التراتوفات) السودانيين ,الذين يملأون الدنيا ضجيجا هذه الايام  ويتباكون –زورا وبهاتنا,علي الدين والشريعه,ويستغلون منابر المساجد الطاهره للتحريض علي العنف والخروج علي الحاكم الجديد والديموقراطيه الوليده,وبث خطاب العنصريه والكراهيه,بينما كانو في عهد البشير (الاسلاموي) البائد ,يغضون أبصارهم تماما عن مجازر دارفور  البشعه ,ويشيحون بوجوههم عن صراخ النساء اثناء اغتصابهن وجلدهن ,ويغلقون اذانهم عن آنات المعذبين في سجون  جهاز الامن الاخواني,ويضعون المناديل المعطره علي أنوفهم حتي لايشمون رائحة فساد حكامهمم وأولياء نعمتهم ,والتي أزكمت رائحتها أنف السودان,وفي ذات الوقت يتباكون في خطب الجمعه وفي قنواتهم التلفزيونيه علي عذابات مسلمي بورما وقتلي مسجد النور بنيوزلندا ,ويحشدون الناس في مسيرات الغضب  المندده بالاعتداءات الاسرائيليه المتكرره علي قطاع غزه,ولايتورعون –في وقاحه عجيبه,عن الافتاء للحاكم (الاخواني) بقتل ثلث شعبه(المسلم)- في شهر رمضان  المبارك,اذا ثار  ذلك الشعب عليه,بل ويبحثون له عما أسماه الدكتور أحمد أمين ب(الحيل الفقهيه) لتبرير جرائمه وفظائعه ويزينون له الباطل ويعدون أخطاءه اجتهادا يؤجر عليه,كما لايستحون ان يبتهجو جهارا بنجاح تحريضهم علي  فض اعتصام القياده العامه بتلك الطريقه الوحشيه ورمي جثث المعتصمين في النيل,لذلك ينبغي علينا ياساده أن نفرق بين (الدين والكهانه) كما قال الدكتور علي الوردي في كتابه الشهير (وعاظ السلاطين ),وان نعرف من أين نستقي ديننا البراء منهم ,وأن نمنح آذاننا ومشاعرنا لمن يستحقها حقا ,واعتقد جازما أن الديموقراطيه هي العدو الحقيقي لرجال الدين فهي إن لم تفنهم ,فهي علي الاقل تحييدهم,فالديموقراطيه هي النور ,ورجال الدين هم (خفافيش الظلام).

عماد عثمان

طبيب بالصحه النفسيه/السعوديه

[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.