أخبار السودان

إنتاج البيانات والاحصاءات الوطنية: تحديات ومخاطر مستترة

رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية.... 

يبدو أن هناك اتفاقاً واسع النطاق بين قطاعات الشعب السوداني المختلفة على أن التغلغل العميق لمنسوبي المؤتمر الوطني في أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة يعتبر أبرز المخاطر والمهددات التي تواجه جهود إعادة بناء تلك المؤسسات. لذلك ليس مستغرباً أن تنطلق العديد من المطالبات المصحوبة بالتحذيرات حول ضرورة اجتثاث وتفكيك دولة الكيزان العميقة كأولى الخطوات والإجراءات التي ينبغي على وزراء حكومة الفترة الانتقالية تبنيها ليتحقق النجاح في عمليات إصلاح مؤسسات الدولة وإعادة بناءها لتكون فاعلة بالقدر الكافي لخدمة قضايا المجتمع السوداني، وتلبية احتياجات الوطن التنموية. ويبدو أن النصيب الأكبر من تلك المطالبات كان متركزاً حول ضرورة إقالة وكلاء الوزارات ومدراء الجامعات وغيرهم من أصحاب المناصب الرفيعة، يضاف إلى ذلك المطالبات المتكررة بضرورة حل المؤسسات المرتبطة بالدولة العميقة مثل الدفاع الشعبي والأمن الشعبي والأمن الطلابي وغيرها من مؤسسات تم صناعتها لخدمة أجندات حزبية ليس لها أدنى ارتباط بقضايا الوطن والمواطنين. وما من شك في أن مثل هذه الإجراءات تعتبر مدخلاً مهماً لعمليات الإصلاح، إلا أن ذلك لا يعني أن تتركز مخاوفنا حول هذه القضايا فحسب، فهناك العديد من المخاطر والمهددات المستترة وغير المرئية والتي لا تقل خطورة عن تواجد منسوبي المؤتمر الوطني في المواقع القيادية العليا بمؤسسات الدولة المختلفة. في هذا السياق يحاول هذا المقال أن يلفت انتباه من يقودون مؤسسات الدولة إلى واحدة من تلك القضايا، وهي قضية إنتاج البيانات والاحصاءات الوطنية. 

ومما يجدر الإشارة إليه أن ممارسات الدولة (في العهد البائد) للتعامل مع هذه القضية كانت تتم في الغالب في سياق من التضليل وتزييف الحقائق وبصفة خاصة ما يتعلق ببيانات واحصاءات الموازنة العامة للدولة وتقديرات المؤشرات الاقتصادية الكلية، وغيرها من مؤشرات، فالموجه الرئيس لقادة مؤسسات الدولة من الوزراء وكبار المسؤولين في ذلك العهد كان يتمثل في ضرورة أن تأتي عملية إنتاج البيانات والاحصاءات متطابقة مع أهداف وتوجهات وبرامج الحزب المحددة مسبقاً بغض النظر عن الواقع الفعلي لتلك البيانات ودون التقيد بالمعايير المطلوبة في مثل هذه الحالات، ودون مراعاة للتكلفة الاقتصادية الباهظة لهذه الممارسات غير المنضبطة أخلاقياً ومهنياً. أدى ذلك إلى أن يكون اهتمام مؤسسات الدولة بهذه القضية في غالبيته لا يخرج من دائرة التنظير والشعارات والظهور الإعلامي، وأدى كذلك بأن تصبح المؤسسات المسؤولة عن إدارة قضايا البيانات عاجزة عن إنتاج بيانات ذات موثوقية عاليه تعين المخططين في التغلب على التحديات التي يواجهها اقتصادنا الوطني، وليس أدل على صحة هذا الادعاء من وجود العديد من حالات عدم التجانس والتوافق بين البيانات والاحصاءات الصادرة من الجهاز المركزي للاحصاء والبنك المركزي ووزارة المالية، وبالتأكيد فإن مجال هذا المقال لا يسمح بمناقشة هذه الحالات، وهي في مجملها تمثل واحدة من مصادر المخاوف التي يشير إليها هذا المقال.

وبعيداً عن الغوص في التفاصيل الفنية المرتبطة بهذه القضية، يشار إلى أنه عندما تصبح مؤسسات الدولة عاجزة عن إنتاج بيانات واحصاءات تمتاز بدرجة عالية من الدقة والشمول والاتساق، فإنه ستتضاءل فرص واحتمالات نجاح خطط وبرامج التنمية التي يسعى إليها المخططون ومتخذو القرارات بتلك المؤسسات. كما سترتفع حالات عدم الثقة حول أداء مؤسسات الدولة لدى قطاعات المجتمع المختلفة والمستثمرين وغيرهم من الأطراف ذات العلاقة. وبدون تلك الاحصاءات الدقيقة، لن تتمكن الدولة من تحقيق الفاعلية في جهودها لمحاربة الفساد، تلك الجهود التي بدأت تتصدر اهتمامات قادة الدولة، وتتصدر المشهد الإعلامي في الآونة الأخيرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التضارب في إنتاج البيانات والاحصاءات الوطنية سيضع بلادنا في موضع شك كبير لدى المؤسسات الإقليمية والدولية، ويجعل سمعة الوطن ومكانته في تراجع مستمر على مؤشرات التنافسية العالمية في شتى مجالات الحياة.

وحتى تتحقق الفاعلية المطلوبة لمواجهة هذه التحديات، فإن المقال يقدم بعض المقترحات والتوصيات العملية التي يمكن أن تتكامل مع جهود الدولة الأخرى في هذا المجال. 

أولاً يجب أن يدرك قادة الدولة أن أولى الخطوات المطلوبة للارتقاء بعمليات إنتاج ونشر الاحصاءات الوطنية يتمثل في زيادة مستويات الوعي بأهمية تلك العمليات لدى من يتولون إدارة مؤسسات الدولة المختلفة. ينصح هذا المقال بضرورة أن يتبنى الجهاز المركزي للاحصاء (بعد إعادة هيكلته) إصدار دليل يحمل مسمى: دليل المعايير الوطنية لإنتاج ونشر البيانات الاحصائية. كما يمكن إصدار وثيقة بمسمى: أخلاقيات العمل الاحصائي الوطني، مع ضرورة عقد اللقاءات الدورية مع الوزراء للتأكيد على تلك الأهمية. 

ثانياً، الشروع فوراً في الارتقاء بقدرات ومهارات الكادر البشري المسؤول عن عمليات إنتاج البيانات وذلك من خلال طرح العديد من برامج تعزيز القدرات، والحرص على مواكبة المستجدات العالمية في هذا المجال. وهنا يمكن أن تتبنى وزارة المالية برنامجاً مهنياً (مثلاً: الدبلوم المهني في إدارة البيانات والاحصاءات الوطنية) يتم طرحه عبر أكاديمية الدراسات المالية والاقتصادية التابعة لوزارة المالية (على سبيل المثال) مستهدفاً موظفي وموظفات الدولة على مستوى المركز والولايات، على أن تكون المرجعية الرئيسة للمحتوى العلمي لهذا البرنامج الممارسات التي تتبناها المؤسسات ذات السمعة المتميزة في مجال إنتاج ونشر البيانات والاحصاءات مثل صندوق النقد العربي، البنك الاسلامي للتنمية، البنك الافريقي للتنمية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي وغيرها.  

ثالثاً، العمل علي أن تكون الأولوية في تعيين الكوادر الوظيفية في دوائر الاحصاء والمعلومات بالمؤسسات المختلفه لمن يتخصصون في الدراسات الاحصائية والاقتصادية ومن لهم الأفق والإدراك بأهمية دقة وكفاءة الأرقام والاحصاءات وبصورة خاصه في بنك السودان المركزي، والجهاز المركزي للاحصاء، ووزارة المالية، وسوق الخرطوم للأوراق المالية وغيرها. 

رابعاً، الحرص على مواكبة التوجهات والمستجدات العالمية في مجال إنتاج البيانات ونشرها، وفي ذلك يتعين على المؤسسات ذات الصلة أن تعمل بصورة جدية علي اعتماد المنهجيات الاحصائية التي تستند الي توصيات المنظمات الاحصائية الدولية كاللجنه الاحصائية للأمم المتحده، وتوصيات المعهد الاحصائي الدولي، هذا بالإضافه إلي الالتزام بتوصيات الخبراء والاحصائيين علي المستوى الوطني والإقليمي والدولي. 

خامساً، التفكير في إنشاء إدارة/وحدة مستقلة بمسمى وحدة الرقابة والتدقيق (على سبيل المثال) ضمن الهيكل التنظيمي للجهاز المركزي للاحصاء يتمثل هدفها الرئيس في متابعة ورصد عمليات إنتاج ونشر الاحصاءات بمؤسسات الدولة المختلفة، والتأكد من مدى ملاءمة الأطر والمرجعيات العلمية التي تستخدمها المؤسسات في عمليات إنتاج المؤشرات الاحصائية. 

سادساً، تشكيل فريق بحثي من المختصين والباحثين في مجال الدراسات الاحصائية والاقتصادية لإجراء دراسة تقييمية شاملة لواقع إنتاج البيانات والاحصاءات في مؤسسات الدولة المختلفة، بهدف الوصول إلى مقترحات تدعم الجهود في مجال إنتاج البيانات. 

سابعاً، أن يتبنى الجهاز المركزي للاحصاء عقد مؤتمر علمي أو منتدى على أساس سنوى  لمناقشة القضايا ذات الصلة بواقع إنتاج البيانات والاحصاءات الوطنية تتاح فيه المشاركة لكافة مؤسسات الدولة، على أن تشكل أقسام الاحصاء بالجامعات السودانية المختلفة حضوراً في اللجان المختلفة التي تتولي عمليات تخطيط وتنفيذ أعمال المؤتمر أو المنتدى. وهنا يمكن خلق شراكة استراتيجية بين الجهاز المركزي للاحصاء ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي. 

ثامناً، على مسؤولي الجهاز المركزي للاحصاء بذل المزيد من الجهود لتطوير الموقع الإلكتروني للجهاز وتحديثه ليواكب الممارسات المطلوب توافرها من حيث المرونة العالية وسهولة الاستخدام وشمول المتغيرات والمؤشرات التي تلخص واقع الدولة والأداء العام لمؤسساتها حسب المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والبيئية والسياسية وغيرها. فالموقع بوضعه الحالي تنقصه العديد من تلك الممارسات. يتضح ذلك جلياً إذا ما عقدنا مقارنة بالمواقع الإلكترونية للمراكز والمؤسسات المناظرة في الدول العربية والأفريقية من حولنا.

نعود للتأكيد مرة أخرى على أنه قد حان آوان أن تتعامل مؤسسات االدولة مع قضية إنتاج ونشر البيانات والاحصاءات على أساس أنها واحدة من القضايا الاستراتيجية للدولة. 

وفقنا الله وإياكم في خدمة المجتمع السوداني

د. سليمان زكريا سليمان عبدالله
أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس – سلطنة عمان
أستاذ مساعد (سابقاً) بكل من جامعة بخت الرضا وجامعة الخرطوم
[email protected]

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق