مقالات وآراء

بين رأس المال والإيديولوجيا واللامساواة

يعتبر الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي باحثا متمرسا في شئون الرأسمالية والنيوليبرالية وقد صدر له قبل 3 سنوات كتاب ضخم اسمه “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”، قدم فيه تحليلا مكثفا وشائقا لقضية عدم المساواةInequalities  وتطورها منذ القرن الثامن عشر وحتى 2015م تاريخ صدور كتابه، ليثبت بطريقة إحصائية بالغة الدقة والوضوح كيف أن مبادئ السوق الحر حتى في دول مثل دول الرفاه الأوربية – لن يصل إلي تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ويقوم كتابه رأس المال علي معادلة أساسية أثبتها بشكل إحصائي مبهر وهو أن معدل العائد علي راس المال يزيد دوما – في جميع الظروف والأوقات – عن معدل النمو العام للناتج المحلي، سواء أن كان ذلك في فترات الرخاء أو الكساد وأن الثروة دوما ستتركز أكثر وأكثر في إيدي القلة من الأغنياء في المجتمع.

وفي بداية شهر سبتمبر من العام الحالي صدر له كتاب جديد باللغة الفرنسية حول نفس الموضوع أسماه  “راس المال والأيديولوجياCapital et idéologie” وهو في مجمله يناقض ما كانت تؤمن به رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر والرئيس الامريكي رونالد ريغان وباقي عتاة الفكر الرأسمالي في الثمانينات من إن اقتصاد السوق هو النظام الوحيد القابل للاستمرار أو نهاية التاريخ كما يقول فرانسيس فوكوياما!

والكتاب في نصه الفرنسي يقع في أكثر من 1200 صفحة  ومقسم علي سبعة عشر فصلا ، ومن المقرر صدور ترجمة بالإنجليزية عن دار نشر جامعة هارفارد في شهر مارس 2020م.

ويستكشف الكتاب الأفكار التي بررت عدم المساواة علي مر العصور ويعري عدم فعالية الأحزاب التقليدية من اليسار واليمين في التوصل إلى حلول لإعادة توزيع الثروة، ويعزز توماس بيكتي داخل الكتاب أفكاره الخاصة لجعل الاقتصاديات في العالم أكثر عدالة.كما يعمل من خلال هذه الأفكار علي حث الجميع على مناقشة سبُل تخطي الرأسمالية. فهو في هذه الدراسة التي تتناول تاريخ اللامساواة في العالم وانتصار ليبرالية الأسواق «المناقضة تماماً لمنطق المساواة» منذ أواخر الثمانينيات، يكشف الكاتب ضعف الإيديولوجيا الرأسمالية، التي يرفعها البعض إلى مقام العلم، مذكرا عن حق، بوجود بدائل، وبأن النقاشات الفكرية قادرة على توليد توافق حول حل بديل من شأنه المساهمة في إحداث التغيير. وحسب ما يتناوله الكاتب فأن «الأسواق والمضاربات، والأرباح والأجور، ورأس المال والدين، والعمالة الماهرة وغير الماهرة، والمواطنون والمهاجرين، والملاذات الضريبية والمنافسة، ليست مفاهيم قائمة بذاتها، بل هي مركّبات اجتماعية وتاريخية تعتمد بالكامل على النظام القانوني والضريبي والتعليمي والسياسي الذي ننشئه بإرادتنا». لذا، فإنّ تاريخ اللامساواة هو أولاً تاريخ إنتاج الخطابات التي تبرّر التفاوتات في الثروة. ويمكن التوصّل إلى قراءة جديدة عبر التجارب التاريخية الماضية واعتماد نهج يجمع بين مجالات واختصاصات متعدّدة، يمكن البحث عن نماذج بديلة أو «رسم ملامح لنظام اشتراكي تشاركي جديد للقرن الواحد والعشرين»، بحسب تعبيره.

في كتابه يمر بيكتي بالتاريخ الفرنسي، من النظام الملكي القديم قبل الثورة الفرنسية وصولاً إلى القرن التاسع عشر، ومروراً بالطبع بالثورة الفرنسية، التي كرّست مفهوم الملكية بمعناه الحديث، يجري الكاتب مراجعة مضنية للمسار التصاعدي لعناصر اللامساواة، متجاوزا العصر الذهبي (1870-1914) والذي يبدأ بالانحدار منذ عام 1914م عام الحرب العظمي، لكي يتسارع في ثلاثينيات القرن المنصرم إثر الهزّات السياسية الكبرى، التي وفّرت بيئة مواتية لفرض ضرائب تصاعدية على الدخل والميراث من جانب الممتلكات. وتمثّل الأثر الأوضح لذلك في إعادة توزيع الملكية وتعزيز المساواة، وهو ما عجزت الثورة الفرنسية عن تحقيقه. وللمفارقة، يذكّر الكاتب بأن الولايات المتحدة، قبل أن تتحوّل إلى مركزعتيد في «النهضة الليبرالية»، كانت هي من ابتكر مفهوم الضريبة التصاعدية عند بداية التراكم المالي الكبير والاحتكارات في بداية القرن العشرين. فقد كانت الولايات المتحدة «تخشى بالفعل من فكرة التحوّل في يوم من الأيام إلى دولة تسود فيها مبادئ اللامساواة كما في أوروبا القديمة، التي كان يُنظر إليها آنذاك على أنها تتحكم فيها الروح الأوليغارشية والمناقضة تماما لروح الديموقراطية الأميركية». وقد بلغت هذه الضرائب التصاعدية الحديثة والواسعة النطاق نسبة 75 في المئة على المداخيل الأعلى بين عام 1950 وأواخر الثمانينيات من القرن العشرين.

ولكن منذ عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان، أدى الإيمان المتزايد بنظرية «المنفعة للجميع» (Supply side economics) – التي تقيم علاقة سببية وهمية بين الحد من الضرائب على المداخيل الأعلى وبين تحفيز النمو – إلى خفض معدل الضرائب إلى مستوى متوسط يبلغ 35 في المئة خلال الفترة الممتدّة بين عامَي 1988 و2018. ويثبت الكاتب بالأرقام، أنّ النمو الاقتصادي خلال تلك المرحلة تراجع إلى نصف ما كان عليه في السابق، إذ انخفض نمو حصّة الفرد من الناتج المحلي في الولايات المتّحدة من 2.2 في المئة سنوياً كمعدل متوسط بين عامَي 1950 و1990 إلى 1.1 في المئة سنوياً بين عامَي 1990 و2018. إلا أن هذا التشخيص لفشل النموذج الاقتصادي الأميركي والإفقار المتزايد للـ50 في المئة للفئة الأكثر فقراً من السكان، الذين يعانون من تضاؤل حصّتهم من إجمالي العائدات ومن الركود في المداخيل الحقيقية وتراجع القدرة الشرائية، مقارنة بالسبعينيات، لم يؤدِّ إلى النظر جدياً في الخيارات البديلة الممكنة.

بالنسبة إلى كتاب بيكيتي، يعود سبب ضعف التحالفات الداعمة للمساواة إلى تحول بنية الصراع السياسي من صراع «طبقي» في الفترة الممتدة بين الخمسينيات والثمانينيات إلى صراع «نخبوي» بعد تلك الفترة، وإلى عجز هذه القوى عن «التفكير في إعادة توزيع الثروة والضرائب التصاعدية وتنظيمهما على المستوى الوطني، وأخيراً إلى صعوبة إقامة رابط بين مسألة اللامساواة وتنوّع الجذور القارية والعرقية للسكان. وفي المقابل، يرفض الكاتب النزعة القَدَرية، ويدعو إلى بناء أسس «الملكية العادلة، والتعليم العادل، والدخول العادلة»، عبر إطالة أمد التجارب التاريخية والأدوات المؤسسية الناجحة. ويسلط الكاتب الضوء على طرحين أساسيين لنبذ الإيديولوجيا التي تقدس الملكية والثروات وتؤدي إلى إعادة إنتاج أسباب اللامساواة، وبالتالي لـ«تخطّي الرأسمالية». ويتمثل البديل الأوّل، الذي تمّت تجربته في السويد وألمانيا – بعد مواجهات ونضالات اجتماعية عديدة – في إرساء نظام قائم على الملكية الاجتماعية للثروة، مستوحى من نظام الإدارة المشتركة للشركات، والذي يسمح بتشارك السلطة بشكل متساو بين المساهمين وأرباب العمل. ويهدف ذلك إلى إحداث تحول في كيفية تمثيل الملكية، كما جرى في ألمانيا، حيث تم الانتقال من تمثيل محافظ يعود إلى القرن التاسع عشر إلى رؤية أكثر اجتماعية صارت مكرسة في الدستور. أما الطرح الثاني فيتمحور حول اعتماد نظام الضريبة التصاعدية على المداخيل والأملاك مجدداً، أو ما يُعرَف بـ«النظام الضريبي الأكثر تشدّداً تجاه مداخيل كبار الملاك، والأكثر ليونة تجاه المداخيل الأدنى»، وذلك بالاستناد إلى التجربة الأميركية في بدايات القرن العشرين، وهو ما يعني عملياً إنشاء ملكية مؤقتة عبر تصفية الأملاك الكبيرة والإحتكارات.

أنّ كتاب توماس بيكيتي يفكك الأسطورة القائلة إن الرأسمالية النيوليبرالية هي نهاية التاريخ وأنها الأفق الوحيد للإنسانية الذي لا يمكن تخطيه، لا بل إنه يعيد النظر في تطوّر الأُطُر الاجتماعية لتشكل الهيئات التمثيلية والأحكام القيمية الاجتماعية وترجمتها المؤسسية المرتبطة بكل سياق تاريخي-اجتماعي. نظراً إلى أنّ الموقف من الظواهر الاجتماعية والانتماء إلى نظريات معيّنة والمؤسسات المختارة ليس موقفاً مجردا من التأثيرات الإيديولوجية.

الكتاب في النهاية لا يعتبر تاريخ اللامساواة كتاريخ اقتصادي أو تقني صرف، بل يجب النظر إليه كتاريخ إيديولوجي وسياسي بكل ما للكلمة من معنى.

د. محمد سيد أحمد ساتي

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى