مقالات وآراء سياسية

هل يشهد العرب ربيعا جديدا؟ 

يوسف السندي 

انتهى الربيع العربي الذي انطلق في نهاية عام ٢٠١٠ إلى نهايات كارثية ، حيث لم تنجو منه الا تونس ، رغم أنه مر بدول عربية متعددة ، حيث انزلق في سوريا و ليبيا و اليمن إلى حروب طاحنة مزقت البلاد و مازالت نيرانها مشتعلة ، بينما عادت مصر القهقري نحو حكم شمولي جديد قبل أن تكمل الديمقراطية الثورية دورتها الانتخابية الأولى.
هذه النتائج أصابت الكثيرين من الحالمين بالديمقراطية و الحرية في العالم العربي بالإحباط، بينما انعشت أصحاب الأجندة الشمولية الذين أصبحوا كلما سمعوا صوت ثورة في بلد هرعوا اليها بأسئلة من شاكلة : الا ترون ليبيا و سوريا و اليمن ؟! هل تريدون ان تصيروا مثلهم ؟ ، و كثيرا ما كانت هذه الأسئلة عاملا مخذلا للجماهير و خاصة العامة منهم .
هكذا كان الحال حتى جاءت نهاية عام ٢٠١٨ حين هب الشعب السوداني إلى الطرقات مناديا باسقاط نظام البشير، ثم تبعه الشعب الجزائري مناديا باسقاط العهدة الخامسة لبوتفليقة ، فتغير الحال .
من لحظة خروجهم واجه السودانيون أسئلة ليبيا و سوريا و اليمن ، و لكنهم لم يكترثوا لها ، و بل عملوا على تطوير وسيلة تمنع انزلاق ثورتهم إلى المصير الكارثي للربيع العربي ، هم علموا أن الانزلاق حدث حينما ترك الشعب الهتاف و السلمية و لجأ إلى مواجهة عنف الأنظمة بالعنف المضاد، لذلك اعلنوا السلمية شعارا لثورتهم ، و كانوا كلما اشتد بطش نظام البشير هتفوا في يقين و عزم : سلمية ، سلمية . واجهتهم ألة النظام القمعية بكل أشكال القمع من رصاص و سجون و فصل من الوظيفة و تعذيب و هراوات و مسيل للدموع، و لكنهم حافظوا على السلمية بطريقة مدهشة، كان العالم يحبس أنفاسه و هو يشاهد معارك الكر و الفر بين المتظاهرين السلميين و كتائب النظام الأمنية، كان العالم يعلم أن السودان مليء بالحروب و المرارات لهذا كان يظن أن لحظة انزلاق الثورة إلى حرب أهلية هي مجرد زمن ، و لكنه خسر الرهان ، حتى حينما تم فض الاعتصام بقوة السلاح و تم استباحة العاصمة بواسطة المليشيات ، مارس الشعب السوداني ضبطا للنفس ليس له مثيل ، حتى خرج في ٣٠ يونيو ليعلن انه مارد السلمية.
انتصر الشعب السوداني عبر ثورة سلمية لمدة تجاوزت السبعة أشهر، كان فيها الشعب صديق الطرقات و رفيق السجون و الحزن و لكن إيمانه بالنصر لم يتزحزح حتى أسقط النظام و أقام دولة الثورة . و كذلك مارس الشعب الجزائري ذات الدور السلمي في الطرقات و قدم ملاحم في الحفاظ على المواكب السلمية من أجل المطالب ، و رغم أن الثورة الجزائرية لم تصل بعد إلى نهاياتها الا انها بكل تأكيد عبر أكثر من ٧ شهور أثبتت أنها ستكون سلمية حتى النهاية .
لقد حفز النموذجين السوداني و الجزائري شعوب العالم العربي في دول آخرى حيث خرجت شعوب العراق و مصر و لبنان إلى الطرقات تطالب بالتغيير ، مما اعاد إلى الأذهان مشهد الربيع العربي السابق .
مازال الوقت مبكرا على تسمية ما يجري في هذه الدول الثلاث بالثورات الناضجة ، و لكنها بكل تأكيد انتفاضات لها ما بعدها ، و بكل تاكيد اثبتت شعوب هذه الدول انها تعلمت الدروس من الربيع العربي السابق و من ثورة السودان و من ثورة الجزائر و ان السر يكمن في السلمية ، و أن الشعوب التي سلاحها هو الوسائل السلمية من مواكب و تظاهرات و اعتصامات و إضرابا لن تهزم ابدا و ستصل ال الحرية و إن طال السفر .
يوسف السندي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق