مقالات وآراء سياسية

حول الدعوة إلى تعليق العقوبات الجسدية في الإسلام (2)

بابكر فيصل

تناولت في الجزء الأول من هذا المقال النداء الذي أطلقه المفكر الإسلامي طارق رمضان مطالبا فيه بالتعليق الفوري للعقوبات الجسدية (الحدود الشرعية) في الإسلام، والحجج التي ساقها لتبرير ذلك المطلب، وكذلك استعرضت مثالا للردود التي حظي بها النداء من قبل التيار الإسلامي الداعي للتطبيق الفوري للحدود.

كذلك سار النائب الأسبق لرئيس مجلس الدولة بمصر، طارق البشري، على ذات النهج الذي يتجاهل الإجابة على الأسئلة التي طرحها رمضان، وعزا أسباب إطلاق الأخير للنداء للاعتبارات العملية والواقعية التي يلقاها في مواجهته مع الظروف والأوضاع الإعلامية والثقافية التي تحيط به في الغرب.

وأيضا أشار البشري إلى أن الذي يطالب به رمضان هو أن “يتخذ المسلمون موقفا معناه وقف العمل بأحكام القرآن والسنة إلى حين إشعار آخر، ولا يملك المسلمون جميعا أن يوقفوا حكما في القرآن والسنة أو أن يصدروا بهذا قرارا، فهذه دعوة أكاد أقول إنها لا تطاق بهذا الأسلوب الذي جرت به وبهذه الخفة التي صدرت بها”.

بالطبع لا يخلو حديث البشري أعلاه من تحايل وتعمية على المطلب الحقيقي للنداء، ذلك لأن رمضان لم يدع لوقف العمل بجميع أحكام القرآن والسنة، بل طالب بتعليق الحدود وفقا لمبررات محددة، من بينها أنه لا يوجد إجماع بين المسلمين على تطبيقها، كما أن بعضها لا يعتبر لدى كثير من المدارس الفكرية حدا شرعيا مثل الرجم.

من الجلي أن المدافعين عن التطبيق الفوري للحدود قد جنحوا إلى تفسير النداء بوصفه جزءا من المؤامرة الغربية، وفي أفضل الأحوال نتاج للضغوط التي تمارسها الأوساط العلمية والفكرية في العالم الغربي على المفكرين المسلمين المقيمين هناك، وأن الهدف من وراء إطلاق النداء هو تفكيك الهوية والثقافة والأعراف، متجاهلين الإشارة للسبب الرئيسي الذي ذكره رمضان والمتمثل في وجود نساء ورجال تطبَق عليهم هذه العقوبات دون أن يكون عليها إجماع بين المسلمين.

أما الفئة الثانية التي تنادي بضرورة تهيئة الأوضاع الاجتماعية قبل الشروع في تطبيق الحدود، فقد قام بطرح رؤيتها حول النداء مفتي مصر السابق، الدكتور على جمعة، الذي قال إن “قضية تطبيق الشريعة لا بد أن تفهم بصورة أوسع من قصرها على تطبيق الحدود العقابية بإزاء الجرائم، كما هو شائع في الأدبيات المعاصرة، سواء عند المسلمين أو عند غيرهم، حيث أن تطبيق الشريعة له جوانب مختلفة، وله درجات متباينة، وليس من العدل أن نصف واقعا ما بأنه لا يطبق الشريعة لمجرد مخالفته لبعض أحكامها في الواقع المعيش”.

وأوضح جمعة أن “قضية الحدود تشتمل على جانبين: الجانب الأول هو الاعتقاد بأحقية هذا النظام العقابي في ردع الإجرام وفي تأكيد إثم تلك الذنوب ومدى فظاعتها وتأثيرها السيئ على الاجتماع البشري ورفضها بجميع صورها نفسيا لدى البشر، وأن هذا النظام العقابي لا يشتمل على ظلم في نفسه ولا على عنف في ذاته، والجانب الآخر هو أن الشرع قد وضع شروطا لتطبيق هذه الحدود، كما أنه قد وضع أوصافا وأحوالا لتعليقها أو إيقافها، وعند عدم توفر تلك الشروط أو هذه الأوصاف والأحوال فإن تطبيق الحدود مع ذلك الفقد يعد خروجا عن الشريعة”.

نوَّه جمعة في تعليقه إلى أن لمدة نحو ألف سنة لم تقم الحدود في بلد مثل مصر، وذلك لعدم توفر الشروط الشرعية التي رسمت طرقا معينة للإثبات والتي نصت على إمكانية العودة في الإقرار والتي شملت ذلك كله بقوله صلى الله عليه: “أدرؤوا الحدود بالشبهات”، وقول عمر بن العزيز :”لأن أخطئ في العفو ألف مرة خير من أن أخطئ في العقوبة”.

إن حديث مفتي الديار المصرية أعلاه يضع دعاة التطبيق الفوري للحدود في المحك، ويثير العديد من التساؤلات حول مكانة الحدود في الشريعة، فإذا كانت الأخيرة لم تطبق في دولة إسلامية كبرى مثل مصر لمدة عشرة قرون فهل يعني هذا أن أرض الكنانة وشعبها المسلم قد خرجوا عن الدين الإسلامي؟

من ناحية أخرى، لم يجد نداء رمضان تفاعلا من قبل الفئة الثالثة التي ترفض تطبيق العقوبات الحدية باعتبار أنها لا تتماشى مع روح العصر، وأن تطبيقها في الماضي كان يناسب أعراف المجتمعات القديمة، وأنه ليس كل أمر يلزم المسلمين في أي وقت وفي أي ظرف خاصة بالنسبة للمعاملات، كما أن تطبيق الشرع بالنسبة لهم يتمثل أولا في تطبيق العدالة بين الناس.

هذه الفئة تطالب بقراءة آيات الحدود في سياقها التاريخي، وربطها بأسباب النزول، مستندة في ذلك على أن القرآن لم يهبط دفعة واحدة كألواح التوراة ولكنه تنزَّل مُنجَّما ومُفرَّقا في ثلاث وعشرين سنة، وقد نُسخت كثير من آياته، وأُنسي بعضها، مما يؤكد حقيقة تفاعله مع الواقع التاريخي وقدرته على التعامل مع الوقائع المستحدثة.

اليوم، وبعد مرور حوالي خمسة عشر عاما على إطلاق رمضان ندائه لتعليق العقوبات الجسدية، ما زالت الأسباب التي دعته لكتابة البيان موجودة، حيث أنه ما يزال هناك العديد من النساء والرجال الذين تطبق عليهم هذه العقوبات دون وجود إجماع عليها بين المسلمين، كما أن هناك تيارات إسلامية متشددة (داعش مثالا) قامت بتطبيق تلك العقوبات بصورة فجة أكدت أهمية النظر في دعوة رمضان لتعليقها.

 

بابكر فيصل

‫4 تعليقات

  1. ان الحضارة العربية الاسلامية تعد واحدة من الحضارات التقليديةالتي تعيش حالة تشنج حاد من صدمة الحداثة و خاصة في ظل غياب تام و رفض كامل لنتاج عقل الأنوار الذي أفضى لمفهوم جديد فيما يتعلق بالحرية الفردية في المجتمعات الحديثة حيث أصبح الدين أمر فردي أي علاقة فردية بين الانسان و ربه و عليه في المجتمعات الحية قد قضت زمان و انتهت فيه لراي بأن الاخلاق و ليس الدين هي التي تقود الى سلام المجتمعات و لم يعد الدين جالب لسلام العالم بل الاخلاق لذلك قد وصل الحال في المجتمعات الحديثةلمستوى دين الخروج من الدين عبر دراسات انثروبولوجية و سوسيولوجية حيث أصبح الدين خاضع لسلطان العلم و عليه يبتدئ الدين بعد حدود العقل وفقا لفلسفة ايمانويل كانط و هي روح العقد الاجتماعي في العصر الحديث وعليه الغائب الأكبر في مجتمع تقليدي كمجتمعنا السوداني هي أفكار تجسد روح النزعة الانسانية. فالمسألة مسألة وقت ليس الا و بعدها سيكون ابتدأ زمن الفرد و العقل و الحرية و حينها لم تبقى غير الاخلاق التي تملأ جوانح الانسان و التاريخ الذي تحركه الأخلاق كموتور كما يقول كانط وحينها يكون الفرد عقلاني يطيع نفسه وفقا للوائح و قوانيين المجتمع الذي ينحدر منه و تكون مفتوحة الى ملا نهاية دالة في تراجيدية مسيرة الانسانية بعيدة عن وحل الفكر الديني المتطرف منه و المعتدل و يصبح مثل كلام طارق رمضان تحصيل حاصل و حينه سيختفي كل متاجر بالدين و يصبح أمر الدين أمر فردي فالاسلام لا يختلف عن اليهودية و المسيحية التي قد خضعت كل منهما لسلطان العلم و افسحتا الطريق لأفكار النزعة الانسانية.

  2. ان الحضارة العربية الاسلامية تعد واحدة من الحضارات التقليديةالتي تعيش حالة تشنج حاد من صدمة الحداثة و خاصة في ظل غياب تام و رفض كامل لنتاج عقل الأنوار الذي أفضى لمفهوم جديد فيما يتعلق بالحرية الفردية في المجتمعات الحديثة حيث أصبح الدين أمر فردي أي علاقة فردية بين الانسان و ربه و عليه في المجتمعات الحية قد قضت زمان و انتهت فيه لراي بأن الاخلاق و ليس الدين هي التي تقود الى سلام المجتمعات و لم يعد الدين جالب لسلام العالم بل الاخلاق لذلك قد وصل الحال في المجتمعات الحديثةلمستوى دين الخروج من الدين عبر دراسات انثروبولوجية و سوسيولوجية حيث أصبح الدين خاضع لسلطان العلم و عليه يبتدئ الدين بعد حدود العقل وفقا لفلسفة ايمانويل كانط و هي روح العقد الاجتماعي في العصر الحديث وعليه الغائب الأكبر في مجتمع تقليدي كمجتمعنا السوداني هي أفكار تجسد روح النزعة الانسانية. فالمسألة مسألة وقت ليس الا و بعدها سيكون ابتدأ زمن الفرد و العقل و الحرية و حينها لم تبقى غير الاخلاق التي تملأ جوانح الانسان و التاريخ الذي تحركه الأخلاق كموتور كما يقول كانط وحينها يكون الفرد عقلاني يطيع نفسه وفقا للوائح و قوانيين المجتمع الذي ينحدر منه و تكون مفتوحة الى ما لا نهاية دالة في تراجيدية مسيرة الانسانية بعيدة عن وحل الفكر الديني المتطرف منه و المعتدل و يصبح مثل كلام طارق رمضان تحصيل حاصل و حينه سيختفي كل متاجر بالدين و يصبح أمر الدين أمر فردي فالاسلام لا يختلف عن اليهودية و المسيحية التي قد خضعت كل منهما لسلطان العلم و افسحتا الطريق لأفكار النزعة الانسانية.

  3. كلام جميل يا أستاذ بابكر فيصل،،،الدين يهدي للأخلاق الفاضلة للأفراد ومن ثم المجتمعات وهذه الأخلاق هي قمة الحضارة الانسانية فهي أي هذه الأخلاق الحضارية تحفظ حقوق الآخر وتحترم كرامة من يخطيء ونرجو أن تستمر الحضارة الانسانية في أخلاقيتها ولا ترتكس إلى حضيض المصالح – مصالح الأنظمة الحاكمة في الدول كما يدعو إليه ترامب وبوتن وما فعله أردوغان بالكرد وسلفه بالأرمن فالحضارة الانسانية المتخلقة بخلق أديان الفطرة الانسانية تجعل من هؤلاء القادة زعماء عديمي الأخلاق رغم تربعهم على هرم الحضارة المادية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..