مقالات سياسية

السُودّٓان لن يٓحكُمُه مُستبِدّ مرةً أُخرى .. إِصلاح مُؤسسة الجيش ضٓرورة المٓرحلة (١) ..‎

نضال عبدالوهاب

خرج السودان من مرحلة حُكم قاسية بكل المقاييس .. لم تكن ثورة ديسمبر مجرد إقتلاع لدكتاتور او نظام إستعمر السودان (فعلياً) ومكث لثلاثون عاماً، وحكم بالقهر والبطش والقوة والإستبداد ، فقد جاءت لِتُحدِث تغييراً عميقاً وشاملاً في شكل الدولة ونظام الحُكم فيه والدستور الذي سوف يحكُمها .. جاءت لتطوي عهوداً طويلة من الظُلم والفساد والتهميش والإقصاء وتغييب العدالة وسيادة الجهل والتخلف والإستبداد .. جاءت لتجعل اهل السودان جميعهم سواسية وأحرار .. يعيشون في سلام .. في وطن لا يتحكم فيه أو يحكُمه اللون أو العرق أو القبيلة أو اللغة أو الدين أو المعتقد .. ولا يحكمُه العسكر أو البندقية .. ولا سلطة فيه إلا للشعب ومن خلاله ديمُقراطية حقيقية وحرية وكرامة وعزة .. لا قهر أو تسلط أو سيادة أو سادة وعبيد .. سودان جديد كُليةً يبنيه جميع السودانيون الوطنيون والحقيقيون معاً ..
لعبت المؤسسة العسكرية والجيش طوال فترة السودان الحديث دوراً محورياً في أنظمة الحُكم المتعاقبة علي السودان ولعل ذلك لم يكُن إستثناءً عن كل دول العالم الثالث تحديداً والمنطقة حولنا .. والتي ظلت أسيرة لُعبة الإنقلابات العسكرية ومغامرات صِغار الضباط لسنوات طويلة لم تشهد بلدانها فترات للحُكم الديمُقراطي المستقر أو الحقيقي .. وهذا إمتداد لمرحلة الإستعمار وبدايات التحرر الوطني والمقاومة حيث أن النموذج الذي كان مُتبعاً هو النُظم المُتحكمة في شعوبها وتمارس الديكتاتورية والتسلط والإستفادة من خيرات البلاد لصالح مجموعات صغيرة أو دول خارجية .. وحتي ما بعد الإستقلال للسودان ومعظم الدول الأفريقية تواصل نمط الحُكم العسكري لأنه النموذج الاشبه بالإستعمار من حيث الحُكم بالقوة والتسلُط وغياب الحريات ، والذي ساعد علي ذلك أيضاً هو الحرب الباردة وإنقسام العالم مابين المُعسكر الغربي والشرقي وتحكُم أجهزة الإستخبارات وسباق المحاور والتسلُح وفرض الفكر الشيوعي من جهة والرأسمالي من الجهة الأخري وهذا التناحر والإستقطاب أنتج واقعاً شديد التخلف إستغلته الدول الكبري من أجل مصالحها .. فكان لابدّ أن تنتشر الحروب ويزيد الجهل والتخلف وإن خرج الإستعمار من الباب فلا بدّ أن يعود من الشباك .. لذلك وعلي الرُغم من أن الديمُقراطية مثلاً كانت مستقرة في كثير من دول أوربا وامريكا إلا أن الواقع العالمي ومحاوره كانت لا تعمل حقيقة علي أن تسود الديمقراطية دول العالم الثالث وأفريقيا .. فهم ينظرون لنا علي أننا شديدو التخلف وأن ثروات البلاد يجب أن يتواصل جلبها لهم .. لذلك حتي وبعد تحرر العديد من الدول في أفريقيا إلا أن تبعيتها للدول التي كانت تستعمرها قد تواصلت ولم يحدث في تلك البلدان أي تطور ناحية إصلاح أنظمة الحُكم فيها وإنتشار الديمُقراطية كما عندهم ! .. بل ظلت تدعم حُكام ديكتاتورين وعسكريين يقتلون شعوبهم ويبطشون بهم والشواهد علي ذلك كثيرة جداً .. ويتقاضوا عن فسادهم وسرقتهم لشعوبهم لأنه يُحقق لهم مصالحهم الإقتصادية خاصة في ظل الحرب الباردة كما ذكرت .. ليس هذا وحسب ، بل يُصنع العديد من الحُكام والأنظمة الباطشة المُستبدة في معامل أجهزة الإستخبارات والدوائر التي تستفيد من تخلف دول العالم الثالث وإفريقيا .. ولابدّٓ أن يستمر الصراع وأن تظل الحرب مشتعلة في تلك البلدان كي تستمر تجارة بيع الأسلحة التي تتقنها الدول الكبري .. وهذا الواقع يستحيل معه بداهةً أي حديث عن ديمُقراطية أو إصلاح لأنظمة الحُكم بإتجاهها .. وكي نفهم لماذا نحن ظللنا متخلفين تحكمنا الأنظمة العسكرية والباطشة لا بدّ أن نفهم كيف يُفكر العالم من حولنا ! ..

هذا الذي أتحدث عنه الآن صار جزءً كبيراً منه من الماضي .. فالعالم يتغير .. لكن تظل لغة المصالح لاتزال موجودة في تفكير الكثيرين ..

نحن في السودان عانينا كثيراً من تشابك المصالح العالمية تجاه السودان .. فالحرب ظلت مستمرة .. والحكومات العسكرية والديكتاتورية ظلت موجودة ولها هي الغلٓبة .. أما الفارق الوحيد فكان هو طبيعة الشعب السوداني ! .. فظللنا كشعب نقاوم كل أشكال التسلُط والإستعمار قديمه وحديثه ، لذلك فنحن الشعب الوحيد في كل المنطقة بل وأفريقيا الذي أزاح ثلاثة ديكتاتوريات بثورات شعبية سِلمية ( تُدرس ) حقيقةً ، فبرغم سيادة الجهل والتخلف وإشتعال الحرب وما أنتجه هذا الواقع من تباينات في مجتمعات السودان وبين مكونات شعبه وتفاوت في التنمية وإحتكار للسلطة وحصرها في المركز والمكون الإسلامي العربي ، إلا أن كل ذلك لم يوقف توق كل الشعب السُودانِّي للديمُقراطية والحُرية ..

العالم وبعد إنتهاء الحرب الباردة ونمو الديمقراطيات وإنتشارها في أوربا وإنتصار الرأسمالية إقتصادياً وسياسياً .. كان لابدّ أن تتغير نظرة العالم لأفريقيا ودول العالم الثالث ، فلم تعد لغة الحُكم العسكري والإنقلابات هي التي تُناسب التغيير الذي حدث ، خاصة مع تنامي التكنولوجيا وقُرب المسافات وثورة المعلومات ، فأصبح كل العالم يُشاهدنا ، فظهرت مسألة الإهتمام بحقوق الإنسان ورفض الظُلم والفوارق المجتمعية .. وأصبح صوتها عالياً في العالم ، ولكن مع هذا ظل حُماة الديكتاتوريات يسعون خلف مصالحهم ، وظلت آلة الحرب مستمرة كي لاتُغلِق مصانع الأسلحة أبوابها وتتوقف تجارتها ، ومع هذا يظل الصراع مستمراً ، فالتغيير ليس حِكراً علينا .. فالإصلاحيون موجودون في كل العالم والمناديين بالحُريات والديمُقراطية والعدالة والمساواة والسلام فيه أيضاً لهم صوتهم ومنافذهم وأماكن عملهم ! ..

لذلك فالمتأمل ومتتبع لثورة الشعب السُودانِّي سيُدرِك يقيناً أن هذا الشعب هو شعب مختلف حقيقةً وعظيم وأنه قد حسم أمره باكراً برفضه لكل أنواع التسلُط والديكتاتوريات فيه حتي وإن كٓمُل كله وفٓنيّٓ في سبيل الحُرية والعدالة والسلام والديمُقراطية ! ..

ونواصل في كتابتنا عن رفض الشعب السُودانيِّ لأي حكُم إستبدّٓادي أو حاكِم آخر مُستبِدّ وفي كيفية وأهمية إصلاح الجيش و المؤسسة العسكرية وأمر الملِيشيات فيه ! ..
نضال عبدالوهاب ..
[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..