مقالات وآراء سياسية

العصور المحورية في التاريخ الانساني

د.الفاتح شاع الدين

يحدث التطور الإدراكي عند الإنسان تدريجيا وتراكميا نتاج تطور اجتماعي وثقافي وجيني؛ ولم يكن ذلك بمعزل عن التطور في مناهج البحث عن المعرفة و الطرق التي يشكل بها الإنسان تصوراته عن العالم. تغير الفكر الإنساني وتبدل عبر الزمان. حارب القديم الجديد، وامتزجت المصالح بالبحث عن الحقيقة. بين الحين والآخر تسقط أطر فكرية وتستبدل بأخرى. بعص التبدلات تترك أثرا يمتد لفترة زمنية طويلة. وأخريات يتوسع نطاق تأثيرها جغرافيا. أخريات مداها الزمني محدود أو يقتصر على مجالات بعينها وليس عموما وكونيا.

المفكر الأمريكي توماس كون (1922 – 1966) قد أدخل في عام 1962 مصطلح “البرادايم” الذي وجد رواجا كبيرا واستخدامات عامة. يرمز المصطلح إلى أن تغيرا أساسيا في النموذج أو الإطار النظري أو في الافتراضات في مجال أو جزء معرفي قد حدث مما يدفع بتوجهات بحثية جديدة أو مراجعات فكرية. فقد يحكم إطارا نظريا أو فكريا مجالا معرفي لفترة طويلة ويتفرع منه عديد المقولات والنظريات والخلاصات. حينها يكون الذين يتخذون ذلك الإطار الفكري دائرون في فلك ذلك الإطار يستخدمون مقدماته وافتراضاته الأساسية في نتائج بحوثهم وتنظيرهم. لكن اكتشاف إطار نظري أساسي جديد يستبدل الإطار القديم يحدث نقلة جوهرية يصاحبها رفض للمعطيات والافتراضات القديمة مبطلة أساسها.

بينما تتراوح فترة تأثير التغيير في البرادايم في المدى الزمني أو الجغرافي فإن تأثيرا أكبر منه قد يأتي من ميتا برادايم يؤدي للانقلابات وتغيرات في مناهج التفكير محدثة تحولات عميقة في رؤية الإنسان للكون. أهم سمات هذه التغيرات تبدل في أسلوب وأنواع النشاط الذهني الممارس أو في منظومة فكرية شمولية وتؤدي إلى قلب أطر الرؤى والمعتقدات محدثة تغيرات جذرية في حياة المجتمعات الإنسانية. نموذجان طرحا فكرة تلك التغيرات ذات التأثير بعيد المدى والتحولات المفصلية الكبيرة قدمهما كل على حدة المفكر الفرنسي أوجست كوميت (1798-1857) و الفيلسوف الألماني كارل جاسبرز.

المفكر الفرنسي أوجست كوميت قسم تاريخ التفكير الإنساني إلى ثلاث مراحل تتميز بمناهجها المعرفية. أولها، مرحلة الرؤى الدينية الثيولوجية (أميز سمتها الركون للخيال)، ومرحلة ميتافزيقية اعتمد فيها الإنسان على رؤيه فلسفيه تأمليه ترتكز على التجريد العقلي. ومرحلة ثالثة علمية وضعية .

تأثر الفيلسوف الألماني كارل جاسبرز بنظرية أوغست كوميت وفكرة للفيلسوف الألماني هيجل الذي ذكر “أن كل التاريخ يؤدي إلى المسيح ومن المسيح وإن ظهور “ابن الله” هو اللحظة الحاسمة في التاريخ”. اعتبر جاسبرز الألفية الأولى قبل ميلاد المسيح فترة فاصلة في تاريخ الإنسان وعصرا محوريا. وبنفس المعيار فإن مؤرخة الأديان كارين آرمستونغ طرحت فكرة أن العالم يعيش الآن عصرا محوريا جديدا.

 

محورية الألفية الأولى قبل ميلاد السيد المسيح:

بالرغم من أن جاسبرز استعار مصطلح العصر المحوري في التاريخ الإنساني من ملاحظة هيجل عن أن ظهور “إبن الله” هو اللحظة الحاسمة في التاريخ” فإنه قدر أن فترة مركزية في تاريخ الفكر الإنساني سبقت المسيحية. ذكر جاسبرز في كتابه “أصل ومعنى التاريخ” الذي صدر في عام 1949 أن وقائع تاريخية موضوعية بينت أن تلك الفترة ما بين 800 و200 ق.م. تركت بصمات هائلة على مسيرة الفكر الإنساني.

ما الذي ساعد على أن تكون تلك الفترة محورية في تاريخ الفكر الإنساني؟ هل كان ذلك بسبب ظروف موضوعية من جراء تطور المجتمعات الإنسانية في تلك الأمكنة المختلفة؟ أم نتاج لانتشار الثقافة من مكان لآخر؟

تبنى علماء أن التغيرات الديمغرافية والاجتماعية بالإضافة إلى التطور في التكنولوجيا أحدث تطورا في مناهج التفكير وسبله. الفترة التي أشار اليها جاسبرز هي فترة تم فيها تأسيس دول عديدة وإمبراطوريات ممتدة؛ وصاحب ذلك توسع في التجارة وتزايد في التبادل والتأثير الثقافي مما ترك تبعاته في توقد الفكر الإنساني وازدياد الوعي. ففي خلال تلك الفترة استولى النوبيون على مصر؛ وتحركت من أواسط آسيا قبائل محاربه تمتضي الخيول وتتسلح بسيوف حديديه؛ وصعد نجم الفينيقيين في بلاد الشام وامتد نفوذهم لشمال أفريقيا؛ وبدأت القبائل الهيلينيه في آسيا الصغرى تنشئ المدن والثقافات المتميزة؛ وظهر نجم اللاتين والإيتروسك والسابين في إيطاليا؛ وتأسست في الصين إمبراطورية ممتدة وقوية.

استخدام الإنسان للحصان زاد من مرونة الحركة و سهل التنقل ووسع الآفاق. استعمال النقود المعدنية كان مؤشرا لعهد جديد من التبادل التجاري. التحول من استخدام البرونز إلى استخدام الحديد زاد من الأدوات التي تساعد الإنسان في الإنتاج وفي الحروب وفي المعمار. ولقد كان مؤشر إدخال النقود والتقدم في استخدامات المعادن دليل على زيادة في التخصص وتوزيع العمل. بدأت الفردية في الانتشار نتيجة نمو الحضر والأسواق والتبادل التجاري وظهور تفاوت طبقي؛ و صاحب ذلك تحسن في التنظيم السياسي بظهور الملكية والمؤسسة العسكرية والقوانين والتشريعات. وقد تطلبت أعمال التجارة والإدارة الكتابة التي غيرت من طريقة حفظ المعرفة والمعلومات؛ وكانت طبقة رجال الدين من ضمن الكتبة الذين لم حفظوا السجلات الإدارية والتجارية بالإضافة إلى النصوص المقدسة. وقد مكنهم ذلك من نشر الميثولوجيا والأدب.

تمازجت الشعوب واختلط ببعضها البعض نتيجة التجارة والإمبراطوريات المتوسعة.  الحياة الحضرية اضطرت الشعوب لوضع أسس القوانين كما النظم الأخلاقية. صاحب الحراك السياسي ظهور قيّم جديدة وتساؤلات جديدة عن معنى الحياة. وزاد الاهتمام بالعدالة الاجتماعية، وتقوى الاعتقاد في الدين كتفسير للوجود الإنسان، وبدأ التركيز على علاقة الإنسان بالإلهي منذرة ببداية الابتعاد عن طقوس السحر. ظهرت التوحيدية وانتشرت ظاهرة الحب الإلهي والاتجاهات الروحانية غير مرتبطة بطقوس.

انعكس ذلك في ظهور كونفوشيوس ولاو تذي في الصين وغيرهم مو تي وشيانغ تسي ولي تذي وتبنى الصينيون الكونفوشيوسية والطاوية. وفي الهند بدأ تداول كتاب اليوبناشدا وظهرت البوذية والجانية. وفي كلتي البلدين طرقت مواضيع فلسفية مثل المادية و مبدأ التشكك و فكرة العدمية. وفي إيران عمت الزرادشتية التي تناولت مسألة الخير والشر. بينما ظهر في فلسطين أنبياء عبرانيين مثل إيليا وأشعياء وإرميا. أما في اليونان فقد انتشر السفسطائيون وانتعشت حياة الفكر، ظهر هومر من الشعراء وبارميندس، ومن الفلاسفة هيرقليطس وافلاطون وأرخميدس.

جدير بالتذكر أن منافسات الأولمبيك التي تعمل بها الدول الآن تأسست في اليونان في الألفية الأولى قبل الميلاد. كما أن أكاديميات العلم والمكتبات العامة عرفا اليونان منذ ذلك الحين. وقد أقر مفكرون لاحقون لذلك العصر عن إشادتهم بالمساهمات الفكرية التي جاءت من تلك الفترة. مثلا، سماها المفكر الروماني فرجيل (17 ق.م. – 19 م.) العصر الذهبي أو اليوتيوبا التي عاشها الإنسان. ويورد المؤرخون كيف أن المبدأ (القانون) الذهبي “بأن تحب لأخيك كما تحب لنفسك” قد ظهر في الصين (كونفوشيوس) كما في إيران (زرادشت) وفي المسيحية وفي الإسلام من بعد.

الفلاسفة من أمثال كونفوشيوس ومو تي في الصين تجولوا يجمعون ويناقشون وأسسوا الأكاديميات. السفسطائيون والفلاسفة في اليونان يناقشون الناس. النُساك البوذيون يطوفون القُرىَ؛ كل ذلك الحراك خلق توترا فكريا وبعث بالشك وبالتساؤل عن التقاليد والأعراف.

لقد وصف جاسبير تلك الفترة بأنها تميزت بتوفر الحريات وإنها زمنيا توسطت سقوط إمبراطوريات قبل قيام اخريات. شهدت الصين حروب ضروسا ونشأت في الهند ممالك جديدة وانتعشت التجارة؛ ولقد تشابه وسط تلك المجتمعات ظاهرة البحث عن معنى الحياة وظهر رجال دين وفكر وكثر عدد الجوالين الذين ينتقلون من مكان لآخر يجادلون الناس ويلهمونها فكريا. بدأ الإحساس بالذاتية و بالشعور بالطبيعة و بقصور الإنسان.

تلك كانت فترة ضعفت فيها الخرافة جزئيا وقل قيها النزوع للأساطير المبالغة. وبحسب جاسبرز بذرت حينها بذور الفكر العقلاني والفلسفة التجريدية التي فرخت للأديان الكبيرة التي لا زالت سائدة. وصف جاسبرز ذلك التحول بأنه نزعة روحانية انبثقت من عمقه مسببة توترا وشكوكا داخلية. دخلت فكرة اللاهوت والمقدس؛ وانبثقت معايير الأخلاق و مبادئ القيم. حاول الإنسان تحرير نفسه من الغرائز والرغبات فتبنى فكرة الأتما والنيرفانا والطاوية أو التسليم بإرادة الله. وتجاوزت الدعوات المدينة الدولة أو القبيلة وأصبح توجها عالميا.

بحسب جاسبرز، بالرغم من أن التحول في العصر المحوري بدأ من جزء محدد من العالم إلا أن أثره امتد عبر المكان والزمان. المجتمعات التي لم يشملها ذلك التحول بقيت على ما عليه من تصورات قديمة عن العالم والحياة. ولكن مجتمعات عديدة مثل القبائل الجرمانية والسلافية في أوربا و واليابانية والسيامية والملاوية في آسيا فقد غزتها أفكار ذلك العصر المحوري.

رويدا رويدا طغت أفكار ذلك العصر المحوري موحدة جماعات إنسانية متفرقة حتى أصبحت تلك الجماعات تفهم بعضها البعض بسهولة. ولا زالت الإنسانية تعيش تأثيرات ذلك العصر. ويعتقد جاسبرز أن النهضة الأوربية استمد إشعاعات من العصر المحوري.

اتسمت الألفية الأولى قبل ميلاد المسيح (عصر جاسبرز المحوري) بالتفكير الميتافزيقي الذي بحث عن طبيعة الوجود والواقع. ولقد انصب الاهتمام بفضل الاتجاهات الدينية إلى المسائل الوجودية الكبرى. وكان المنهج هو التأمل و التفكير العقلاني. وبطبيعة التطور في الفكر وطبيعة تلك الأسئلة الوجودية لم ينطلق المنهج البحثي للعمل التجريبي ولكن بدأ التأمل في طبيعة المعرفة. لقد حولت تلك المجموعات الأديان حينها من أديان تطعم الآلهة بتقديم الضحايا لها إلى “الترانزدستالية” التي اهتمت بعالم فوقي ومصير الإنسان. لقد حاول أولئك الرواد تحليل المشاكل الحياتية وقدموا حلولا. قدم الفكر الهندي مفهوم “الكرما” الذي هو ما يبقى من تأثير أفعال الماضي. فللكرما تأثيرها على الإنسان الذي عليه أن يسعى لتحرير نفسه في كل دورة حياة من تأثيرها حتى يتحرر كاملا. المفكرون الصينيون تجادلوا في الطريقة المثلى للحياة، صورها الكونفوشيون بأن يختار الإنسان من تلقاء نفسه مسلكا قويما وانضباطا. أما الطاوية فقد اعتقدت في الطاو الكوني الذي يهدى الناس ويقودهم إلى سواء السبيل. وصور زرادشت حياة المرء كصراع بين الخير والشر. وقال اليهود أن إله إسرائيل خلق الإنسان والكون وربطه بغائية ومصير لعالم آخر.

يقول جاسبرز إن أثر الإشعاعات الفكرية التي انبثقت في ذلك العصر المحوري لا زالت حاضره. مساهمات حكماء وأنبياء العصر المحوري في الألفية الأولى قبل الميلاد أن زادت من وعي الإنسان بالوجود ككل وبنفسه وضعفه وحدود معرفته.  دفع ذلك الانسان ليتطلع لتحرير نفسه وتخليصها من غرائزها.  و ظهرت فكرة الضمير. وفي نفس الحين بدأ نقل الأفكار وإذاعتها والتراشق بالأفكار والجدل والانقسامات الفكرية. الترحال والتجارة عمق من التمازج الفكري. أدى الاحتكاك لنوع من التأثير بين الأديان والثقافات. في البداية كان التسامح هو السمه الغالبة وسط الشعوب التي تقبلت آلهة الآخر. وكان المسافرون يشاركون في مناسبات الدينية للآخرين دون شعور بأنهم يناقضون معتقداتهم. وعند ظهور التوحيدية أصبح الاتجاه أن الكل لهم نفس الرب وتجمعهم أخوة الانسانية.

بالرغم من الإجماع على عظم التأثير على الحياة الفكرية في الفترة التي حددها جاسبرز إلا أن النقاد يرون أن نظرية العصر المحوري في صياغتها الأصلية تجاهلت الإرث الروحي من بلاد الرافدين ومن حضارة وادي النيل، وأن ظهور المسيحية والإسلام كان امتدادا لذلك العصر المحوري. ولقد لوحظ أيضا أن التجربة الصينية واليونانية تختلف في ارتباطها بالمقدس.

 

محورية العصر الحالي:

طرحت كارين آرمستونغ فرضية أن الإنسانية حاليا تعيش في خضم تحول محوري راديكالي جديد. هذا التحول مركزه في الغرب ولكن إشعاعاته تمتد إلى كل ارجاء العالم.

حدثت بداية التغير في أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. بعد العصر المحوري الأول شهدت أوربا فترة ركود فكري نسبي في القرون الوسطى. ثم أدت الثورة العلمية وظهور فلسفة التنوير إلى إنقلابٍ فكري هائل كان من نتاجه انهيار المؤسسات التقليدية القديمة و سقوط كثيرا من مسلمات الماضي. أهم نتائج ذلك التغيير هو ظهور مفاهيم علمية وعقلانية جديدة عن طبيعة الحقيقة وعن معرفة الكون والعالم. وكأي موجة تحول استعر صراع فكري مع المؤسسات والمرجعيات القديمة حول إعادة تشكيل تصورات ومعارف الإنسان بصورة مغايرة لما أدت به الحركات الفكرية في العصر المحوري الأول. بعض المفاهيم التي جاء بها العصر المحوري الأول اصبحت لا تناسب العصر الحديث. وبدأ الإنسان يواجه تحديات مختلفة عن ما كان في الماضي.

تقول كارين إن الإنسان العاقل منذ أن ظهر في الأرض استخدم الفن والدين وفكرة المقدس لمساعدته في ترسيخ معنى للحياة وقيم وأهداف. ولقد قاد التحول في الماضي شخصيات كارزمية تركت بصمات هائلة كما أحدثه كونفوشيوس وبوذا و في ظهور أنبياء مثل السيد المسيح ورسول الإسلام محمد بن عبد الله. تصدت تلك الحركات الدينية وشبه الدينية التي ظهرت في الماضي لمشاريع الإنسان المعرفية عن أسئلة الوجود.  تقع هذه المسائل بحسب درجة صعوبتها للإدراك الإنساني في نطاق موضوعات الدين والفلسفة (الميتافيزيقيا).

ولأن الميتافيزيقيا غير مقيدة بصرامة التفكير التجريبي العلمي بقي هناك شك ضاعفه اختلافات في الأطروحات بين حركة وأخرى وضعف الدليل للتاريخ الديني . وقد قاد الشك فلاسفة من أمثال الفيلسوف الألماني لودفيغ فويرباخ الذي حذر: “أصل الحياة غير قابل للتفسير ولا الإدراك. وليكن الأمر كذلك. ولكن عدم الفهم هذا لا يجعلنا نجد مبررا في أن نؤمن بالخرافة”.

ولازال فضول الإنسان مشتدا لتفاصيل إضافية (مثلا عن العملية الفعلية لتكون الوجود ولأصل وتطور الحياة). وبينما سد الدين قصور المعرفة الإنسانية”  في جزئيات أسئلة المحور الأول حول الوجود فإنه بالكاد قد اشبع فضول الإنسان لمعرفة نواميس الطبيعة.

 

الثورة العلمية التي حدثت في القرون القليلة الماضية قد أدت لتفاؤل عن مقدرة العقل الإنساني في اقتحام المجهول ومن حدوث اختراقات كبيرة في بعض المجالات؛ ولا يبدو أن المعرفة الدينية في تحدي للعلمانية في هذا المجال. ولكن الدين باقتحامه للغيب وما بعد الموت ولبثه روح الوئام والتكافل والتعاطف يشكل مصدرا لا يجرؤ الإنسان على التخلي عنه.

مما لا شك فيه أن العلم أحدث تغيرات راديكالية في الرؤية للكون. وقد قامت المؤسسات العلمية وصفوة الفكر بقيادة التغيير في هذا العصر. كانت بداية تلك الفترة تقريبا في عهد النهضة الأوربية منذ القرن الخامس عشر ومثلت القرون التالية من السادس عشر والسابع عشر إلى الثامن عشر انطلاقه. وقد استمرت إشعاعات اكتشافات تلك الفترة إلى الزمن المعاصر محدثة تغيرا جذريا على الفكر والمعرفة الإنسانية.

وبينما لم يوجد قبولا واسعا لفكرة المراحل الثلاثة للفكر التي اقترحها أوغست كوميت فإن العصر الحالي يشابه المرحلة الثالثة من مراحله بالرغم من الاختلافات في تعريف خصائص العصر ومناهجه.  فلا جدال في خصوصية العصر الحالي من ناحية التغيرات الفكرية والعلمية الهائلة التي مر ويمر بها العالم. و بالرغم من صعوبة تتبع تطور الفكر والمعرفة الإنسانية بدقة عبر التاريخ الممتد واختلاف الحضارات فإنه من الواضح أن ذلك التطور كان تراكميا وأن معدلات تراكماته قد تزايدت في القرون الأخيرة وأنه شهد فترات من الوثبات والانتكاسات والانقلابات.

 

د.الفاتح شاع الدين

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..