أخبار السودان

في نجاح الانتقال من الشيوعية للرأسمالية: أوروبا الشرقية بعد 30 سنة من انهيار الشيوعية

بوخارست من د. عصام محجوب الماحي
بعد مرور 30 عاما على خريف اوربا 1989، أثبتت العديد من المعايير أن الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية كان نجاحاً ملحوظاً، كما كتبت مؤخراً صحيفة (القارديان) البريطانية في تقرير لها استطلعت فيه أحد كبار رجال الاعمال البولنديين في مجال البناء والانشاءات، ونقلته الصحيفة الرومانية، واسعة الانتشار، (اديفارول).

ينظر ماسيج غرابسكي إلى بانوراما بحر البلطيق من الطابق 32 من برج “أوليفيا ستار” في مدينة غدانسك البولندية، وحوله المنطقة كلها مضاءة بأنوار متعددة الألوان، ويقول “لم ير أطفالي أبداً فضاءً مظلماً مدمراً كالذي أتذكره من الثمانينات”. ويضيف “كثير من الناس ينظرون الآن إلى الأشياء الراهنة فقط”.
الشاهد ان البرج الذي بنته شركة Grabski للإنشاءات، يُعَد محور مشروع تطوير عقاري في ضواحي غدانسك وقد أصبح مليئاً بمكاتب الشركات متعددة الجنسيات.
يقع البرج بالقرب من قاعة أوليفيا الرياضية، حيث عقدت الحركة النقابية تضامن (سوليدرتي) مؤتمرها الأول عام 1981، معلنة بداية النهاية للشيوعية في المنطقة. انتشرت في بولندا المطالب الاقتصادية للحركة التي ظهرت في حوض بناء السفن الضخم في غدانسك وقادها ليش فاليسا، ورويدا رويدا أصابت عدواها بقية أوروبا الوسطى والشرقية خلال الثمانينيات من القرن الماضي.
وحتى نهاية الالفية فُتِحَت الحدود، وسقطت أنظمة وانهارت، وهُدم جدار برلين رمز 45 سنة من الانقسام الأوروبي. وما تلا ذلك كان غير عادي، ومؤلم وغير متوقع، بمجرد دخول منطقة بأكملها في مرحلة مجهولة.
كان التقدم متقلباً ومربكاً وغالباً غير متكافئ، زرع في بعض البلدان بذور موجة الشعوبية الأخيرة.
بعد مرور 30 عاماً على خريف 1989، كشفت العديد من المعايير أن الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية كان بالفعل نجاحاً ملحوظاً. على مدار الثلاثين عاماً الماضية، شهدت أوروبا الوسطى والشرقية واحدة من أكبر عمليات النمو الاقتصادي في أي منطقة أخرى من العالم. أصبح الناس يعيشون حياة أطول وأكثر صحة، ونوعية الهواء أفضل والأفراد في المتوسط أكثر ثراءً.
* نمو الاقتصاد الروماني خمسة مرَّات:
ويرى مارسين بياتكوفسكي، الخبير الاقتصادي البولندي الذي نشر مؤخراً كتاباً بعنوان “بطل النمو في أوروبا”، يتناول النهضة الاقتصادية في بولندا على مدار العقود الثلاثة الماضية، ان ما حدث هو “العصر الذهبي للمنطقة”. وقال “نجحت المنطقة بأكملها، كما يتضح من حقيقة أنه، في المتوسط ، لم يعش أي شخص بلغاري أو روماني أو بولندي أفضل مما كان عليه حاله الآن، سواء من حيث القيمة المطلقة أو النسبية مقارنة بالغرب”.
غير انه، غالباً ما يبدو هذا التفاؤل مبالغاً فيه، بالنظر إلى أن الكثير من الناس في المنطقة لا زالوا يشعرون أنهم متخلفون عن الركب. لكن الإحصاءات تشير إلى أنه منذ عام 1990، زاد الاقتصاد البولندي والسلوفاكي سبع مرات واقتصاد استونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا ودولة التشيك أكثر من خمس مرات. في الوقت نفسه، تظل تلك الأمم تعيش في أكثر الدول تساوياً في العالم، كما يوضح “معامل جيني” ـ أحد أهم آليَّات قياس توزيع الثروة ـ.
بالطبع، هناك فوائد عندما يتعلق الأمر بنوعية الحياة. في عام 1990، لم يبلغ المواطن المجري، أو اللاتفي أو الروماني العادي سن السبعين ولم يكن العمر المتوقع في بقية بلدان أوروبا الشرقية الأخرى أفضل بكثير. ومنذ ذلك الحين، زاد طول العمر 10% في بعض أجزاء المنطقة، واليوم من المرجح أن يقترب الأوروبيون الشرقيون من العيش في المتوسط 70 إلى 80 عاماً.
  * الحياة في الرأسمالية:
بعد 15 عاماً من الانتقال، انضمت بولندا وسبعة دول شيوعية سابقة في أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي، ولحقت بهم رومانيا وبلغاريا في 2007 ثم كرواتيا في العام 2013.
وعليه أصبح جزءً كبيراً من أوروبا الشرقية في السوق الاوربية الموحدة، ويمكن دمجه في سلسلة عمليات توريد البضائع الأوروبية الغربية وحرية حركتها. وبالنسبة للشركات الصغرى، يعني العمل في سياق مؤسسي مُحَسَّن وتلبية معايير الاتحاد الأوروبي.
ولعله من المهم جدا التوقف عند قول غرابسكي: “كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو اللحظة الفارقة، ليس بسبب ضخ اموال الإعانات، ولكن لقيام الأطر المؤسسية، أي قواعد مكافحة الاحتكار والحماية، إلخ”، علماً بأنه في بعض بلدان المنطقة، لا تزال الحكومات تهاجم هذه الأطر المؤسسية، ولكن بالمقارنة مع الدولة المجاورة، أوكرانيا على سبيل المثال، نجد الوضع مختلف تماماً حيث لا تتحقق استقلالية المحاكم والشرطة وسلطات الضرائب من السياسة ومصالح رجال الأعمال الكبار.
* الرأسمالية ليست في كليَّاتها وردية:
لم تكن الحياة في ظل الرأسمالية وردية بالنسبة للجميع. في حوض بناء السفن في غدانسك، حيث وُلِدَت حركة تضامن ـ سوليدرتي، جاءت معظم النُظُم والاعمال من الكتلة الشيوعية واصيبت بالجفاف بعد الفترة الانتقالية. في البدء جرى دعم الميناء من خلال المنح الحكومية، وكان هذا الامر اجراء غير عادل وفقاً لقوانين المنافسة في الاتحاد الأوروبي. تم تقسيم موقع حوض السفن إلى عدة شركات خاصة، ولا يزال فيه عدد قليل من عمليات بناء السفن.
اتَّبَعَت العديد من المصانع الأخرى في المنطقة من مخلفات العصر الشيوعي نفس العملية، لم تكن قادرة على التكيف مع ظروف اقتصاد السوق. ولكن بدلاً من حوض واحد عملاق لبناء السفن، ظهرت العديد من شركات بناء اليخوت الصغيرة في غدانسك وفي أجزاء أخرى من ساحل بحر البلطيق في بولندا، والعديد منها نجح.
إذا كان هناك مصنع يرمز إلى نمو أوروبا الوسطى على مدار العقود الثلاثة الماضية ومخاطر التطور في نهاية المطاف، فإنه مصنع سيارات “أودي” في جيور، شمال غرب المجر. استثمرت شركة أودي هناك لأول مرة في أوائل التسعينيات، لكن الأمور بدأت تتطور مع انضمام المجر إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004. واليوم، نجد مجمع أودي على مشارف جيور وهي مدينة صغيرة في حد ذاتها، يحيط به مطعمها الخاص، وعيادة طبية، ومحطة إطفاء وخدمات بريدية ومدارس وأسواق وأماكن ترفيه ويعمل في المصنع أكثر من 13000 موظف، وهنالك أيضا مقاولون من الباطن وشركات تابعة، ويُقدر أن ما بين 25000 الى 30000 شخص في جيور يعملون في صناعة السيارات، أي ما يقرب من نصف السكان العاملين.
ولكن، مع الاندماج في الاتحاد الأوروبي وحرية تنقل الأشخاص، هاجر ملايين الأشخاص من أوروبا الوسطى والشرقية إلى الدول الغربية خلال السنوات الـ 15 الماضية. من ناحية، أتاح هذا فرصاً وتجارب لم يكن من الممكن تصورها للأجيال السابقة الذين كانوا محاصرين وراء الستار الحديدي، ومع انخفاض معدل المواليد ازداد الخوف من أن الهجرة قد تسهم في تدهور المجتمعات.
في العقود الثلاثة التي انقضت منذ الاستقلال، تقلص عدد سكان جميع دول المنطقة. فقدت لاتفيا حوالي ربع سكانها، وبلغاريا ورومانيا حوالي الخُمْس، وفقا لتقرير نشرته صحيفة (اديفارول) الرومانية.
في بعض المناطق، أدت هذه العملية الحتمية إلى نقص الأطباء وغيرهم من الأشخاص المؤهلين. لكن على المدى البعيد، إذا تمكنت بلدان وسط وشرق أوروبا من مواصلة عملية اللحاق بالدول الغربية، فيمكن استرجاع هؤلاء المهاجرين. ولا ريب انه مع انخفاض الفجوة بين دول أوروبا الغربية ودول أوروبا الشرقية، قد يعود كثير من هؤلاء الأشخاص إلى بلدانهم الأصلية، حيث يجلبون معهم المال والمهارات ويجدون ان شبكات البنية التحتية قد تطورت حينما كانوا هم خارج البلاد، فيعودون بالتالي في هجرة معاكسة.

تعليق واحد

  1. هنالك بعض التناقض :
    فلا يمكن ان نفهم كيف يكون هنالك تطور اقتصادي ومجتمعي وفي نفس الوقت يهاجر ربع وخمس …الخ السكان .
    طرح الموضوع بهذا الشكل ايضا مضلل . ففي بريطانيا نفسها حزب العمال البريطاني وهو الحزب الثاني في البلاد يتجه عكس التوجهات الرأسمالية المعروفة بمشاريع دولة وهو يحظى بتأييد كتلة كبيرة من الناخبين البريطانيين . وفي نفس الوقت ان ما حصل في اليونان مثلا لا بد للنظر اليه ايضا من هذه الزاوية . إيطاليا الآن في ازمة اقتصادية كبيرة وكذلك اسبانيا … وكلها دول راسمالية … وفي امريكا ست الإسم اصبحت اسهم الذين يتكلمون عن التحول الإشتراكي كبيرة . والمرشح ساندرز خير دليل. اما امريكا الجنوبية فقد بدأ المشهد واضحا الآن في سقوط معظم الحكومات “الرأسمالية” …
    هذا لا يعني ان الشيوعية والأشتراكية كنظم كانت ناجحة بل لها اخفاقاتها الكبيرة التي اودت بها الى حتفها ولكن لا يعني ذلك “بخم” الناس في مقارنات متحيزة ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..