مقالات وآراء

من الحماس الثوري إلى التخطيط (٨): وزارة الحكم الاتحادي

(إن اهتمامنا بالفرد يجعلنا نتجه، من الوهلة الأولى، إلى اشراكه في حكم نفسه بكل وسيلة، وإلى تمكينه من أن يخدم نفسه ومجموعته في جميع المرافق، التشريعية والتنفيذية والقضائية وذلك بتشجيع الحكم الذاتي، والنظام التعاوني ولما كان السودان قطرا شاسعا وبدائيا فإن ادارته من مركزية واحدة غير ميسورة، هذا بالإضافة إلى ما تفوته المركزية على الأفراد من فرص التحرر والترقي والتقدم، بخدمة أنفسهم ومجموعتهم) محمود محمد طه، كتاب “أسس دستور السودان”، ١٩٥٥: ص ١٣..

هدف نشر سلسلة المقالات هذه هو تصعيد وعي مجتمعي بترشيح خطط عملية، أو قل تشريح دور أي وزارة في خلق التغيير المنشود.. وبداية، عند تشكيل الحكومة الانتقالية، أعلن السيد حمدوك عما أسماه “خطة المئتين يوم الأولى” والتي صدق عليها مجلس الوزراء ملخصة في: (١) إيقاف الحرب وبناء السلام؛ (٢) معالجة الأزمة الاقتصادية؛ (٣) إلغاء القوانين المقيدة للحريات؛ (٤) استقلال القضاء وتشكيل لجنة للتحقيق؛ (٥) تعزيز حقوق النساء؛ (٦) إصلاح أجهزة الدولة؛ (٧) سياسات خارجية متوازنة؛ (٨) التركيز على الرعاية والتنمية الاجتماعية؛ (٩) تعزيز دور الشباب؛ (١٠) التحضير للمؤتمر الدستوري؛ و(١١) مكافحة الفساد. ولكن كما يبدو عليها فهي أقرب لأهداف، منها إلى خطط عمليه، لكن يحمد لها أنها إصلاحية وبجدول زمني..

ثم في ٨ أكتوبر ٢٠١٩، وفيما يشبه الرد على انتقادات لحمدوك بتسلمه المنصب دون برنامج واضح المعالم، صرح عن أولويات المرحلة الانتقالية، ملخصا إياها في: (١) إيقاف الحرب والعمل على بناء السلام الشامل والمستدام عبر مخاطبة جذور الأزمة، واحترام التنوع والتعدد. ثم (٢) معالجة الأزمة الاقتصادية عبر إنفاذ برنامج اقتصادي واجتماعي ومالي وإنساني، و (٣) محاربة الفساد.. ثم مضيفا (٤) عقد مؤتمر دستوري قبل نهاية الفترة الانتقالية لمناقشة قضايا الحكم والعلاقات بين المركز والولايات بما يحقق السلام والتنمية المستدامة والتحول الديمقراطي.

هذه الأولويات، أولا، بصورة أو بأخرى، تصب في مهام وزارة الحكم الاتحادي، والتي يفترض أن ترتب إدارة الأقاليم وصلتها بالحكومة الاتحادية “الفدرالية”.. وهذا هو السبب لتخصيص هذا المقال الثامن عنها.. وثانيا، هذه الأولويات غير مطمئنة حيث تفتقد البرنامج العملي الواضح والمحدد.. فنحن، للأسف الشديد، لعدم الوضوح هذا، نعيش هذه الأيام حالة جمود في سياسة الدولة، إلا قليلا من الحركة الخارجية، وإقالة بعض رموز حكومة البشير.. الأقاليم، التي لم يتم حتى الآن تعيين ولاة لها، وذلك بطلب من الجبهة الثورية ريثما تنتهي محادثات السلام الجارية، فلا هي استمرت بالنظام القديم ولا حدث فيها التغيير بعد الثورة.. وبذلك استحال فيها العمل الإداري والخدمي إلى حالة أقرب للفوضى.. ولا يعني ذلك سوى المزيد من الجمود، والمزيد من معاناة الشعب اللاهث وراء قوام الحياة.. وتحت مسمى الحكم الاتحادي، سنتناول بالتحليل أي من هذه الأولويات على حدة..

(١) إيقاف الحرب والعمل على بناء السلام الشامل والمستدام

وهو سهل القول نظريا، ولكنه كالمشي على الماء في واقع الأمر، ولا يحل إلا بالمواجهة الصادقة والشجاعة.. ببساطة هنالك ثلاث أطراف وهي: (١) المكون العسكري في مجلس السيادة، و(٢) الجبهة الثورية و(٣) الحكومة المدنية، ومخاتل من يدعي أنها متفقة ومتوحدة.. المكون العسكري لا يحتاج لتعريف وهو ميراث البنية التحتية للنظام الذي حكم ثلاثين عاما، وأما الجبهة الثورية فهم قيادات المليشيات التي حاربت باسم التهميش والظلم ووصل الصراع مع الحكومة البائدة، للأسف الشديد، إلى فصل الجنوب، ثم مجازر دارفور، ومحارق جبال النوبة.. الطرف الثالث هو الحكومة المدنية التي جاءت بها إرادة الشعب السوداني وتضحياته، بكل فئاته، أريافه وحواضره..

أهداف الجانب العسكري غير أهداف الجبهة الثورية وغير أهداف الثوار، وما تريده أي منها يصطدم بمطالب نقيضيه الآخرين، وهو ما يجمد عمل الدولة الآن، ويهزم أي مسعى، صغر أم كبر.. الكل ينتظر أن يحل هذا أولا، وهو ما جعل الأقاليم في حالة من الفراغ الإداري وبالتالي نوع من الفوضى.. لدي التحليل، أهداف الأطراف الثلاث هي إما مخاوف أو أطماع لدى الأفراد، ويمكن القول أيضا أنها طموحات أو مكتسبات يخشى ضياعها، عند اعتبار الجهات التي تقف خلف القيادات..

هذا الأمر جوهري، وتركه معلقا هكذا يجر إلى الفشل.. بدراسة هذا الوضع، يتضح أن هذه المكونات لم تكن غائبة عن ثورة أكتوبر، ولا عن انتفاضة أبريل.. في أكتوبر كان في مكان “الجبهة الثورية” حركة “الأنانيا”، وطبعا الثوار حينها، لانعدام التجربة، بمجرد نجاح الثورة ائتمنوا عليها الحكام وعادوا لبيوتهم وأعمالهم، والجبهة الثورية وقتها “الأنانيا” تولى أمرها الجيش بمواصلة الحرب عليها، تحت قيادة الصادق المهدي، والذي انحدر بالحال سريعا إلى ما قبل أكتوبر.. حينما استلم نميري (١٩٦٩) واصطلح مع الأنانيا (اتفاقية اديس أبابا، ١٩٧٣)، نعم السودان بعشر سنوات من السلام إلى أن حضرت قوانين سبتمبر ١٩٨٣ التي أشعلت الحرب و”هددت وحدة البلاد”.. ثم في أبريل ١٩٨٥، لم يستفد الثوار من تجربتهم الأولى وائتمنوا المجلس العسكري بقيادة سوار الذهب، والذي أسلمها لحكومة الصادق المهدي الثانية، فهبط بها للمرة الثانية، لدرجة أنه لم يلغ حتى قوانين سبتمبر، التي كانت على رأس برنامجه الانتخابي.. وأهمل شأن “الجبهة الثورية” (أنانيا٢) لتتواصل الحرب، إلى أن جاءت الطامة الكبرى باستلام الأخوان المسلمين..

الآن الثوار، مسلحين بكل التجارب المتراكمة، لن يتركوا ثورتهم تضيع بين المكون العسكري والجبهة الثورية، ولا زلن أمهات الشهداء ينتحبن الليل والنهار، ولا زالت الأسر السودانية، في كل أرجاء السودان، تتجرع الغيظ والغبن والكمد على أبنائهم القتلى وبناتهم النائحات، ولن يسمحوا لكائن أن يسرق دمهم وعرقهم ودموعهم مرة أخرى..
هذا الأمر لا يحل بالاجتماعات المغلقة، وإنما بالإعلان أمام كل أجهزة الإعلام.. تجرى لقاءات مفتوحة للجمهور مع العسكريين ومع الجبهة الثورية ومع الحكومة، كل على حدة ومجتمعين.. وعلى وزير الثقافة أن يكون في مستوى المسئولية لعمل هذا، وإلا فليترك المقعد لمن يستطيع تفعيل أداة الإعلام وإنفاذ الشفافية.. فالحل هو أن يعرف الناس بتفصيل ودقة ما يريد العسكريين وماذا تريد الجبهة الثورية وماذا تريد الحكومة، وكفى العمل في الظلام..

(٢) معالجة الأزمة الاقتصادية عبر إنفاذ برنامج اقتصادي واجتماعي وإنساني

لا بد من تبني خطة إسعافيه قصيرة الأمد، لتوفير الغذاء والدواء والأمن في السوق وفي ايدي الناس.. والتمويل لذلك مصدرين: خارجي وداخلي.. فأما الخارجي فبابه رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حيث سيصبح ضمن تعامل المجتمع الدولي.. وهو سر الأولوية الكبرى التي يوليها السيد حمدوك لهذا الشأن، كما يحمد لوزارة المالية بقيادة د. ابراهيم البدوي العمل الدؤوب ونجاح اجتماعاته مع الدائنين لإلغاء الديون وجلب عون خارجي من دول على رأسها الولايات المتحدة، إضافة لما أعلنه مؤخرا من دعم استثماري كبير بمشاركة السعودية..

وأما الداخلي فأيضا بطريقين، أولهما ضبط صرف الأموال وفق قانون مفعل وصارم يقضي بتقليص عدد الوزارت وتقليل مخصصات الوزراء، بحيث لا يكون الفرق بين أعلى الدخول وأدناها أكثر من عشرة أضعاف (وقد كان الفرق الرسمي والمعلن، في الحكومة السابقة، ودون حساب لأي ممتلكات أو استثمارات أخرى، يصل إلى أكثر من ٩٠٠ ضعف).. يترافق مع هذا التقليص تحديد لمهام الوظائف، وتوسع في التشغيل في مجالات البنية التحتية والخدمات.. والثاني، تأسيس جهاز قضائي مستقل، يباشر التحقيق في الجنايات ويعمل على استعادة الأموال في الداخل والخارج، وإبطال عقود البيع والاتفاقات التي تمس سيادة الشعب..

أما الخطة طويلة المدى فتسعى في تحقيق الأولويات بتفعيل برنامج محدد واقعي واضح المعالم ومقسم بجدول زمني.. والمدخل ثم المسار لذلك التفعيل، هو تفعيل الشفافية حتى للمشكلات والعقبات وأوجه الإنفاق، ثم التصحيح في الممارسة..

(٣) محاربة الفساد

يبدأ الوزراء بمحاربة الفساد في أنفسهم ليستطيعوا فرض النزاهة “بالعين القوية” على بقية أوجه الصرف.. ومما يعين على ذلك الاعلان عن براءة الذمة واشهار الوضع المالي للوزراء والمسئولين عقب اداء اليمين مباشرة أو بخطوة لاحقة.. في كتابهم “ساووا السودانيين في الفقر إلى أن يتساووا في الغنى” (١٩٧٩)، وتحت عنوان: “ضرورة مراجعة هيكل وبنود الميزانية العامة”، وضع الإخوان الجمهوريون المقترحات العملية التالية لتنظيم الصرف الحكومي البذخي: (١) تخفيض الدخول العليا بدءا برأس الدولة والوزراء؛ (٢) تخفيض الصرف على المؤسسات والأجهزة العليا؛ (٣) فرض سياسة تقشفية عامة على الأجهزة التنفيذية؛ (٤) تقليل حجم وتكلفة التمثيل الدبلوماسي؛ و(٥) إخلاء المنازل الحكومية واستخدامها لأغراض خدمية..

الخطوة الثانية التي ترجى من أي وزير، كما كتبت في مقال سابق، هي أن ينشط سلطة الوزير – عبر تكوين لجان تحقيق ثوريةــ تفرض قرارات الإعفاء المنظم للموظفين والنافذين في النظام السابق.. وأرشح أن يضاف في هذه اللجان ممثلين من الثوار، خاصة أمهات وآباء الشهداء، وفقط بالحسم الشجاع تعود الحقوق لأهلها، وينضب التهديد بالخراب والإرهاب، مع إجراء تحقيق في المخالفات المالية والإدارية، وتقديمها للمحاكم.. ولا بد من كلمة عن العمل العظيم الذي تقوم به منظمة “زيرو فساد” كعمل طوعي لدعم الثورة والحكومة، وحبذا أن تتبنى الوزارات لجان متطوعة في كل وزارة وفي كل حكومة إقليم.. وقولا واحدا، أي مجاملة، أو تباطؤ، أو تردد يعتبر خيانة للشعب، واستهانة بأرواح الشهداء..

(٤) هيكلة اللامركزية وحكم الولايات

جاء في خطة رئيس الوزراء: “عقد مؤتمر دستوري قبل نهاية الفترة الانتقالية لمناقشة قضايا الحكم والعلاقات بين المركز والولايات بما يحقق السلام والتنمية المستدامة والتحول الديمقراطي”، وبذلك كأنه يقول إنه لن يفعل شيئا الآن في هذا الأمر ويرجئه برمته للحكومة المنتخبة إذ يقرر عقد المؤتمر الدستوري “قبل نهاية الفترة الانتقالية”.. يتوجب، الآن وفورا، تفعيل حكم الولايات وإيقاف الفراغ الإداري القائم، واختزال كل الوزارات الإقليمية في مدراء مصالح وبالتالي إعفاء كل الوزراء ومديري مكاتبهم وحشود موظفيهم، مع تكوين لجان تحقيق (بعضوية ثوار محليين وأسر شهداء) لمراجعة كل ملفات العهد البائد.. هذا في الخطة قصيرة المدى..

أما في الخطة طويلة المدى، فالطريقة الأمثل، في بلد كبير مثل السودان (كما جاء مفصلا في كتاب أسس دستور السودان الصادر في ١٩٥٥)، هي أن تقسم البلاد إلى وحدات إدارية، بسلطات مستقلة، تتشعب، في تسلسل هرمي، من قاعدة إلى قمة.. الحكومة المركزية تمثل السيادة، والهوية الثقافية، وتعكس الوجه الإيجابي أمام العالم، كما تجري الموازنات المالية، وتقدم الدعم التقني والتدريب، وبذلك تشرف على حكومات الولايات، والتي بدورها ترأس المحافظات، فإدارات المناطق، حتى تصل لإدارة الحي السكني في المدينة أو إدارة القرية.. ويعمل القانون الأساسي، باستمرار، على تقليص السلطات المركزية، وتوسيع سلطات الأطراف..

تقويم تجربة “قانون الحكم المحلي السوداني لعام ١٩٧١”، ثم توسيع تطبيق المحاولة مرة ثانية في عام ١٩٨١، أظهرتا أن إطار السياسة لا يعمل بدون محتوى تنفيذي وتشريعي واضح.. عند تطبيق سياسات حكومات مجالس المدن والأرياف، كان المخططون يقاومون ديكتاتورية نظام مايو بعدم التعاون، كما أن الجمهور المسجل كمتعاون سياسياً كان أقل من خمسة بالمئة من مجموع السكان.. والخلاصة من التجربة السودانية في اللامركزية ومشاركة المجتمع، أثبتت أن الشرط الأساسي لنجاح السياسات هو أن تنبع من القاعدة برغبتها وبوعيها..

وبعد، هذه ملامح لمشكلة الاختناق في تسيير الحكم الذي بدأ يولد إحباطا عند الكثيرين، وخاصة في الأقاليم.. الجمود ساد دفة الحكم والفوضى بدأت تدب في مرافق الدولة، وخدماتها.. أرجو ان يجد هذا المقال طريقه إلى رئاسة الوزراء وإلى د. يوسف آدم الضي: وزير الحكم الاتحادي، فيحدث حراكا فكريا وبالتالي تطبيقيا..

د. مصطفى الجيلي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..