أخبار السودان لحظة بلحظة

حوار الإمام

كمال الهِدي

2

 

  • اختلت المعايير في عهد نظام (الساقط) البشير بدرجة لم نعد نفهم معها شيئاً.

 

  • صرنا نطلق على اللصوص أوصافاً من شاكلة (ذكي ومفتح) ونسمي المتلونيين وأصحاب المواقف الضبابية بـ (المواكبين) للتطورات والمتغيرات.

 

  • تغيرت أحوالنا وساءت بدرجة تفوق الوصف وتوقفت عجلة الحياة تماماً بعد أن تمادى اللصوص في سرقاتهم وفسادهم.

 

  • ثم هب شباب السودان في ثورة نالت إعجاب كل العالم، فظننا أن هذا الوعي الشبابي سوف يفرض واقعاً جديداً نستعيد معه طرائق تفكيرنا السوية ونتخلص من أمراضنا المجتمعية التي أعاقتنا طوال الثلاثين عاماً الماضية.

 

  • لكن يبدو، بل المؤكد هو أن هناك دائماً من يشدوننا للوراء ولا يريدون لهذا الشعب أن يغير حاله.

 

  • ولمعرفتنا بذلك ظللنا من عام 2013 وما قبله نطالب الشباب بأن ينظموا أنفسهم ويشكلوا حزباً بمفاهيم جديدة يعتمد المؤسسية منهجاً ويضع هم الوطن نصب أعين عضويته.

 

  • لكن ذلك لم يتحقق للأسف الشديد.

 

  • لهذا عندما بلغت ثورة ديسمبر العظيمة مراحلها الأخيرة وأُجبر البشير على التنحي مارس بعض السياسيين ألاعيبهم المألوفة واستدرجوا الثوار دون وعي منهم للتسليم بمجلس يرأسه البرهان وحميدتي رغم الدعوات بأن يستمر النضال حتى يتم التغيير بصورة أفضل مما حدث.

 

  • وبسبب استجابتنا لهذا التغيير المنقوص وقبولنا بالمجلس العسكري (الملعوب) أدخلنا أنفسنا وبلدنا في عنق الزجاجة.

 

  • والمحزن أن كبارنا لم ولن يعيروا التضحيات والدماء التي سالت والأرواح التي أُزهقت اهتماماً، فجل همهم انصب في أن تمضي الأمور كما يشتهون حتى ولو قُتل (ثلث) شباب البلد الأوفياء.

 

  • طالعت بالأمس الحوار الذي أجراه الإمام الصادق المهدي مع قناة الخرطوم فأصبت بحالة من الغثيان.

 

  • صحيح أن زعيم الأنصار قال كلاماً أتفق معه حول بعض النقاط، لكنه (طبزها) بعبارتين لم تروقا لي ولا أظنهما راقتا لأي داعم لثورة الشعب.

 

  • قول الإمام أنه لو لا وجود قوات الدعم السريع لما سقط نظام البشير فيه استهتار شديد بتضحيات ثوار السودان.

 

  • أدرك أن الإمام بدأ بمغازلة قائد الدعم السريع منذ وقت مبكر، لكنه يستطيع أن يستمر في ذلك بدون الانتقاص من قدر هؤلاء الثوار العظماء.

 

  • لحظة قراءة هذه العبارة تراءت أمام ناظري صورة شهيد الترس عباس فرح، وبقية رفاقه الذين واجهوا تلك اللحظات القاسية، وتذكرت من أُلقيت جثثهم في النيل لا لذنب جنوه سوى أنهم أرادوا لهذا الوطن الانعتاق من قبضة الطغاة فشعرت بأسى وحزن بالغين.

 

  • ألم أقل لكم أن المعايير اختلطت عندنا!

 

  • عندما أقف على تنازل رجل بمكانة الصادق المهدي عن مباديء العمل الديمقراطي التي ظللنا نسمعه يتحدث عنها منذ أن فتحنا على هذه الدنيا، أشعر بأنني كنت حالماً جداً وأنا أصر على مخاطبة جماهير الكرة بألا تستجيب لمن يهللون ويطبلون لأفراد لمجرد أنهم يملكون المال، وليس لديهم ما يقدمونه سواه.

 

  • إذ كيف لزعيم سياسي كبير يتبعه الكثير من أهل السودان بشتى ومختلف مستوياتهم التعليمية والفكرية أن ينسب كل ما قُدم من تضحيات لقوات الدعم السريع وقائدها!

 

  • كيف لآخر رئيس وزراء منتخب أن يميل لناحية قائد مليشيا لم ينتسب للمؤسسة العسكرية، بل بلغ ما بلغه من مكانة بسبب نذالة وخيانة المخلوع ونظامه البغيض !!

 

  • وعلى حساب من يقف الصادق المهدي في صف واحد مع قائد الدعم السريع!!

 

  • على حساب ثوار أحرار وشباب في مقتبل العمر ضحوا بكل شيء من أجل وطنهم!!

 

  • ما يقوله الإمام شيء فظيع.. فظيع لا يمكن لأي نفس بشرية سوية أن تقبله.

 

  • لو أن شباب الثورة ظلوا يواصلون حياتهم الطبيعية واستيقظنا صباحاً لنسمع بتغيير يقوده حميدتي للانقلاب على البشير ودعى بعد ذلك الشعب لأن يستلم سلطته لاتفقنا مع الرأي القائل ” لولا الدعم السريع لما نجحت الثورة.”

 

  • صحيح أن حميدتي قام بدور إيجابي محدود في مرحلة من مراحل الثورة.

 

  • لكن ما جدوى ذلك الموقف طالما أنه في النهاية ساهم بقدر وافر في جرائم عديدة في حق الثوار!!

 

  • حتى إن أثبت التحقيق أن الدعم السريع لم يشارك ولا بفرد واحد في فض الاعتصام، فذلك لن يعفي حميدتي من المسئولية.

 

  • فالرجل أكد مراراً وتكراراً دعمه للاعتصام، ووعد بأن تعمل قواته على حماية المعتصمين.

 

  • فكيف دخلت أي قوات أخرى لمنطقة الاعتصام وقتلت وضربت وعذبت وأغتصبت على مدى ساعات دون أن توقفها قوات من وعد بحماية المعتصمين!!

 

  • هذا إن كذبنا أعيينا وأفترضنا أن قوات الدعم السريع لم تشارك في القتل نهائياً!

 

  • ونسأل الإمام: هل كان حميدتي وقواته بالقوة والنفوذ الذي يتمتعون به حالياً يوم أن خُلع البشير!!

 

  • بالطبع لا.

 

  • فقد حدثت أمور عديدة منذ ذلك اليوم ساهمت في أن يملك حميدتي القوة التي يتمتع بها اليوم.

 

  • وبدلاً من قول أنه لولا الدعم السريع لما نجحت الثورة، كان من المفترض أن يلوم آخر رئيس وزراء منتخب من استمروا وبحماس شديد منذ ذلك اليوم في إضعاف الجيش لأجل عيون حميدتي وقواته.

 

  • لكن لأن المفروض شيء، والواقع أمر آخر لم أتوقع من الصادق المهدي الذي بدأ بمغازلة حميدتي منذ تلك الأيام أن يتفوه بكلمة حق من هذا النوع.

 

  • أما عبارة الإمام ” كل الذين تراودهم أحلام الإنقلاب على الفترة الإنتقالية من المتخصصين في الإنقلابات يتراجعون عن الفكرة عندما يتذكرون وجود الدعم السريع” فأراها مضللة جداً من وجهة نظري المتواضعة.

 

  • وهنا لابد أن نسأل السيد الإمام: ماذا لو راودت فكرة الإنقلاب الدعم السريع نفسه!! كيف سيكون رأيك حينها ! وهل ستردد على مسامعنا عبارة ” الذين تراودهم أحلام الإنقلاب..”!!

 

  • تذكر يا سيادة الإمام أنك سبق أن غادرت البلد وتغربت لفترة ليست بالقصيرة بسبب تصريحاتك ضد الدعم السريع الذي تشيد به ليل نهار هذه الأيام.

 

  • حتى إن تغير منهجهم كما تزعم فلابد أن نكون مبدئيين في مواقفنا.

 

  • كيف تشكلت هذه القوات، وما هي مؤهلات قائدها العسكرية، حتى تجد منك كل هذه الإشادات؟!

 

  • أعجبتني عبارة الإمام ” ليس هناك دولة عميقة، وما عندنا دولة مؤذية خلقها النظام السابق”.

 

  • هذا رأي أتفق معه لحد بعيد.

 

  • لكن لدي سؤال بسيط حوله أيضاً ” ألا يتفق معنا سيادة الإمام في أن من جلس أمامها لكي تجري معه الحوار لقناة الخرطوم تمثل هذه الدولة المؤذية التي خلقها النظام السابق!!

 

  • ومرة أخرى أجدد السؤال: لما لا يكون ساستنا الكبار مبدئيين في مواقفهم!!

 

  • كيف يقبل زعيم مثل الإمام لنفسه أن يجري حواراً مع مذيعة ناصرت هذه الدولة المؤذية، وظلت تسيء للثورة وتستهتر بتضحيات شبابها، ثم انقلب موقفها سريعاً بعد نجاح الثورة في إحداث التغيير ( الجزئي)!!

 

  • أما الكلام عن تأجيل قضية الدين والدولة لبحثها في مؤتمر دستوري فهو حديث طيب أتفق مع الإمام فيه، مثلما أتفق معه في أن الضجة التي أُثيرت حول (سيداو) كانت بلا معنى، حيث من الممكن جداً التوقيع على المعاهدة مع التحفظ على بعض نقاطها.

 

  • لكن حديث الإمام عن أن هناك من يقفون ضد التحول الديمقراطي وإرادة الشعب ويعملون على عرقلة السلام، من الحركات المسلحة وبعض الأحزاب والأفراد ومطالبته بتصنيفهم كإرهابيين.. هذا الحديث يبدو لي مربكاً جداً.

 

  • وسبب ذلك أن أول الحديث ( ضد إرادة الشعب..) يتناقض مع قول الإمام السابق عن أنه لولا الدعم السريع لما نجحت الثورة.

 

  • والسبب الثاني هو ربطي لهذا الكلام مع مقال مطول للكاتب ثروت قاسم بعنوان ” متى يقوم حميتي بثورته المضادة”!!

 

  • معلوم بالنسبة لي ولاء ثروت الشديد للإمام الصادق المهدي.

 

  • وطالما أنك حللت وقدمت افتراضاتك وحيثياتك أخي ثروت، فأرجو أن تسمح لنا بأن نفترض ونحلل أيضاً حتى وإن (شطحنا).

 

  • ذكر ثروت في مقاله أن احتمالات الثورة المضادة تكاد تكون معدومة، لكنه لم يستبعد سيناريو انقلاب حميدتي وياسر العطا، سيما إذا أصرت لجنة نبيل أديب على كشف الجناة في جريمة فض الاعتصام.

 

  • وأشار الكاتب إلى أن حميدتي استمال عدداً كبيراً من الحركات المسلحة والأحزاب بما فيهم محمد عثمان الميرغني، والمهندس عبد الله مسار، رئيس حزب الأمة الوطني، ثم ختم هذه الجزئية بمفردة و(آخرين)!

 

  • فهل تشمل مفردة (آخرين) هذه الإمام الصادق المهدي يا تُرى، أم أن ثروت قاسم ما زال يثق بالإمام كما عهدناه!

 

  • أطرح هذا السؤال لسبب بسيط هو أن قاسم ذكر في مقاله أن الكثيرين يتغزلون في حميدتي ويقولون فيه ما لم يقله المتنبي في سيف الدولة، وحسب متابعتي الشخصية أن السيد الصادق تغزل أيضاً في قائد الدعم السريع، وكان آخر غزله فيه ما ورد في حواره مع قناة الخرطوم الذي تناولته في هذه الزاوية.

 

  • خلاصة ما أود قوله هو أن ثورة الشعب السوداني باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى.

 

  • وسنكرر خطأ القبول بمجلس البرهان حميدتي إن (استكنا) لما يجري وأعتبرنا أن كل شيء على ما يرام.

 

  • نحن الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن نبحث عن طريقة لإكمال ثورتنا، أو أن نسلم بالوقوع في أحضان دكتاتورية جديدة إن عاجلاً أم آجلاً، فالمعطيات التي أمامنا وتطورات الأسابيع الأخيرة لا تبشر بخير.

 

كمال الهِدي

[email protected]

2 تعليقات
  1. الحازمي يقول

    “أما الكلام عن تأجيل قضية الدين والدولة لبحثها في مؤتمر دستوري فهو حديث طيب أتفق مع الإمام فيه، مثلما أتفق معه في أن الضجة التي أُثيرت حول (سيداو) كانت بلا معنى، حيث من الممكن جداً التوقيع على المعاهدة مع التحفظ على بعض نقاطها.”
    اذن على السودانيين أن لا يتوقعوا سلاما مع الحركات المسلحة
    أما عن “الدولة المؤذية” فالسيد أبوكلام يستهبل علينا و يظن أن قنابيرنا أفقدتنا القدرة على التمييز!!!

  2. John يقول

    لو كان يفقه هذا المأموم شيئاً في الديموقراطية، لما شاتوه مرتين إثنين في عمره السياسي…

    ولو كان يعلم شيئاً عن الديموقراطية، لأدرك أنه لا تتم حراستها بالبندقية، وإنما بالقانون وسيادته وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب…

    ياخي، سبعة شهور وهو يردد في نفس الأسطوانة المشروخة…ونحنا بنقول ليك لولا الجموع التي كانت تهدر في الشوارع كالسيول، لما “إنحاز” من “إنحاز” ولما إستقال من إستقال ولما هرب من هرب…

    أنا حأريحكم منو قريباً، بحول اللّه، بجلبه إلي العدالة ليدفع ثمن الضرر الجسدي الذي لحِق بي شخصياً سنة 1976 من مرتزقته الذين أدخلهم من ليبيا، فرّوعوا وقتلوا العديد من الأبرياء في كوبري بُري ومحيط جامعة الخرطوم…

    دا لما يدخل القبر، ما حيفهم إنو “الرجال مواقف” و “مبادئ”….

    ألا تعلم، يا هذا، إن الثورة يصنعها العظماء، ويُدافع عنها الأبطال، ويموت فيها الشجعان، ويسرقها الجبناء….،

    بلاء لا يُغادر فرداً من آل أللا مهدي، الخونة، الجبناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.