دعوة للحوار (2) مقترحات متباينة

خالد الحاج عبد المحمود

هنالك الكثير جداً من مجالات العمل، تنتظر الثوار، في المرحلة الانتقالية وفيما بعد المرحلة الانتقالية، ونحن هنا نقدم بعض الاقتراحات، هي ليست أكثر من إشارات عامة، ويمكن توسيعها ومناقشتها لاحقاً:

1. الضمان ضد الانقلابات العسكرية
إن موضوع الانقلابات هو من أخطر المواضيع.. وقد عانينا نحن منه كثيراً.. وشعار مدنية كما ذكرنا، يراد به نفي الأنظمة العسكرية.. في كتاب لي باسم (الإسلام ديمقراطي اشتراكي)، اقترحت أن تأخذ كل دول العالم موقفاً موحداً ضد الأنظمة العسكرية.. فإن الظروف التاريخية قد نضجت بحيث تكون جميع أنظمة الحكم في العالم أنظمة ديمقراطية.. وكل نظام غير ديمقراطي يقوم في أي دولة من دول العالم، ينبغي على جميع دول العالم مقاطعته وعدم التعامل معه.. وهذا هو أسهل سبيل للقضاء على الأنظمة الدكتاتورية، كما أنه أكثر السبل فعالية.. وقد كنت أعلم أن الدول الرأسمالية الكبرى، لا تهمها الديمقراطية بقدر ما تهمها مصالحها المادية، ولذلك هي تساند الدول غير الديمقراطية من أجل هذه المصالح المادية، علماً بأن هذه المصالح المادية يمكن الحصول عليها مع وجود النظام الديمقراطي.

على كل يجب أن تكون هناك محاولة جادة للاتفاق بين الدول الديمقراطية على العمل ضد أي نظام يقوِّض النظام الديمقراطي، في أي دولة من الدول، ويستبدله بنظام استبدادي.
يمكن أن يبدأ هذا العمل بعدد قليل من الدول، تتفق عليه فيما بينها، ثم يزداد عدد الدول، ويمكن أن يكون لحكومتنا المؤقتة دور في تبني هذا الاتجاه، كما يمكن بالطبع للحكومات الديمقراطية القادمة أن تتبناه.. لابد أن تكون هنالك من القوانين والإجراءات ما يحول دون الانقلابات العسكرية وهذا أمر يحتاج إلى الكثير من النقاش.

الضمان الحقيقي دون الانقلابات العسكرية هو وعي الشعب، ووعي الثوار، فلابد من أن يكون هنالك عمل جاد في البحث عن الكيفية التي يمكن أن نحمي بها أنفسنا من خطر الانقلابات العسكرية.. وأول ما نبدأ به هو أن يتفق الثوار على ما يمكن عمله في حالة أي انقلاب عسكري، لا قدر الله.. والأمر الواضح أنه مجرَّد قيام انقلاب، يكون الناس على استعداد تام للعصيان المدني، ومقاطعة النظام الجديد، وعدم التعاون معه.. وهذا عمل يحتاج إلى الكثير من الدراسة ومن التنظيم، وعلينا أن نبدأ فيه منذ الآن.. فهذا هو الواجب المباشر الحقيقي.

2/ الحوار
لابد من التأسيس للحوار الفكري الموضوعي الحر.. فلا حياة كريمة بدون فكر، ولا فكر بدون حوار تتلاقى فيه الأفكار المختلفة.
أولاً، لابد من البعد التام عن الأساليب غير الفكرية، في الدين والسياسة.. فقد اعتاد رجال الدين ورجال السياسة معاً، أن يطرحوا قضاياهم في خطب رنانة جوفاء، ما فيها من لغة أكثر مما فيها من فكر.. بل لا يكاد يكون فيها فكراً!! هذا العمل يجب أن يتوقف فوراً فلا نسمع إلا لمن يحترم عقولنا، ويخاطبنا من خلالها.. يجب أن تتوقف الخطابة بصورة تامة.. كل من يخاطبنا ينبغي أن لا يلقي علينا ما يريد أن يلقيه ثم يذهب موفوراً، يجب مناقشته في ما يقدم مناقشة واضحة، ترفض كل مصادرة للفكر، فيجب أن لا نكون مجرد مستهلكين لأقوال الغير.. فعلينا أن نكون أصحاب رأي، وأصحاب موقف.. من يتجه للخطابة ينبغي علينا أن لا نسمع له.. ومن يريد أن يخاطبنا من خلال عقولنا، في نقاش حر، فمرحباً به.

الحوار الموضوعي الحر، لابد أن يقوم على أدب الحوار.. وهذا، ربما يكون أهم من الحوار نفسه.. وأدب الحوار يقتضي الموضوعية، وهي لها جوانب عديدة، من أهمها أن يلتزم المتحدث بموضوع الحوار، فلا يخرج عنه.. وأن يقيم على جميع قضاياه الدليل الواضح المحدد، الذي قد نختلف معه أو نتفق.. وأن يكون على استعداد تام ليسمع منا كما نسمع نحن منه في أخذ وعطاء لا يبتغي غير الحق.. وأن يبتعد عن الإساءة للآخرين وتجريحهم.. وأسوأ أنواع البعد عن الموضوعية أن ينسب الإنسان للآخرين خلاف ما يقولون به، أو يشوِّه قولهم، ويخرجه بصورة تخالف حقيقته.. فكل من يتعرَّض للآخرين عليه أن يذكر الدليل الواضح من أقوالهم، كما يجب.. ومن الأفضل أن يورد نص هذه الأقوال، والمصدر الذي استقاها منه.. وهذا هو الحد الأدنى، الذي ليس دونه حواراً موضوعياً.

إذا استطعتم أن توفروا مناخ الحوار الموضوعي الحر، فأؤكد لكم أن جماعة الأخوان المسلمين، وجماعات الهوس الديني سيموتون موتاً طبيعياً.. فهم لا يستطيعون العيش في بيئة حرة ونظيفة.
لقد كان من أكبر أسباب فشل الديمقراطية عندنا، الطائفية: الطائفية الدينية، والطائفية السياسية.. ينبغي أن لا يكون هنالك شخص أكبر من أن يُناقش في أقواله.. لقد درج الساسة عندنا على أن يلقوا خطباً على الحشود، ثم يذهبوا دون أي نقاش لما قالوا.. هذا أمر ينبغي أن يتوقف تماماً.. فكل صاحب دعوة سياسية كانت أم فكرية عليه أن يتوقع أن يناقش في أقواله، يُعارض أو يُؤيد.. وكل مُخاطَبين عليهم أن يكونوا حريصين على مناقشة مُخاطِبهم، فلا يقبلون إلا ما تقبله عقولهم.. بهذا الصنيع _ الحوار الموضوعي الحر _ نكون مشاركين فعالين في حكم أنفسنا.. وندرب أنفسنا على الفكر الدقيق، وننمي عندنا العقل الناقد.. فبدون هذا العقل الناقد لا يوجد فكر.. هذا أمر يجب أن يبدأ منذ اليوم، وفي جميع المجالات، وفي كل المنابر.

وعلى صحافتنا ووسائل إعلامنا الأخرى أن تكون حرة، يقوم عملها على الحوار الحر المهذب.. والصحافة والإعلام ليست مجرد أخبار، وتوثيق معلومات، وإنما هي فوق ذلك، وقبل ذلك، منابر للحوار الفكري الحر، تنشر قيمه، وترسخ مبادئه.. ويجب على الصحافة والإعلام كمنابر حر، أن تلتزم بأدب الحوار، لا تفارقه لا في كبيرة ولا في صغيرة.. وأن تبتعد ابتعاداً تاماً عن أساليب التهريج، والاتهامات الباطلة، والتعامل غير الموضوعي مع أفكار الآخرين.. على أن تكون صفحاتها وأبوابها وشاشاتها ومايكرفوناتها مفتوحة لكل الآراء.. فقط تطالب أصحاب الآراء بالالتزام بالموضوعية التامة، واحترام خصومهم الفكريين.. هذا هو السبيل الوحيد لتوعية شعبنا وإعانته على ممارسة الحوار الفكري.. وهو السبيل الوحيد للقضاء على الغوغائية، وأساليب الإثارة، خصوصاً في مجالات الخطاب الديني.

بالنسبة للذين أجرموا في حق البلاد، وقتلوا الأبرياء، ونهبوا الأموال، ليس من حق أحد أن يعفو، فالقضية ليست قضية شخصية، وإنما هي قضية عامة، لابد فيها أن يطال القانون كل من أجرم.. وإذا كانت هنالك ظروف تحول الآن دون القصاص بالنسبة لبعض من أجرموا، فإن هذا ظرف طاريء، ولابد من مجيء الوقت الذي يحاسب فيه الجميع.. المهم أن يعمل كل من له علم بقضية ما، على استيفاء أدلتها وتقديمها أو الاحتفاظ بها إلى الوقت المناسب.. ويجب أن يكون واضحاً، أنه لا فرق في هذا الصدد بين مؤتمر شعبي ومؤتمر وطني، فكلا الطرفين اشتركا في سفك الدماء ونهب الأموال، فلابد أن يُقدم المجرم منهم إلى العدالة.. ولابد من العمل بجد في استرجاع المال العام المنهوب، سواء أن كان في داخل السودان أو خارجه.

3/ العزل السياسي
كل من شارك في نظام الإنقاذ، في منصب سياسي أو إداري، ينبغي عزله سياسياً.. ولا يكون له الحق في تولي أي منصب إداري أو سياسي.. ولا يحق له الترشح في انتخابات قادمة.. وينبغي أن يطال هذا الأمر جميع الذين شغلوا مناصب سياسية وإدارية في عهد الحكومات العسكرية السابقة.. وهنالك صورة أخرى من العزل، هي العزل الجماهيري!! أقترح أن تحدد سن الذين يرشحون في الانتخابات.. فمن هم في سني _ من مواليد 1945م _ أو أصغر مني بحوالي عقد من الزمان، هؤلاء لا خير فيهم في المناصب العامة، من سبقت له التجربة في تولي هذه المناصب.. فيجب أن يبعدوا حتى يتوفر للشباب المناخ الحر الذي فيه يتولون أمر تسيير البلاد، فهم أولى من غيرهم في هذا الصدد.

4/ لابد من مساندة الحكومة المرحلية بقوة حتى تتمكن من إنجاز مهامها على أن تكون المساندة أكثر من مجرد التأييد.. فلابد من مساندة الحكومة عن طريق الرقابة الشعبية في جميع المجالات.. وعن طريق مراقبة بقية فلول النظام الذين يعملون على التخريب وكشفهم.

5/ هنالك أزمة غلاء طاحنة، وهي أزمة مفتعلة وليس لها سبب سوى الجشع وانتهازية بعض التجار.. على الحكومة أن تعمل، وبصورة مستعجلة، على تحديد الأسعار، ورقابة السوق.. وعلى الثوار أن يعينوا الحكومة في ذلك إعانة فعالة.. أولاً لابد من دراسة الوسائل والحيل التي من خلالها يتم رفع الأسعار.. ثم لابد من العمل الجاد على تفويت الفرص على من يستغلون هذه الوسائل والحيل لرفع الأسعار.. وأتصور أن هذا الأمر، ليس بالأمر السهل، ولكنه ممكن.. وعلى الفنيين أن يقوموا بدورهم الفعال في سبيل خفض الأسعار وتحديدها.

6/ المشاكل الاقتصادية عديدة ومتشعبة، والكثير منها هو نتيجة لفساد النظام السابق.. وحل المشاكل الاقتصادية هو الأولوية الأساسية، التي ينبغي العمل على تحقيقها منذ الآن، وعلى الفنيين أن يقوموا بدورهم المهم في هذا الصدد، فهم أعرف من غيرهم بسبل المعالجات.. وعلى الثوار أن يقوموا بدورهم بمراقبة السوق بفعالية.. المهم، هذا الأمر يجب أن يطرح الآن للتفاكر حوله والوصول إلى الإجراءات العملية المفيدة.. وبالطبع يمكن للثوار أن يعملوا على مقاطعة الشعب للسلع التي يرون أن ارتفاع أسعارها ليست له ضرورة حقيقية.. بل إن من الواجب علينا كشعب، في هذه المرحلة الحرجة، أن نقاطع السلع الكمالية التي ليست لها ضرورة.

7/ إن مجال الاستيراد والتصدير هو من أخطر المجالات التي استشرى فيها الفساد، بالصورة التي تخرب اقتصاد البلاد.. فلابد من مراجعة الشركات التابعة لأفراد النظام المحلول.. والعمل على كشف الحيل التي يتم من خلالها الفساد في الاستيراد والتصدير وإبطالها.. وهذا أمر تقديره واسع جداً ومهم جداً فلابد فيه من تعاون أصحاب التجربة في المواقع المختلفة، وتعاون الفنيين، فإن الفساد في هذه المجالات لا يعرفه إلا هؤلاء.
ثم أنه في تقديري أكثر من 70% من السلع المستوردة، لا توجد لها أي ضرورة، ويمكن شطبها بجرة قلم.. إنه من العيب أن نستورد سلع مثل الثوم، والجلاليب، والقمصان.. والكثير من سلع الرفاهية التي لا تعرفها إلا طبقة معينة من الأثرياء.. والكثير من لعب الأطفال، وأكثر منها حاجيات النساء… الخ.. وهنالك فساد صارخ في أمر الجودة، فالكثير من السلع لا يستحق أن يدفع فيها أي ثمن.. فنحن في حاجة ملحة للرقابة الصارمة للاستيراد، والرقابة الصارمة للجودة، وخلق الهيئات الفنية المختلفة لهذا الصدد.
وفي جانب التصدير فإن سلعنا لا تجد التسويق الذي يتناسب مع قيمتها.. وبدل تصدير اللحوم نصدر الماشية نفسها، بل بلغ عدم الحرص عندنا أن نصدر حتى إناثها وهنالك الكثير مما يحتاج أن يقال بهذا الصدد، ويعرفه الفنييون والمختصون أكثر منا.. المهم لابد من العمل الجاد في مجال الاستيراد والتصدير، وخلق التنظيمات الفنية المختصة، ومراجعة الموجود منها، وتفعيلها.

8/ إن الفساد الذي أوجده نظام الإنقاذ في مجال الخدمة المدنية هائل جداً.. فلابد من مراجعة قوانين العمل، وتحديد الأسس للتوظيف والترقي، وتنظيم العلاقة بين الرؤساء والمرؤسين.. فإن كل ذلك قد تم تخريبه بصورة تكاد تكون تامة، خصوصاً بعد إدخال مبدأ الولاء قبل الأداء،كما لابد من مراجعة قانون المحاسبة في مجال الخدمة المدنية، وأسس تعيين الموظفين والعمال.. كل ذلك أختل بصورة كبيرة.. يجب ألا يكون للمحسوبية أي مجال، كما يجب أن تكون هنالك قوانين صارمة للقضاء على الفساد والرشوة.. باختصار، لا يوجد شيء في مجال الخدمة المدنية لا يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، وكذلك الحال بالنسبة للهيئات العسكرية مثل الخدمة في الجيش والشرطة، أما أجهزة الأمن فينبغي حلها تماماً، فهي لم تكن أجهزة من أجل البلاد والدولة، وإنما كانت لخدمة النظام وحمايته، وكانت في جملتها ضد الشعب.. فيجب أن يتم وضع أسس جديدة لهذه الأجهزة، تضعها في موضعها، من حيث العمل على خدمة الدولة والشعب، وفق قوانين واضحة ومنضبطة.. وما يجب إلغاؤه في جانب الأمن هو التجسس على الشعب والعمل ضد مصالحه، وقد كان هذا هو الغالب على أجهزة الأمن وعملها.. فلابد من إلغاء الشركات التي أوجدها النظام كرشوة لأجهزة الأمن، وإلغاء أي قانون يعطي رجال الأمن امتيازات خاصة، تجعلهم فوق الشعب.. باختصار لابد من خلق نظام أمن وظيفته الأساسية، حفظ أمن البلاد، وأمن المواطنين.

خالد الحاج عبد المحمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق