مقالات وآراء سياسية

أزرق طيبة المعارض الشرس وبناء المستشفى الذي حاربته الإنقاذ

د. الفاتح إبراهيم

إنه الشيخ عبد الله بن الشيخ أحمد الريح بن الشيخ عبد الباقي علم في رأسه نار .. عرف الكل مواقفه في الظروف الحالكة والسنين العجاف التي مرت بها البلاد .. ولا عجب أن وقف مع الحق وكان ملاذا للمعارضين للباطل كما كان أجداده في طيبة الشيخ عبد الباقي ملاذا آمنا للهاربين من حملات الدفتردار الظالمة كما تحكي صفحات التاريخ الذي لا بد من أن تُعمل فيه  الكثير من إعادة الكتابة والمراجعات ..

 

الشيخ عبد الله بحر من العلم الديني وفيما ندر من توجهات شيوخ الصوفية أصاب الكثير من العلم الدنيوي أيضا حتى أن بعض متوسطي الثقافة إن لم أقل الجهلاء وصفوه بالشيخ الشيوعي!! وإذا اتاحت لك الظروف زيارة للشيخ في خلوته لا بد أن تلتمس مظاهر التدين الجاد والأخذ بالشدة والانضباط الأخلاقي في ارجاء المكان .. فهناك من يشدو بالمدائح النبوية ومن يرتجل قصائد المدح ومن له أسئلة في أمور الدنيا والدين ومن يتدارسون في أمور الدين ولكن لا تفتأ تلاحظ من حين لآخر أن الشيخ أيضا يمتاز بقدر كبير من الحس الفكاهي والأريحية فلا تجهم ولا تنطع ولا ثرثرة وإنما بيئة منسوجة من عبق الطمأنينة والحب والسلام كانما شعارها ما ورد في التنزيل الحكيم ”طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى“ ..

 

هنالك الكثير من جوانب شخصية الشيخ عبد الله لا يتطرق لها بسبب العزوف الصوفي عن كل ما قد يكون ذكره أكثر قربا من عرض الدنيا وبعدا من الزهد فيها ..

 

ولعل من المناسب الإشارة إليه هنا – وأعرف أن الشيخ الصوفي الزاهد لا يتطرق لذلك ولكن أرى أنه من المناسب ذكره هنا – أن الشيخ عبد الله عندما امتحن الشهادة السودانية من مدرسة حنتوب الثانوية العريقة في أوائل ستينيات القرن الماضي فيما قبل السلم التعليمي أحرز درجات الامتياز في الرياضيات والعلوم والتحق بجامعة الخرطوم كلية الرياضيات .. وبالرغم من أنه كان مزودا بالوسائل الأكاديمية التي تمكنه من الولوج إلى أعلى مراتب الوظائف العلمية في بلاده ودول الغرب إلا أنه – ولا عجب – ترك الجامعة في السنة الثانية ورجع إلى مسقط رأسه في قرية طيبة وكأن لسان حاله الآمر يقول له ليس هذا هو الطريق الذي ينبغي سلوكه .. وقد صدق حدسه فإن الأقدار تعده إلى ما هو مختلف تماما وقد كانت النتيجة تصالح مع النفس وخدمة للدين والمجتمع بما يمكث في الأرض وينفع الناس .. انضم إلى بيئة ”المسيد“ المؤسسة الدينية التي أسسها ورعاها جده الشيخ عبد الباقي بن الشيخ حمد النيل (الحفيان رجل أمدرمان) .. وعكف الشيخ عبد الله مع الطلاب يتدارس ويدرس علوم القرآن والحديث الشريف واللغة العربية حتى صار خليفة السجادة العركية بعد أن انتقل أخوه الخليفة الشيخ أبوعاقلة إلى الرفيق الأعلى  .. وتحتوي مؤسسة تحفيظ القرآن وعلوم الشرع التي يشرف عليها الشيخ عبد الله في قرية طيبة على ”المسيد“ وسكن وطعام مجاني لطلاب العلم الذين يفدون إلى طيبة من كل ارجاء البلاد خاصة من كردفان ودارفور طلبا للعلم الشرعي وحفظ القرآن .. كذلك كثير من أطفال القرية يلتحقون بالخلوة التابعة  للمسيد لحفظ القرآن وتعلم العربية قبل الالتحاق بالمدرسة الأولية النظامية وقد كنت أحد هؤلاء الذين تشرفوا بذلك ..

 

لم تقتصر  الأنشطة التي أشرف عليها الشيخ على العلوم الدينية وإنما شملت كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية مثل مقاومة الفساد والمفسدين في العهد البائد لتصفية مشروع الجزيرة الذي كانت بدايته من قرية طيبة وظل  يؤدي دوره الاقتصادي للبلاد قرابة المئة عام.

 

وخلال السنوات الأخيرة امتدت رعاية الشيخ إلى إنشاء مشروع تمثل في بناء مستشفى في منطقة يعاني مواطنوها من استفحال الأمراض البيئية مثل الملاريا والبلهارسيا وغيرها .. وقد تم البناء وكان من الطبيعي أن لا يلجأ للحكومة السابقة للعون فقد عرفوه مخالفا لتوجهاتهم في الحكم .. أما الآن وقد انتصرت ثورة الشباب فهذه رسالة لوزير صحة الثورة الدكتور أكرم علي التوم بما لديه من خبرة أكاديمية محليا ودوليا  في دول الغرب ومع الجهات المانحة في الأمم المتحدة، الصندوق العالمي لمكافحة الأمراض المستوطنة ، البنك الدولي، الحكومة الأمريكية وكذلك الاتحاد الأوروبي، حكومات إيطاليا وكندا والنرويج والسويد والكويت وعمان وغيرها أن يمد يد المساعدة لهذا المستشفى الذي إلى جانب طاقم المهنيين من أطباء وغيرهم يحتاج إلى المعدات والأجهزة اللازمة حتى يؤدي دوره الحيوي في هذه المنطقة التي عانت من إهمال النظام البائد ..

 

د. الفاتح إبراهيم

واشنطن

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..