مقالات وآراء سياسية

مبادرة سياسية لحل أزمة النظام السياسي

د.يوسف نبيل

نظام الحكم ليس هو الدولة ، السودان هي الدولة القائمة اولا ، وشعبها هو مزيج بين عربي وافريقي ، متعدد القبائل واللغات والأجناس والأعراق والإثنيات والعرقيات ، إسلامي و جامع لكل الديانات الآخرى ومنفتح بالتسامح مع كل دول الجوار مسيحية كانت ام اسلامية.

أما عن نظامها يمكن ان يكون اسلامي مستبد ) نسبة للإنقاذ) وعسكري همجي ومتوحش (مثل كل الحكومات العسكرية السابقة) او علماني معتدل او نظام مدني محافظ للجميع على الحقوق ، به العرب والأفارقة ، به كل عقيدة خاصة واجبة الاحترام .. وكل اثنية او عرقية لها كاملة الحقوق ..  اي نظام سياسي عادل اذا كان ينفع الناس والمجتمع او نظام سياسي جائر اذا لم يساوي بين كل الاطراف والأعراق والقبليات والأجناس.

إن انفصالنا عن الجنوب كان لجور نظام عبود حيث أجبر الجنوبين على اعتناق الإسلام ، ومن ثم جاء نظام نميري ممهدا الطريق للانفصال بقوانين الشريعة في سبتمبر 83 وتبعه الانقاذ بمواصلة الاحتراب مع الجنوبيين بدواعي الإسلام السياسي ، حيث ان هؤلاء الثلاثة العسكريين هم الذين اضطهدوا الجنوبين عنوة وعن قصد بغرض فض الإشتراك الإنساني ما بين الجنوب والشمال بزريعة دينية ، بينما نحن الشعب والمجتمع كنا في أقصى درجات التسامح مع بعضنا البعض اي بين الجنوبيين والشماليين ، بل واتضح مؤخرا اي في 2005 بأن نظام الإنقاذ (الاسلامي مظهرا) أيضا بلا مانع في تعيين نائب أول للرئيس وإن كان جنوبي مسيحي وهذا بغض النظر عن سياسات الاتفاقيات الناقصة تماما (إتفاقية السلام الشامل) وليس بها غير شمولية الساسة الذين لعبوا بعقول العامة بغرض تجيش العواطف والانفعالات لخلق الصراعات والعداوات ورغم ذلك مازلنا في قمة وئامنا مع دولة جنوب السودان الحبيبة.

يا أيها السادة/السياسيين عسكريين ام مدنيين ، الشعب هو الذي يُشكّل ويبني الدولة وليس النظام ايً كانت مظاهره او ظواهرة السياسية ، لذلك ان وجوب وجود نظام حقيقي يحقق أقصى درجات التسامح والمساواة بين أفراد كل المجتمع واجناسه -وليس بإقصاء طرف تحت اي بند او اي تمايز ايجابي لشمالي على غربي كما فعل الإنقاذ القبيح-  هي مسؤولية الشعب من الدرجة الأولى ، بان يضعوا نظام يمثلهم ،  ويقول جل وعلا: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [الحجرات:13]

في مستهل الآية يبين سبحانه وتعالى حكمته الإلهية بجعله لنا شعوبا وقبائل لنتعارف اي بان يتواصل المد الانساني بين القبائل والشعوب ولا ينقطع او ينحسر ، اي بالانفتاح على الغير ، و أن يتواصل هذا المد بالتعارف وليس بالتحارب او الإقصاء والاستعلاء او التهجير او القتل ولم يقل لتحاربوا او تقاتلوا كما فعل الإنقاذ عقيدة ومنهج ، لذلك فإن السودان لا يحتاج الى نظام إسلامي ، لأن السوداني مسلم حتى النخاع حتى المسيحيين فيه ملتزمون بطبيعة المجتمع الإسلامي المحافظ. فالغطاء الاسلامي للحكم لن يجدي نفعا في شيء سوى استغلاله من بعض المتأسلمين لأغراضهم الخاصة وبذلك لن يرفعوا الاسلام بل سوف يشوهوا صورة الإسلام ، لأنهم راعون لمصالحهم وليس للإسلام ، هم فقط يستغلوا سماحتنا السودانية الدينية. السوداني مسلم بطبيعته لأنه مفطور على التدين ليس ادعاء للتدين بل لان التدين عندنا نحن السودانيين أسلوب حياة يرتقي بالأخلاق و بالمبادئ بالمثل بالمعايير والقيم الاجتماعية التي تميزنا عن كل شعوب الارض بالكرم والتسامح والألفة والمودة ، وهذا ما خلق هذا المجتمع المحافظ ، أسلوب حياة لا يختلف عن طبيعة اسلوب طعامنا (الذي يسع الغني والفقير) وملبسنا الملتزم (وان تضرر قليلا لسوء إستخدام التكنولوجيا)  و علائقنا الإنسانية القائمة على صلة الأرحام والمحبة الجامعة لكل أطياف الأعراق والإثنيات والفئات الاجتماعية الطبقية بحيث لم نجد احتقارا لغني على فقير في السودان.

نحن في أمس الحاجة إلى نظام اجتماعي وسياسي جامع يخضع له الكل بالتراضي ، ليس بألوان و الجهويات و المراسيم الجمهورية التي كانت تأتي بغطاء ديني لتمرير كل أشكال الفساد غير المبررة ، وأيضا لا نحتاج لنظام فكري حزبي (صفوية المفكرين)  يواصل نفس خديعة الانقاذ علينا لكن بطرق مختلفة ، بل نظام توافقي يقبل التعدديات الثقافية بجميع أشكالها ، ونحن نعاصر الآن نظام المملكه المتحدة بحيث تضم اسكتلندا وويلز وايرلندا وايضا كندا بها عرقيات متنوعة وكذلك واستراليا وروسيا واسبانيا لم نرى اي منهم  له دعوات انفصالية وذلك لادراكهم المرتفع والراقي بان الدولة هي للكل وليست الدولة لنظام الحكم ، خاصة أن كانت ايدولوجيته السياسية تشجع على الافتراق او نظام حكم شمولي.

ومن هنا أتقدم بالمبادرة  ..

على الدولة ان رأت بأن تمارس نظام ديموقراطي مدني أو علماني ، ان ينحصر ذلك سياسيا وترك المجتمعات على شاكلتها المبتغاة ايًّ كان شكلها.

إذا لم يصبح هناك أي مفر من العلمانية  ، اي أصبح لزاما على الدولة التوافق مع جميع الأطياف السياسية وأما حق تقرير المصير ، على الشعب جملة ان يوافق على علمانية الدولة مقابل وضع إطار يحدد ماهية هذه العلمانية للدولة وليس للمجتمع ! وذلك كي نحفظ للدوله حقها من الإستفادة من الأنظمة العلمانية -اي مصالح المواطنين بالدرجة الأولى- مقابل نظام مجتمعي عرفي يتوافق مع شكل وطبيعة وهوية وثقافة المجتمع دون الالتماس مع فلسفة سياسة نظام الدولة ، مثل مبدأ الفصل في السلطات ، اي بان تكون سلطة الدولة علمانية وسلطة المجتمع اسلامية على ان يتم تكيّف هذه الجدلية في الدستور ولها حلول كثيرة.

ان وجود نوعين متوازيين من الانظمة سيخلق الجدلية الأصح في خدمة الدولة والمجتمع ، وعلى المدى الزمني الطويل ستظهر ايجابيات علمانية الدولة وكذلك مضارها وكذلك ستظهر جليا قوة تشريعات النظام الاسلامي ومدى قصوره-ان وجد قصور- في إطار العولمة الإقتصادية والتشريعية وشكل ومساحة وحدود تلك الحريات وفوائدها ومضارها على المجتمع ومن ثم على الفرد كوحدة قائمة بذاته ضمن مجتمع حر ومعافى يجمع بين التوجهات الفكرية الجديدة والقديمة الموروثة و المبتغاة ، ومن ثم على المجتمع ان يفاضل بين الجدليتين وعليها يؤسس شكل دولته الديموقراطية الدائمة

هكذا توضع السياسات العامة والخاصة اي بالتجربة ، بأن يكون هنالك نوعين متوازيين غير متعارضين على ان يتم ادخال عوامل مؤثرة مختلفة ، ومن ثم المتابعة والتفحص وتسجيل كل ردود الافعال والنتائج على ان يتم في نهاية ملخص هذه التجربة إثبات اي العوامل التي أُدخلت أدت الى نتائج أفضل (اي النظامين كان له التاثير الاجتماعي والدولي الأفضل والأنسب؟) ومن ثم توضع المخلصات والتوصيات لإنشاء دولة علمانية او دولة دينية ، وهذا السجال بين كلا الفريقين سيخلق أصح منافسة تخدم الدولة فان نظام الحكم الواحد هو رديف الاستبداد لكن حين تضع نظامين ويعمل كلا الفريقين على إثبات ايّ منهما هو الأجدر والانفع ، لقيام وتأسيس الدولة وله الأثر البالغ في حياة الانسان السوداني والارتقاء به بين الأمم فهذا هو التحدي الوطني الأعظم الذي يجب ان يخوضه كل سياسي وكل مواطن وكل حركة وكل الأمة وكل أسرة في التصحيح المنهجي لقيام دولة سودانية ديمقراطية بها جميع الرؤى وكل الحريات وأبلغ الرسالات السماوية والسياسية والانسانية.

سيضحك كثيرون من القراء على هذه الرؤية وذلك لان المجتمع هو الشكل المصغر من الدولة ومرآتها ، فلا يمكن الفصل بينهما ، لكني سارد كذلك بالضحك وذلك لأن النظام السياسي يخص هؤلاء الذين هُم بلا هْم (أي أصحاب السيادة) كمثل الشعب الذي يعاني جميع انواع المرارات ، لكن تأطير النظام السياسي سيعم بالفائدة على المجتمع دون تشويه للهوية السودانية التي يبتغيها ويفتخر بها. حتى ان أدى ذلك بعد سنين طويلة التحول الى نظام علماني مجتمعيا سيكون نظام مجتمعي به الحرية العلمانية لأغراض البنيان وليس للهدم ،  لأنه اذا طبقت العلمانية الان على كلا السياسة والمجتمع ، اي التحول السريع من قمة الشمولية والتضيق على الحريات الى قمة العلمانية والانفتاح التام على كل الحريات سيشوه شكل الدولة والمجتمع (وهو ليس المطلوب إثباته)

لكن اذا طبقت العلمانية اولا على النظام السياسي ، فإن الممارسة السياسية ستفتت وترسب سوء العلمانية في أنظار العامة ، لأنه بعد ان يتمرس السياسيين على العلمانية عبر انظمة الدولة المختلفة ، بعدها سيأتي النظام العلماني بصورته الحقيقية للمجتمع بحيث تكون فيه الحرية بقصد بناء الفرد وليس لهدم كامل المجتمع وتشويهه ، لان المجتمع والفرد وجهان لعملة واحدة كمثل المجتمع والدولة ، جدليتان متصاحبتان متداخلتان لكن ليس بهم تضاد اطلاقا ، بحيث يعملان سويا لكن كلً على حده في انسجام طبيعي ، ومن خلال هذا التطور الفعلي لأي منهما ، سيعزز قدرة الآخر على النمو والتدافع نحو دولة واحدة متطورة وليست نامية كسابق عهدها السياسي الجاهل.

وماذا اذا احتكم إثنان ، واحد يرغب بحكم محكمة علمانية واخر لحكم محكمة اسلامية ؟ الجواب بسؤال اخر: ما هي مهام المجلس التشريعي ؟ الجلوس كالسادة في أولى المجامع واللقاءات ؟ ام الجلوس كالسادة ايضا في البرلمان ليدافع ويتغنى كل منهم باسم الحزب الذي دفع به ؟ بل ليقوموا بمهامهم ب وضع دستوري تعددي جامع يحمى المجتمع ويتيح للفرد حقوقه في ذات الوقت ، مع الحفاظ على استقرار ونماء الدولة ، اي من أراد حقوقا علمانيا تتاح له ومن اراد محكمة بشريعة اسلامية تتاح له ، واذا اختلف اثنان في مطلب إسلامي واخر علماني ، تأخذ الدولة بالصالح العام اي بمصلحة شريعة المجتمع الإسلامية ، لكن اذا أختلف أحد مع الدولة ، تأخذ الدولة بالعلمانية.

ان أكثر ما أضر اهل السودان ليس غياب القانون بل التسامح في القضاء ، وان اكثر ما أضعف اهل السودان ليست تعدديته الثقافية بل الاحتراب فيما بينهم ، ان اكثر ما أضر أهل السودان ليست غياب رؤوس الأموال بل مركزيتها وتوظيفها في الفائدة الفورية على حساب الفائدة طويلة الأمد لكن عائد فوائد طويلة الأمد مضاعفة عشرات المرات ، ان مشكلة السودان الحقيقية ليست في توظيف واستخدام الدين في المصلحة الخاصة لكن الاوتوقراطية العسكرية التي حكمت السودان 53 عاما من اصل 63 عاما منذ الإستقلال ، فان وظّفنا كل في مكانه الصحيح ستتقدم البلاد ، ان أولوية فصل العسكر عن السلطة اهم من الفصل التام للدين عن الدولة ، إنها الاولويات هكذا تُسيّر الحياة وفق خطوات منهجية مرتبة ومدروسة.

والدستور يمكنه حل إشتراك العسكر في السلطة وليس حرمانهم تماما وتحجيمهم في وزارة الدفاع فقط ، يمكن ان بكون الدستور الدائم لدولة برلمانية برئيس مدني ونائب أول عسكري له صلاحيات واسعة في الجيش وبعض صلاحيات الدولة كنائب اول لرئيس الجمهورية المدني.

ماليس في حسبان المواطن السوداني هو قيام انقلاب آخر او استئثار العسكر بالسلطة ، قبل ان يحين فترة حكم المدنيين للسيادة وهذا امر مستبعد إلا اذا تململ الناس من حكومة المدنيين وبدأ الشارع يتحرك مرة أخرى وهذا أمر ليس ببعيد عن الواقع الحالي الذي تتدهور فيه اقتصاديات الدولة بصورة متلاحقة بل أصبحت ملاحظة بوتيرة متسارعة جدا ومخيفة ، وهذا ما يقصده العسكر تفشيل حكومة المدنيين حتى يتسنى لهم الاستئثار بالدولة مرة اخرى.

 

احدى أكبر الاخطاء السياسية السودانية عبر تاريخنا المعاصر هو قبول المدنين بالشراكة مع العسكر لأنه لا توجد شراكة ناجحه بين مدني وعسكري طيلة تاريخ الانسان السياسي ، كان من الأجدى ان يترك المدنيين اي قوى التغيير كامل الفترة الإنتقالية للعسكر لان فشل المدنيين في إدارة البلاد لن ُتحسب على أنها فشل فترة انتقالية او فشل لحظي ضمن إطار شراكة الدولة بين قوى التغيير وبين العسكر ، لكن سينسب فشل كامل الدولة لقوى التغيير بحيث لن يجدوا مدخلا آخر للحصول على سيادة الدولة مستقبلا مرة أخرى ، خاصة بما يعانيه المواطن الان من أحوال أكثر شدة من تلك الأحوال أيام حكومة الإنقاذ.

 

دعوة للمشاركة مقدمة الى كلا من:

السيد/ عبدالواحد محمد نور

السيد/ عبدالعزيز الحلو

 

د.يوسف نبيل

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى