أخبار السودان

ولدنا في القرن العشرين وعشنا خارجه

جعفر عباس
كانت الحصة الثالثة في مدرسة البرقيق الوسطى عندما تناهى الى مسامعنا دوي مرعب، فاندفعنا خارجين من حجرات الدراسة ونظرنا الى مصدر الصوت، فإذا به كائن ضخم يدور مزمجرا فوق المدرسة، فصرنا نجري ونبكي ونصرخ: وي بيووو، وو نور/ أرتي (يا الله)، ثم توقف ذلك الكائن عن الزمجرة بعد ان هبط شمال المدرسة بالقرب من مزرعة عمنا حسن خيري
كان طائرة هليكوبتر يقودها رجل انجليزي جاء مع فريق من المساحين لتحديد موقع مستشفى البرقيق وقال الفريق عبد الرحيم محمد حسين إن إحدى قريبات رأت المشهد وصرخت: نور دفوفن مولا سكوسو (ربنا نزل جنب الدفوفة) والدفوفة قلاع أعمارها آلاف السنين في منطقتنا (كرمة)
= انتبه أهلنا في منطقة كرمة الى وجود خيط رفيع ابيض طويل في السماء، فبدأ العويل والنحيب، وكعادتنا مع الظواهر الطبيعية مثل الكسوف والخسوف قرع المئات علب الصفيح وبدأوا في إنشاد أقرب الى البكاء: يا الله رحمق سُكِّر (يا الله انزل رحمتك) يا الله بلاق دقو (ارفع عنا البلاء)، وتدافع الناس يطلبون العفو من بعضهم البعض وهم يبكون، بعد أن حسبوا أن “القيامة قامت” واندفعت نحو حي أب جاسي حيث مقر ومقابر وأضرحة أجدادي “الفقرا”، وفوجئت هناك بالعشرات يحيطون بجدي الفقيه الجليل حاج فرحان، الذي سمعته يتلو بصوت ثابت: وإذا السماء انشقت.. فصاح فيه أحدهم: إنشقت مِنا يا شيه (انشقت ماذا يا شيخ)، كان المسكين يريد من الشيخ أن يطمئنه بأنه “لسه بدري” على القيامة فوجده يتلو السورة التي تتضمن علامات القيامة
كانت تلك أول طائرة نفاثة تجتاز سماوات منطقتنا ومع برودة الجو في الأعالي تكثَّف ما تنفثه من هواء فكان الخيط المرعب
= في مدرسة البرقيق الوسطى، وفي أمسية يوم الاثنين المخصصة ل”الجمعية الأدبية”، كلفني أستاذي محمد أحمد عبد الرحيم (توتي) مد الله في أيامه بتقديم محاضرة عن “سبل كسب العيش في السودان” استنادا الى منهج الجغرافيا في المرحلة الابتدائية، وبدأت بالقولد وما ان وصلت ريرة حتى سمعنا عواء كلب فاندفع معظم الطلاب وتركوني قائما
كان بعض الطلاب قد نصبوا “كُتّا تيب” وهو الاسم النوبي لمصيدة الكلاب المصنوعة من عود طري متوسط السمك يتم دفنه في الأرض، وثني طرفه العلوي وعليه انشوطة بيضاوية كتلك التي في المشنقة، يتم دفنها في التراب مع وضع قطعة لحم في منتصفها، وإذا مد كلب رأسه ليتناول اللحم تلتف الانشوطة حول رقبته وينتصب العود عاليا فتأتي فرقة الإعدام وتقتل الكلب المشنوق
ولما تكرر هروب الطلاب نحو الكتا تيب شكل المعلمون فرقة إعدام هي وحدها التي تغادر مكان المحاضرة عند صدور عويل كلب مشنوق
كانت مدرستنا بلا أسوار وبعد ان ينام الطلاب في الحوش كانت الضباع تأتي لتحوم بيننا، وبسبب الخوف من الضباع تفشت ظاهرة التبول اللا إرادي بين الطلاب، لأنك إذا لم تجد من يذهب معك الى الحمامات في الثالثة فجرا مثلا، فما بدهاش، والسرير أصلا ليس فيه مرتبة بل هناك بطانية تحتك وأخرى فوقك، ولهذا شجعت إدارة المدرسة الكلاب على المرابطة فيها فتوقفت الضباع عن زيارتنا، ولكن الكلاب صارت مشكلتنا لأنها رفعت التكليف وصارت تدخل العنابر ليل نهار وتفتك بمخزوننا من التمر والقرقوش فكان لابد من الكتا تيب
المهم أن استاذي توتي أعطاني جائزة نظير تقديم المحاضرة وكانت علبة مقفلة بإحكام وعليها رسومات جميلة وكلمات إنجليزية خارج المقرر، واحتفظت بالعلبة لسنتين أي حتى غادرت البرقيق للالتحاق بمدرسة وادي سيدنا الثانوية، وذات يوم عرضت العلبة على شقيقي عابدين في كوستي، فقام بفتحها، ثم صرخ ورمي بها بعيدا فقد كانت ممتلئة بالديدان، وعرفت لاحقا أنها كانت علبة كرز، وانتهت صلاحيتها وهي عندي، ولم اعرف طعم الكرز إلا بعدها بنحو ثلاثين سنة عندما هاجرت الى الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق