واحة النخيلة يوميات زيارة الحاج حسين دوسة الى الواحة

تقديم وتحقيق ودراسة الدكتور سليم عبابنة

تلخيص عبدالرحمن حسين دوسة

لعل أدب المذكرات الشخصية أو اليوميات من أندر فنون الكتابة عند السودانيين وقد يعود ذلك لأسباب عدة منها الثقافى والإجتماعى والنفسى الخ. رغم ذلك فقد درج بعض الإداريين القدامى فى توثيق تجاربهم وذكرياتهم كلما تسنى لهم الوقت بيد أن المشكلة تظل هذه اليوميات حبيسة الأدراج ولا تجد حظها فى النشر أن لم تتعرض للضياع.

الصدفة وحدها قادت طبيبا أردنيا لأن يحقق ويوثق وينشر بعض يوميات الحاج حسين دوسة عبدالرحمن وهى جزئية توثق زيارة تاريخية لواحة النخيل جرت فى عام 1965 والمفارقة أن هذه اليوميات تحمل فى ثناياها قيمة قانونية ذات صلة بواقعتين ظلتا محل إهتمام من قبل أهل دارفور وهما أولاَ: الجدل الدائر بخصوص الحدود الفاصلة بين دارفور وولاية الشمالية ثم ثانياَ: الخلاف القائم حالياَ بين الزغاوة من جهة والماهرية من جهة أخرى بخصوص تبعية المنطقة المعروفة ب “زرق”.

تم نشر هذه اليوميات فى مارس 2019 فى كتيب حققه الدكتور سليم عبابنه وهو إستشارى طب وجراحة العيون ورئيس تجمع النقابات المهنية فى مدينة أربد وعضو جمعية عجلون للبحوث والدراسات.

قدم الدكتور سليم عبابنة الى دارفور لأول مرة إبان الزيارة التى قام بها الأمير الحسن بن طلال الى السودان فى سبتمبر 1985 حيث ترأس البعثة الطبية الأردنية وإستقر بمدينة كاس فى ولاية جنوب دارفور ومن هنا تعرف على الحاج حسين دوسة الذى كان يقيم بمدينة نيالا ونشأت بينهما صداقة متينة إمتدت لزيارات أسرية متبادلة فيما بين بوداى أربد الجميلة وحى المزاد بنيالا.

فى إحدى زيارات الحاج حسين دوسة برفقة إبنه عثمان لبادية أربد (1995) أشارت أم يوسف لزوجها الدكتور سليم بأن ضيفهم السودانى يسجل ذكرياته كل يوم عقب صلاة الصبح فى قصاصات متفرقة وهى بالفعل عادة درج عليها الوالد حيث ذكر لنا بأنه تعلمها من رئيسه البريطانى عندما كان يعمل عامل لاسلكى بسلاح الإشارات فى جبل مون إبان الحرب العالمية الثانية.

عندئذ أقترح الدكتور عبابنة على الوالد بأن يتولى تحقيق ونشر مذكراته/يومياته فوافق الوالد بدون تردد ووعده بتسليم مذكراته الخطية عند أول زيارة للدكتور الى دارفور وقد تم ذلك فى عام 2001 وكانت يوميات رحلته التاريخية الى واحة النخيلة هى أولى المذكرات.

من المهم الإشارة الى أن هذه الزيارة تقررت منذ عام 1957 وبتعليمات مباشرة من المدير على أبوسن أول مدير وطنى لمديرية دارفور ولكن لم يتمكن المراقب المالى للمديرية من إيجاد بند فى الميزانية تغطى تكاليف هذه الرحلة فبقيت الفكرة حبيسة الأدراج حتى عام 1965.

سجلات المديرية وإفادات المواطنين تقول بأن أول مسئول زار واحة النخيلة هو المستر ناقوتلر وكان ذلك فى عام 1925 ثم المستر مور مفتش كتم المشهور فى عام 1940 أما المستر ويلفريد سيثر الذى خلف المستر مور فقد وثق رحلة سلفه فى كتاب بعنوان The Life of My Choice وقد أرسل نسخة من كتابه هذا للوالد فى عام 1967 – علماَ بأنه لا يقرأ الإنجليزية – مع نسخة من كتاب آخر نادر بعنوان Our Sudan – Its Pyramids & Progress  لمؤلفه John Ward وتقديم سلاطين باشا حيث يناول فى الباب السادس عشر دارفور وحدوده.

نترك التفاصيل اليومية للرحلة حتى الحلقة القادمة ولكن نتناول هنا فقط الترتيبات الدقيقة التى سبقت الرحلة خاصة ما يتعلق بتمويلها حيث عجزت سلطات المديرية من تدبير الميزانية اللازمة كما أن مركز كتم كان له من الأولويات الأخرى التى حالت من دون تمويله.

هنا إنبرى عدد من وجهاء المنطقة وزعمائها فى تحمل المسئولية والتبرع ويأتى فى المقدمة الشرتاى التجانى الطيب والملك على محمدين والعمدة دابو هاشم والباسى سالم تقل والملك موسى خميس وبعض التجار والمواطنين.

تكونت القافلة من حوالى 65 جملاَ بمواصفات خاصة و44 من الرجال من دون نساء. فضلا عن الطعام اللازم فقد شملت المطلوبات أسلحة للحماية، إدوية بشرية وبيطرية، كاميرا، أسطرلاب، بوصلة، راديو ترانزستر وجهاز تسجيل ناشونال، بطاريات للإضاءة، صفيحة جاز أبيض، أكفان للموتى المحتملين، ثلاث مصاحف نادرة تبرع بهم الشيخ عبدالله حرير.

تم تحديد قريتى سندية وشقيق كارو كنقطتى تجمع وتحرك القافلة حيث إستغرق إجراءت التجمع أكثر من أسبوعين كان فيه أهالى القريتين مثالاَ للكرم وحسن الضيافة كما أن الباسى سالم تقل والعمدة دابو هاشم مكثا طوال هذه الفترة لأستقبال ووداع القافلة ودفعوا من حر مالهم ما يعجز اللسان عن شكرهما.

أكثر ما كان يقلق الجميع هو أمن القافلة إذ أن المنطقة شاسعة ومكشوفة ولا وجود للحكومة فيها وبالتالى وجد بعض الهمباتة وقطاعى الطرق فرصة للقتل والنهب لذا تم الإستعانة بخمس من أفضل عناصر الشرطة تدريباَ وممن يجيدون الرماية بدقة لحراسة القافلة والغريب أنهم كانوا فى غاية الثقة من القيام بمهامهم والتصدى لكائن من كان رغم أنهم يحملون فقط بنادق أبوعشرة.

رغم أن الرحلة ممولة ذاتيا كما أشرنا فأنه لم يكن بالإمكان التحرك قبل أن يأتى إذناَ كتابيا بالتحرك من مفتش مركز كتم وحكمدار بوليس المركز حيث أن سلامة القافلة تقع على مسئوليتهم فى حال أى مكروه كما أن الوالد ورجال الشرطة وزعماء الإدارة الأهلية والخفراء المرافقين يعتبرون من موظفى الدولة وبالتالى ينبغى أن تكون تحركاتهم بإذن مسبق.

فى 1/9/1965 ورد خطاب بالنمرة/سرى/20/ب/1/6 توقيع الشيخ سعيد عبدالله ضابط تنفيذى مجلس ريفى شمال دارفور يأذن فيه بالتحرك حيث تحركت القافلة فى نفس اليوم.

فى الحلقة القادمة نتناول يوميات الرحلة والمشاهدات والمتاعب والملاحظات والتوصيات.

عبدالرحمن حسين دوسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق