تجربة الأخوان المسلمين في الميزان: دعوة للحوار (4)

خالد الحاج عبد المحمود

إن ما قام به الأخوان المسلمون من عمل في تطبيق الإسلام بالسودان، أمر خطير جداً ولابد من مناقشته المناقشة المستفيضة، التي تحدد الموقف الديني والسياسي منه.. والأخوان المسلمون، زعماؤهم بصورة خاصة، مدعوون للدخول في هذا الحوار، بجد وموضوعية.. فإما أنهم يعتبرون أن تجربتهم، من الناحية الدينية والناحية السياسية صحيحة، فيدافعون عنها أو أنهم اقتنعوا بأنها باطلة فيرجعون إلى ربهم.. وهذه هي الاستراتيجية التي يجب أن نتعامل بها معهم.. يجب أن نحاورهم حول ما فعلوه بالإسلام، وبالسودان، وشعب السودان، حواراً واضحاً وموضوعياً.. كما يجب ألا نحاورهم قط في أي قضايا نظرية عن الدين، وعن الإصلاح السياسي.. فهم قد طبقوا تصورهم الديني والسياسي لمدة ثلاثين عاماً، فلا معنى بعد ذلك أن نحاورهم في تصورات نظرية.. دينهم هو ما طبقوه، وقد عرفناه بالتجربة الطويلة، فيجب ألا نسمع منه حديثا عن أي دين  آخر غير الذي طبقوه.. كما يجب أن نبادر نحن بمناقشتهم عن تجربتهم.. عليهم أن يبيِّنوا لنا كيف أن الذي فعلوه هو الإسلام، وأنه لخير السودان.. هذه هي الاستراتجية التي يجب أن نلتزمها في تعاملنا مع الأخوان المسلمين.. حدثونا عن الدين كما طبقتموه، وليس عن أي شيء آخر.. نريد أن نفهم لماذا فعلتم ما فعلتم بنا، وبدين الإسلام؟

نريد أن نعرف، هل تجربة الأخوان المسلمين في السودان، من حيث الأسلوب، ومن حيث المحتوى، ومن حيث النتائج الفعلية، هي الإسلام الصحيح؟ وهل هي كانت لخير االسودان؟

أولاً نبدأ بالأسلوب

من المعلوم للجميع، أن الإسلام قد نصل من حياة المسلمين، ولحقوا في ذلك باليهود والنصارى، كما أخبر بذلك المعصوم في العديد من أحاديثه.. وتفرق المسلمون إلى ثلاثة وسبعين فرقة، منها فرقة واحدة هي الناجية، كما أنذر بذلك المعصوم.. فمن حيث المبدأ، كيف يبعث الإسلام ويطبق.. وقد رأينا تجربة الأخوان المسلمين، فهل هي الأسلوب الصحيح ديناً، وإلا فما هو الأسلوب الصحيح؟

لبيان هذا الأمر، نتحدث عن تصوُّرنا نحن الأخوان الجمهوريين.. فنحن دعاة لبعث الإسلام.. وعندنا الإسلام يبعث ببعث السنة، وليس ببعث الشريعة!! وهذا ما جاء في قول المعصوم: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ.. فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها).. فالإسلام يبعث بإحياء السنة، وهي عمل النبي في خاصة نفسه.. أما الشريعة فهي تشريعه لامته في القرن السابع الميلادي.. والاختلاف بين السنة والشريعة هو الاختلاف بين النبي والأمة.. وبين السنة والشريعة أمور مشتركة.. ونحن لسنا بصدد التفصيل هنا، فمن أراد التفصيل عليه أن يرجع إلى كتبنا.. الشريعة تقوم على فروع القرءان، القرءان المدني، وهي تنزل من أصول القرءان _ القرءان المكي _ الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وحده.. فبعث الإسلام إنما يكون ببعث السنة، والتي هي أصول القرءان.. مستوى الشريعة هو مستوى الرسالة الأولى، التي كانت عليها أمة المؤمنين.. أما مستوى السنة، مستوى أصول الإسلام، فهو مستوى الرسالة الثانية الذي ستكون عليه أمة المسلمين.

فالدين دائماً خطاب للناس وفق عقولهم، وحسب استعدادهم.. الاستعداد، ومستوى العقول يختلفان من وقت لآخر يقول تعالى: “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها” ويقول المعصوم: (نحن معاشر الأنبياء أُمِرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم).. هذا الاختلاف في المستويات هو الذي جعل الرسالات متعددة، كل رسالة تناسب الأمة التي بعث فيها الرسول المعيَّن.. وكل ما اتسعت الحياة، وضاقت الرسالة عن المستوى الجديد، وأصبح الناس في عهد (فترة) من انقطاع الرسل، أُرسِل رسول جديد، يخاطب الناس في مستوى العقول الجديدة.. وهكذا، من لدن سيدنا آدم وإلى سيدنا محمد، صلى الله عليهم وسلم جميعاً.

والآن، وقد اتسعت الحياة اتساعاً هائلاً وكبرت العقول، بعد أربعة عشر قرناً من التجربة.. ونَصَل الناس عن الدين.. فمن أجل بعث ديني جديد، لابد أن يكون الخطاب في مستوى عقول الناس، وطاقتهم، ويستجيب لتحديات العصر، ويحل مشكلاته، وبأكفأ مما تفعل الحضارة الغربية.. نحن نقدم الإسلام في مستوى الأصول، مستوى السنة، ونبيِّن كيف أنه يستطيع أن يستوعب طاقات العصر، ويحل مشكلاته، بأكفأ مما تفعل العلمانية.. ولنا في هذا الصدد العديد من الكتب.

الأخوان المسلمون يقولون إن الإسلام رسالة واحدة، هي ما كانت عليه أمة المؤمنين في القرن السابع.. وهذه الرسالة التي تقوم على الشريعة، بكل تفاصيلها، صالحة لكل زمان ومكان، ونحن نقول إن هذا التصور خطأ، ونبيِّن أوجه الخطأ فيه.. فالإسلام عندنا رسالتان.. رسالة في مستوى فروع القرءان _ مستوى الشريعة، وهذه ما قامت عليها أمة المؤمنين، فهذه االرسالة لأمة معيَّنة.. أما الرسالة الثانية التي تقوم على أصول القرءان، (مستوى السنة)، مستوى عمل النبي في خاصة نفسه، فهي للناس كافة وليس لأمة بعينها، وهي التي بها يظهر الإسلام على جميع الأديان، فيصبح كل الناس في الأرض مسلمون، يشهدون شهادة (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ويتبعون المعصوم في عبادته، وفي ما يطاق من عادته وينفتح الباب لتحقيق الإسلام الأخير، الذي لم يتحقق في السابق إلا للأنبياء.. فالرسالة الأولى، الشريعة، والرسالة الثانية، السنة، كلاهما رسولهما محمد صلى الله عليه وسلم.. فلا نحتاج لأي شيء خارج القرءان.. نحن دعاة إلى (طريق محمد)، وهي دعوة لكل الناس، ولكن الأمر فيها بالنسبة للمسلمين واضح.. فالمسلم الذي يُدعى إلى تقليد المعصوم، لا يمكن له أن يرفض بحق.. ولكننا لا نلزم أحداً غير أنفسنا.. فنحن ندعو ونبيِّن ونبشِّر.. من يقتنع بتقليد المعصوم، وجب عليه العمل، ومن لا يقتنع هو حر.. نحن لا نهدي الناس، وإنما ندعو ونبشر، والهادي هو الله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ..) نحن لسنا أوصياء على أحد، وعندنا الحرية مكفولة للجميع.. حتى حرية الكفر، “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر”.. هذه الآية من آيات الأصول التي ندعو إلى تطبيقها.. مقابل هذا، الشريعة تقوم على الوصاية: وصاية المسلمين على غير المسلمين، ووصاية النبي على الأمة، ووصاية الرجال على النساء.. وبالنسبة للتطبيق، وهذا هو الأمر الذي يهمنا هنا، من المؤكد عندنا، بل من البداهة، أن أمر التطبيق يتعلق بالله وليس بأحد من البشر.. فالله تعالى هو الذي يأذن بالتطبيق، في الوقت الذي يختاره هو، وعن طريق المأذون الذي يأذن له هو.. وعبر التاريخ، ومن آدم وإلى محمد، صلى الله عليهم جميعاً وسلم، كل ما كان هنالك عهد فترة، لا يُخرِج الناس منه إلا رسول مأذون من الله.. وهذا الرسول دائماً يأتي بجديد، ولم يحدث قط أن دعا رسول نفس دعوة الرسول السابق له، وذلك لأن الخطاب إنما يكون في مستوى طاقة الناس وحاجتهم، وفي مستوى عقولهم، وهي أمور تتجدد.. وهذه سنة الله في خلقه التي لم تتغيَّر قط.. ولن تتغيَّر.. والآن قد مضى على البعث الإسلامي الأول أربعة عشر قرناً، وتغيَّرت حياة الناس بصورة هائلة.. فقد أصبحنا في الجاهلية الثانية، مقابل الجاهلية الأولى، التي كان عليها العرب قبل البعث الأول.. والاختلاف بين الجاهليتين هائل جداً.. ومن المستحيل أن يصلح كل ما خوطبت به الجاهلية الأولى، وتم فيه التنزل الى مستواها، أن يصلح في كل تفاصيله في الجاهلية الثانية، ومن أجل ذلك نقول إنما يناسب وقتنا الحاضر من الإسلام هو مستوى أصول القرءان، مستوى السنة، وليس مستوى الشريعة.

القضية التي نحن بصددها هنا هي أن الإسلام مستحيل أن يُبعث دون إذن من الله ومأذون.. الأستاذ محمود محمد طه لم يقل قط إنه أُذِن له بالتطبيق على الناس.. بل قال إنه أُذِن له بالتبشير.. أما إذن التطبيق حسب معرفة الأستاذ محمود فهو للمسيح المحمدي!! فقد جاء من أقول الأستاذ محمود، من كتاب القرءان ومصطفى محمود والفهم العصري ما نصه: (والساعة ساعتان: ساعة التعمير، وساعة التخريب.. فأما ساعة التعمير فهي لحظة مجيء المسيح ليرد الأشياء إلى ربها، حساً ومعنى، وليملأ الأرض عدلاً، بعدما ملئت جوراً.. ويومئذ يظهر الإسلام على جميع الأديان.. ويتحقق موعود الله: “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله.. وكفى بالله شهيدا”.. ويتأذن الله بالتطبيق، كما تأذن بالإنزال.. وذلك فيما يتعلق بقوله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً).. إذاً، حسب دعوة الأستاذ محمود، لا تطبيق للإسلام في الأرض إلا عن طريق المسيح المحمدي.. والمسيح المحمدي هو الذات المحمدية التي وردت في قول المعصوم: ((أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)) والذات المحمدية هي مقام ولاية أحمدية، وهي بين الله تعالى في ذاته، وجميع الخلق، ومنها كان مدد جميع النبؤات والولايات في الأرض.. وساعة مجيء المسيح المحمدي هي حدث كوني ضخم جداً، هي الساعة الصغرى كما ورد في النص، ونحن نعتقد أن هذه الساعة وشيكة، وقد أكتملت جميع أشراطها الظاهرة، ولم يبق غير الإذن الإلهي.. وهذه الساعة هي نقطة التحول الأساسية في التطور في الأرض، وبها يتحقق موعود الله في الأرض الذي جاء في قوله: “إني جاعل في الأرض خليفة”.. ويدخل الناس مداخل الإسلام الأخير، ويقفز البشر من مرحلة البشرية إلى مرحلة الإنسانية، وتتحقق جنة الأرض.. هذا ما ندعو له ونبشر به، ونحن على يقين منه.. المهم لا تطبيق للإسلام على حياة الناس، إلا بمجيء المسيح المحمدي.

مقابل ما تقدم الأسلوب الذي قام به الإخوان المسلمين، لتطبيق الإسلام على أرض السودان، هو أنهم قاموا بانقلاب عسكري، دبروه ليلاً، ليستولوا على السلطة، وفرضوا على الناس ما أسموه الإسلام، أو شرع الله!! هم قاموا بالأمر من أنفسهم، دون أن يأذن الله لهم به!!

وواضح جداً، أن أمر الإذن الإلهي لا يدور بخلدهم.. فهل يمكن أن يكون أسلوبهم هذا، هو الأسلوب الصحيح لتطبيق الدين؟ هل يمكن أن يطبق الدين في الأرض دون إذن الله ودون مأذون منه تعالى؟ هذا مستحيل.

ما طبقه الأخوان المسلمين، هو دينهم هم، وليس دين الله ولا شرع الله، فالله فيه مُغيب تماماً.. ومن أجل ذلك كانت تجربتهم فاشلة، ولم تثمر إلا الخراب.. فما يأذن به الله مستحيل أن يفشل، فالله تعالى بالغ أمره.. وفشلهم  دليل  قاطع  على أن  أمرهم، ليس  هو أمر  الله.

فأكبر جرم ارتكبه الأخوان المسلمين هو في حق الله.. هم عملياً فرضوا وصايتهم على الله تعالى، أو توهموا ذلك، وأقاموا ما أسموه دين الله دون إذن منه تعالى، هذا هو الجرم الأكبر، وكل ما يتبع يلحق به.. عجيب أمر هؤلاء.. يقومون بتطبيق دين الله دون إذن منه تعالى، ولا حتى استشارته؟ إذا كان هذا هو دينه الذي يفترض فيه أن يكون نور، فكم يكون ظلامكم؟ يقول السيد المسيح: ” إنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ ؟ّ!”

هذا هو الأسلوب الذي اتخذه الأخوان المسلمون لإقامة دين الإسلام في الأرض.. وهو أسلوب لا علاقة له بالإسلام كما بيَّنا.. بل هو ضد الدين بصورة صارخة.. استدرجوا بعض العسكر، وتآمروا بليل وقاموا بانقلاب عسكري.. ثم قالوا لنا نحن بصدد إقامة حكم الله فيكم!! هم لم يستشيرونا في أمرهم، وانكروا هويتهم في البداية، وإمعاناً في الخداع قاموا بتمثيلية، ذهب فيها عمر إلى القصر، والترابي عراب الجماعة، وزعيم الفتنة إلى السجن!! هكذا استخفوا عنا ” يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا”.. والله شاهد، وهو بكيدهم عليم، فمد لهم في مكرهم لينالوا جزاء ما يمكرون: ” اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ”.. وهم لجهلهم، ولغفلتهم عن ربهم، اعتبروا _ ومن عند أنفسهم أيضاً _ أن المكر تمكين، فتمادوا في غيهم، وفي عبثهم بأمر الله، وكشف عنهم الستر، وظهر أن مكرهم عليهم لا لهم.

من جانب الشعب، هم حكموه دون إرادته، وفرضوا عليه أساليب من الظلم والجور والتنكيل، وهم تحت حراسة قوات الجيش.. تم التنكيل والتعذيب والتجسس، من قبل قوات الأمن، وكل هذا صرف عليه من أموال الشعب، المغلوب على أمره.. وبعد ذلك نهبوا ما نهبوا بصورة تجعل اللبيب حيران.. وأسموا كل هذا: حكم الله وشرع الله.. فهم ينسبون سوء صنيعهم إلى الله تعالى، دون أي ورع أو خشية!

لما كان أسلوب الجماعة بهذا القدر من السوء والبطلان، فمن الطييعي أن يكون كلما بني عليه باطل.. فما بني على الباطل فهو باطل.. ولكن كلمة باطل غير كافية لتصوير الأمر.. أما الآن فلننظر في المحتوى.. هل هو دين؟ هل هو مما يمكن أن يأمر به الله؟ هل فيه أي وجه من وجوه الخير والرحمة .

 

خالد الحاج عبد المحمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق