أخبار متنوعة

نِصف عام، فهل تغفر لي عزة؟!

هَناء بشير المأمون

نصف عام

فهل ستغفر لي عزة

الثانية عشر في منتصف الليل؛

جالسٌ أنا، على يميني رفقاء دربي و على يساري أطفالٌ بلا مأوى وجدو في فينا رائحة البيت و طمأنينة الأهل

تجهيزات العيد في كل مكان، الكل سعيد، كم سيكون العيد جميلاً في هذا الفردوس.

الثانية صباحاً؛

إستيقظت على صوتٍ مدوى من بعيد، لا أدري من أين يأتي، لكني إعتدته، لم ألقى له بال، فأنا لم آتي إلى هنا كي أحتسي القهوة أو أنام مرتاح البال.

نظرت لجانبي لأرى أمجد لازال يغط في نومٍ عميق ولكنني لم أجد عمَّار، لا بد و أنه ذهب ليحرس المتاريس.

الثالثة فجراً؛

إستيقظ أمجد على صوت رنين هاتفه، والدته اتصلت عليه لتطمأن، فالخبر انتشر، قيل أن هناك محاولاتٍ لمحونا و محو آثارنا من هذا المكان.

“ما تشيلي هم يما”، كانت تلك كلمات أمجد لوالدته.

لا أثر لعمَّار حتى الآن، لا أدري أين ذهب.

الرابعة فجرا؛

الأمر غير مُطَمأن، الجموع تركض بجميع الإتجاهات، الكل يحاول أن يعرف مالذي يحدث.

ذلك الصوت المدوَّي يزداد علواً و إقتراباً، لكنه صار ممزوجاً بصرخات الجرحى و دموع الأطفال.

أنا خائف.

الخامسة فجراً؛

واقف، جامد، رجلاي لا تستطيعان حملي، لا أدري لماذا، هل هو الخوف أم دم أمجد الذي أصبح يغطي كل ملابسي.

أمجد المعتوه، رمى نفسه عندما رأى الرصاصة تتجه صوب رأسي.

الوقت يمر ببطىء، هل أنا أهذي!، هل تجمد الوقت! لماذا دم أمجد دافىء، لماذا لا أزال واقفاً في مكاني، لا أعرف الإجابة على هذه الأسئلة.

شدتني يدٌ غريبة، للحظة كنت أتصورها يد ملك الموت.

أجبرتني تلك اليد على الركض رغماً عني

“دقيقة يا عمَّار نسينا أمجد”

“أمجد خلاص مات أنساهو”

لا أتذكر تحديدا ما الذي دار في بالي وقتها، لكنني أتذكر أنني ركضت بأقصى سرعتي و عيناي يملأهما الدموع.

السادسة فجراً؛

بعد محاولاتٍ شبه ناجحة من الهرب من الموت المُحَتَّم، إحتمينا ببيتٍ مهجور قرب النيل، حاولنا إلتقاط أنفاسنا، نحن محاطون، من كل الإتجاهات، لا سبيل للفرار، الجنود على يميننا، آلياتهم على يسارنا و النيل من ورائنا، لا أدري ماذا أفعل.

السابعة و النصف صباحاً:

حاولنا أن نبتعد عن محيط الإعتصام أو ما تبقى منه بأي طريقة ممكنة، تاركين ورائنا أحلامنا و ذكرياتنا و أمجد…

إلتقينا بمجموعة من الثوار، كنا قد عرفناهم في واحدة من أركان النقاش، كانت بينهم عزة، واحدة من أطباء “الكلينك”، كانت قد ضمدت جراح أمجد يوم أصابته رصاصة طائشة من جندي قيل أنه سكران

“أمجد وين؟ لي ما معاك؟”

“………..”

فهمت من تعابير وجهي الإجابة، شعرت بأنني خيبت أملها لأني لم أستطع إنقاذ رفيق دربي، لكن لا وقت لهذا كله، علينا النجاة.

التاسعة صباحاً؛

الوضع ما زال يزداد من سيء لأسوء، الخراب و الدمار في كل مكان، كل الشوارع أصبحت ساحة قتال، و البقاء للأقوى، لحملة السلاح، اللعنة..

الحادية عشر صباحاً؛

إفترقنا أنا و عمار عن تلك المجموعة، التجول كمجموعة كبيرة موتٌ محقق في هذه الظروف. حاولت إقناع عزة بالمجيء معنا خوفاً عليها من غدر الجنود، لكنها رفضت و فضلت الذهاب مع من أتت معهم

ذهبنا نحن في إتجاه، و ذهبوا هم و معهم عزة في إتجاه آخر.

الواحدة ظهراً؛

إستطعنا الوصول لبيت ابن عم عمار، إحتمينا فيه حتى يهدىء الشارع قليلا.

أصبح كلٌ منا يتواصل مع أهله و أصدقائه و معارفه ليطمئن عليهم و ليطمئنهم عليه.

والدة أمجد بدأت بالإتصال في عمار، لكنه لم يتمكن من الإجابة

“أقول ليها شنو يعني؟، ولدك وحيدك مات؟؟؟؟”

لم يقوى أي واحد فينا من الرد على أم الشهيد، فكلانا لا يستطيع إستيعاب موت أمجد بعد.

حاولت أن أتصل بعزة، لعل بالي يهدأ قليلاً، لم ترد في المرة الأولى، ولا الثانية، و لا السادسة، قررت الإنتظار قليلاً فلربما ما زالت تحاول الهروب.

 

 

الثالثة عصراً؛

ذهب ابن عم عمار، أيمن، إلى المشفى القريب منهم، لا بد و أنهم يحتاجون للمساعدة، لا أدري لماذا ذهبت معه، شيءٌ ما كان يقودني

دخلت المشفى، الدماء و الدموع تملىء المكان، يالله ما هذا الجحيم الذي نحن فيه.

كنت أترنح في أروقة المشفى، بين الجرحى و الجثامين و أهالي الضحايا، ما زلت في صدمة مما حدث، كنت أرى وجه أمجد في كل جثمان أمر بجانبه.

و بينما أنا أحاول الصمود، شعرت بصاعقة تشق ظهري، هنالك يد، ترتدي نفس التميمة التي أهديتها عزة يوم إلتقيتها أول مرة، قلت لها ذلك يوم بأن الأسطورة تقول، إذا إرتدينا نفس التميمة، فحتماً سلنتقي و لو بعد حين.

وجه الجثمان مغطى، أريد الهروب و لكن لا أستطيع، أريد البكاء ولكن صوتي خانني، يالله، يالله…!!

“إنت بتقرب ليها؟”قال لي أحد الأطباء بنبرة باردة، كان وجهه مثل الشبح، لقد رأى الموت عشرات المرات منذ الفجر.

“أي بقرب ليها…..”

“خلاص هاك ديل حاجاتا، حاول أتواصل مع أهلها عشان يستلموا الجثمان”

بكل بساطة…..! أصبحت عزة محبوبتي جثماناً على أحدهم أن يستلمه، يالله، لماذا حدث كل هذا، لماذا خسرت أمجد و عزة و كل شيءٍ في يوم واحد، لم أعد أقدر على أن أعيش.

الرابعة عصراً؛

قررت لسببٍ غريب أن أتفقد هاتفها، فهو كل ما تبقى لي منها، وياليتني لمن أفعل.

وجدت رسائل موجهة لي، تستنجدني لإنقاذها

“أنا محوطة من كل حتة، الناس المعاي كلهم انقتلو، ألحقني”

“عَوَّقت كراعي، ما قادرة أجري، أنا خايفة شديد”

“إنت وين :(، الشبكة كعبة”

كانت هذه الرسائل كفيلة بجعلي أُقدم على إنهاء حياتي للأبد، لم أكن هناك لأنقذك يا عزة، يا محبوبتي، كم أنا ضعيف، كم أنا بلا حولٍ ولا قوة.

بكيت كثيراً يومها، بكيت بأعلى صوتي علها تسمعني و تدرك كم أنني نادمٌ على عدم وجودي معها عندما إحتاجتني.

مر أسبوع، كأنه الدهر، تم دفن عزة و ما تبقى من أمجد، و أدينا واجب العزاء لكليهما، أصبحت كاليتيم بوالدين، لم تعد لحياتي أي معنى، لا أدري ماذا أفعل الآن

آسف يا عزة، آسف يا أمجد، آسف يا وطن

الثالث من ديسمبر؛

نصف عام، فهل تغفر لي عزة….؟

 

هَناء بشير المأمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق