أخبار السودان لحظة بلحظة

بيْـنَ وَطَنـِي وَعـيـوْنِـِي بُنـدقـيـة

جمال محمد إبراهيم

0

بيْـنَ وَطَنـِي وَعـيـوْنِـِي بُنـدقـيـة: جلسة مَعَ فهْمِي هويْدي في تهران حولَ إعدامِ 28 ضابطاً في السّودان..

(1)

يوم الثلاثاء 27 مايو 1993. .

تهران في أيام صيفها الحار.. أنهجّى اسمها كما يكتبه أهلوها: “تهران” وليس “طهران”. تعجّ أوراقي الشخصية بالكثير ممّا عشته في تلك السنوات، ودونته في دفاتري، وأنا دبلوماسي في سفارة بلادي، أوائل تسعينات القرن الماضي، غير أني أتخيّر لك عزيزي القارئ ما قد يشحذ تفكيرك، وما قد يعينك على إدراك بعض جوانب من سياسات بلادنا في تلكم السنوات. هذه الأوراق فيها بعض ما لامس مأساة إعدام ثمانية وعشرين ضابطا من بين أشجع رجال جيش السودان، في آخر يوم صوم من شهر رمضان الكريم، الذي صادف يناير من عام 1990..

موسم الصيف يناسب زوّار تلك البلاد، القادمين من الشرق الأوسط. تهران بعد عيد نيروزها، تتباهى بحسنها مثل فاتنة جذّابة المحيا، ملفوفة بـ”شادورها” وحجابها، فإنك تجد الربيع ربيعاً برقة نسائمه، والصيف صيفاً بحرارته العالية، تتدلل عليك المدينة بسماحنها وأندائها وخضرتها، فهي تناديك لتفرح وتفتح صدرها لزوّارها في حبور..

(2)

دعانا سفير السودان إلى مأدبة عشاءٍ، مع زائرمشهور قادم من مصر، هو الأستاذ الكاتب والصحفي فهمي هويدي، وبرفقته ضيف إيراني نعرفه هو الأستاذ الصحافي محمد صادق الحسيني. كنت أعلم أن السفير على صلة ودودة بالأستاذ محمد صادق الحسيني، وهو صحفي إيراني الهوى، وملمٌ بالشئون العربية، وبالشأن السوداني بوجهٍ خاص. في سنوات لاحقة شغل السيد حسيني وظيفة مستشار رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران الدكتورمحمد خاتمي (رئيس الجمهورية من 1997 إلى 2005). برغم علاقة السفير السوداني- ولنسمه ع.م.س.- بالأستاذ الحسيني، فقد ارتبت قليلا لدعوة عشاء لم أكن أتوقعها من السفير، وعلى شرف ضيفٍ ليست لنا به علاقة تذكر، لا على المستوى الشخصي ولا المستوى الرسمي، وإنْ كنا من متابعي كتاباته منذ زمن، وهو من أوّائل الكتاب العرب الذين كتبوا عن الثورة الإسلامية في إيران، التي قادها آية الله روح الله الخميني (قدّس سرّه)، وهيَ في ساعاتها الأولى.

(3)

قدم السفير الدعوة لي، وأنا الرجل الثاني بالبعثة، وكذلك للملحق العسكري وللسكرتير الثاني بالسفارة. أقول لم تكن تلك الدعوة متوقعة بحكم ما صارت إليه العلاقات السودانية المصرية من تردٍ في أحوالها، بلغت حداً يُرثى له من طرف الداني من أهل السودان، والقاصي من أهل مصر. كنا بالطبع نعرف عن الأستاذ هويدي انتماءه لمصر، ولكن أيضا تعاطفه مع التيارات الإسلامية في المنطقة، حسب تقديري الشخصي وقتذاك. .

تداعينا في الساعة المضروبة إلى بيت سفير السودان في ضاحية “زعفرانية”، شرقيّ العاصمة تهران. جئت أنا من سكني في وسط المدينة بالقرب من دوّار “واناك”، أميالا طويلة طويتها لأصل إلى مقر سكن سفير السودان في “زعفرانية”. صديقي الملحق العسكري، يأتي من حيٍّ أبعد: “شـهْرَكَ غَـرب”.

جلسنا إلى الأستاذ فهمي هويدي في صالون سفير السودان. المكان فخمٌ بثريات عتيقة مُحلّاة بكريستال نادر، يتدلى كاللآلئ من سقفٍ أبيض مزوّق، وتحت أرجلنا سجاجيد فارسية منسوجة من أصواف وحرير، غالية القيمة.. كانت الإضاءة في أخفت حالاتها، والثريّات نصفها مطفأ ولا أعرف سببا لذلك، لكن كان التوقع دائما أن ينقطع التيار الكهربائي لسببٍ أو آخر، إذ لم تستقم الأمور في قطاع الكهرباء في العاصمة الإيرانية، منذ سنوات القتال الطويل مع العراق، أواخر سنوات الثمانينات من القرن العشرين. في منزل السفير مولد كهربي احتياطي يعمل بالكاز، لإشعال الإضاءة عند الاضطرار.

(4)

دار الحديث بداية في مسامرة عادية حول تداعيات انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي، بحسبانه الحدث الأكثر دوياً، والأبعد أثراً على الصعيد الدولي، في تلكم الأيام. أشار الأستاذ هويدي إلى ضرورة النظر بموضوعية لكلِّ ما هو ايجابي ولكلِّ ما هو سلبي، في ظاهرة التفكك هذي. الإيجابي في رؤيته، يتمثل في تراجع المواجهة الفكرية السابقة بين الإسلام والفكر الماركسي. ويستطرد هويدي قائلاً: لكننا نرى من ناحية أخرى أفول الشيوعية بمعسكرها وذيولها مما وضع التيار الإسلامي في مواجهة مباشرة مع الغرب، بل ومع مجمل الفكر العلماني، وهي المواجهة الآخذة في الاستعار هذه السنوات الأخيرة. ذلك وجه سلبي سافر، وهو من بين أهم تداعيات تفكك الاتحاد السوفيتي في نظر هويدي. هذا التطور الأخير، يفسّر ما يحدث في الجزائر (1993) حين تآمر الغرب وآثر العالم الصمت أمام إجهاض ارتقاء حركة الإسلاميين في الجزائر، والذين جاؤوا عن طريق صناديق الاقتراع. الديمقراطية التي تؤدي إلى صعود إسلاميين غير مرغوبة في نظر الغرب المتوجّس.

(5)

لا يرى هويدي كبيرَ اختلاف بين الذي وقع في الجزائر، وما يجري في مصر وقتذاك (كنا في عام 1993). أشار هويدي إلى أنّ حسني مبارك ينتمي لجيلٍ تربّى على نمطٍ غـربي، وكانت تربيته بعيدة كلّ البعد، عن التأثيرات الإسلامية. في مصر تيارات وصحافة راسخة ذات سطوة، وهنالك مناطق نفوذ ولوبي يهودي وتيارات ذات أثر، والمرجّح أن الغـرب يدرك خيوط اللعبة، ويعمل على التحكّم فيها. أقرب مثال هو ذلك الاتفاق الذي أبرمه مبدئياً وزير خارجية مصر الأسبق عمرو موسى، عام 1993، مع وزير خارجية إيران الأسبق علي أكبر ولايتي، في قمة إندونيسيا الإسلامية، لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران، وهي علاقات توقفت، ليس فقط بسبب الخلاف حول شارع في قلب تهران، يحمل اسم قاتل الرئيس المصريّ السابق أنور السادات، ولكن بسبب الحملات العنيفة ضد الإسلاميين في مصر. في قلب تهران شارع يحمل اسم “الإسلامبولي”. لكن سرعان ما تنبه اللوبي والتيارات المناوئة لإيران الإسلامية في الأوساط الصحفية في القاهرة، فجرى نسف الاتفاق في مهده من قبل أن يخرج صداه من جاكارتا. لربّما كانت هذه إحدى محطات الخلاف بين وزير الخارجية المصري ورئيسه المتقلب المزاج، حول ملف العلاقات الإيرانية. لم يحترق ذلك الاتفاق فحسب، بل زاد التوتر إلى أبعد مدى، وقررتْ القاهرة سحب السفير المصري من تهران، دفعة واحدة بعد ذلك. جرى تصعيد في خلافات البلدين، واتهمتْ مصر إيران بدعم الإسلاميين المصريين وتدريبهم لقلب نظام الحكم في مصر، وامتد الاتهام في خيط إضافي وجانبي إلى السودان كذلك، فيما الحملة الغربية والأمريكية تتصاعد وتدمغ كلاً من إيران والسودان، بالشروع في إنشاء حلفٍ أخضر مقدّس، يشكل نوعاً من التهديد لأصدقائهم في المنطقة. اشتعالُ النيران أغرى البعض لصبِّ زيتٍ إضافي.

(6)

في تلكم الجلسة في حيّ “زعفرانية” في قلب تهران، أنصتنا لرؤية هويدي الثاقبة، لطبيعة ما يدور في السودان بعد عام 1989، وقال عنه موضحاً: إن النظام السوداني بدا استثناءاً في المنطقة.. نشازاً في خارطة المنطقة. ليست حلايب هي لبّ المشكلة، ولكن خوف النظام المصري من تزايد نشاط الإسلاميين المدعومين من الخرطوم، كونه يشكل تهديداً غير مرغوبٍ، وكابوساً مزعجاً لا مناص من تحجيم أثره.

يقول هويدي أن القذافي في ليبيا ركب الموجة، متوجّساً حذراً، وهو يرى في جواره القريب: الجزائر وتونس، توتر الإسلاميين فيهما يكاد يلامس أطراف محميته. كان القذافي لا يفتأ يذكّر الغربَ أنه يمكن أن يكون عوناً في محاصرة الإسلاميين المتطرفين. أكثر ما يخشاه العقيد هو انتقال العدوى إلى تخوم ليبيا.

(7)

بدتْ لي تلك الأمسية في بيت السفير، أشدّ حرارة من كل أمسيات الصّيف التي عرفتُ في طهران. السفير السوداني سيّد الجلسة، آثر أن يوجز رؤيته في محاضرة طويلة، لكني أختزلها هنا بما قد يضرّ بمقاصدها.

قال السفير : إنّ مصر لا تدرك جيداً عمق العلاقات مع السودان. ثمة مؤامرة كبرى، تستهدف عزل السودان عن مصر، عبر إثارة مخاوفها من تنامي أثر إسلامييّ السودان في المنطقة، وفي مصر بوجهٍ خاص. يدرك الجميع أن التيار الإسلامي الموجود في السودان، جاء في الأصل من مصر. الطلاب الذين درسوا في جامعات مصر، هم مَن تأثروا بالفكر الإسلامي وعادوا به إلى السودان. جهد السفير السوداني ليؤكد أن السودان لن يختلف مع مصر حول “رقعة صحراء لا قيمة حقيقية لها” (ذلك تعبيره وكان يقصد حلايب)، فيما كلّ أراضي السودان القابلة للزراعة، تنتظر من يستثمرها، وأول من يتوقع أن يبادر لزراعتها هم المصريون.

(8)

علتْ لهجة السفير السوداني بعد ذلك، وهو يخاطب هويدي، وقال متحدياً :

(إنّ على من يعرف أمكنة معسكرات للتدريب قصد تهديد أمن مصر، أن يأتي ويدلنا عليها. إنهم يحاصرون السودان الآن بحجّة أنه يرعى الإرهاب ويصدّره، كما يدَّعون أنّ النظام في الخرطوم لا يحترم حقوق الإنسان. يدّعون أن هنالك معسكرات تدريب لإرهابيين، ونحن نتحدّى من يملك الدليل أن يقدمه لنا. السودان يدرك أن مصر تعلم أنه لا يوجد دليل على هذه الاتهامات. نحن نتمنى أن يبدأ حوار جاد بين مصر والسودان، فلا نرى أن ما بين البلدين يمكن أن يصل إلى حواف الاقتتال. من بين كل البلدان العربية مصر أقربها إلينا. أشار السفير إلى الحوار الذي بدأ في مصر، بين النظام والإسلاميين ..).

يلاحظ في حديث السفير لهجة تحدٍ مطمئنة، إذ حتى ذلك العهد (1993)، لم يظهر في الساحات السودانية، لا بن لادن ولا كارلوس!

لم يبدِ الأستاذ هويدي تعليقاً مباشراً حول ما تفضل بشرحه السفير السوداني ع. م. س.، لكنه تحدّث بتواضعٍ جمّ عن دوره ككاتب وكصحفي في طرح مبادرة للحوار بين الإسلاميين والنظام في مصر، ولقد بدأ ذلك الحوار بالفعل على نحوٍ هادئ، حسب قوله، ولكن للأسف نسفتْ أجهزة الإعلام والصحافة في مصر تلك المبادرة .

قال هويدي:

– أنا لا أملك إلا قلمي المتواضع، ولا أملك صفة رسمية من أيّ نوع، تخوّل لي اقتراح حوارٍ أو إجراء وساطةٍ من أيّ نوع، إنْ هو إلا اجتهاد شخصي، غير مسنود برعاية من جهة أو مرجعية تتبناه. أقول لكم برغم ذلك، أنا على استعداد للتحاور مع كلّ صاحب رأي وكلّ صاحب موقف.

(9)

مع مرور الساعات الثقيلة والمليئة بالتوتر، زاد إحساسي أنّ الجلسة مرتبة ومُعدّ لها، وأنّ ما مِن دورٍ لي أنا الدبلوماسي المهني ومساعد للسفير، ولا من دورٍ ربما للملحق العسكري، إلا أجر الجلوس شهوداً للتوترات الماثلة، والحوار الساخن والانفعالات الممنهجة. الرَّجل الذي ظلّ ملتزماً بالصمت معنا طيلة الجلسة، هو الأستاذ الصحفي الإيراني محمد صادق الحسيني. لكنه فجأة بادر بطرح سؤالٍ يحمل إيحاءاً لما سيرد من إجابة ومن تساؤلات .

سأل الحسيني الأستاذ هويدي عن آخر زيارة له إلى السودان بعد انقلاب الإنقاذ، وهو وإن بدأ سؤالاً بريئاً، لكنه حمل دعوة مبطنة لهويدي، واستدراجاً له ليفتح موضوعات حساسة، تفسر غياب هويدي عن زيارة الخرطوم. كنتُ أحسّ أنه سؤال مُعدّ له، وكأنّ الأستاذ هويدي كان ينتظرأن يطرحه الحسيني عليه..

(10)

اهتبل الأستاذ هويدي – كما توقعت- فرصة الردِّ، ودلف يتحدّث عمّا في خاطره، وربّما قصد أن يبعث -عبر حديثه في تلك الجلسة- رسالة يمليها بكلّ وضوح لمن يمثلون حكومة الخرطوم في تهران، لتصل إلى من يهمه الأمر هناك.

قال هويدي:

– أقول لك يا صديق أن لا شيء يحول بيني وزيارة السودان، لكنّي أشير إلى واقعة بعينها جعلتني أتردّد في القيام بزيارة إلى السودان، وذلك السبب هو إقدام النظام الإسلامي في الخرطوم على إعدام ثمانٍ وعشرين ضابطاً، بعد نجاح الإسلاميين في الاستيلاء على السلطة بأشهر قليلة من عام 1989.

ألقى بهذه الملاحظة فيما لم تفارق عيناه الملحق العسكري بنظرة فاحصة ذات معنى، بما يفهم منه: إيّاك أعني فاسمعني !

ابتسم صديقنا الملحق العسكري في سفارتنا، وانبرى على الفور مدافعاً عن هذه الواقعة. قال الملحق العسكري :

– أود أن أقول إنني اطلعت على مقال الأستاذ الكبير فهمي هويدي في الصحف وقتذاك، والذي عبّر فيه عن انتقاده على محاكمة هؤلاء الضباط قبل سنوات، غير أني رأيت أنّ كثيراً من الحقائق كانت غائبة عن الأستاذ هويدي..

قاطعه الأستاذ هويدي :

– لكن بكلّ المقاييس الإنسانية، فإنّ إعدام هذا العدد الكبير من الضباط، وبتلك العجلة التي نفذت بها الأحكام آنذاك، لا يساعد على التعاطف معكم، وكان ينبغي أن تعملوا على توفير كلّ مقومات العدالة في مثل هذه الحالات..

انتفض الملحق العسكري مدافعاً في حالٍ من الانفعال:

– “لكنها كانت بالنسبة لنا واضحة كلّ الوضوح . هي مواجهة بين الإسلام والإلحاد!”

(11)

صعق الأستاذ هويدي لهذ التبرير التبسيطي، وردّ بانزعاجٍ واضح، أورده كما سمعته منه :

– “لا. لا. لا يجب أن يكون الأمر مبرّراً بهذه السهولة، إذ الخلافات في الرأي والفكر، لا تعالج بقرارات التكفير واتهامات بالإلحاد. هذا باب لو فتحناه ستكون عواقبه كارثية. لربّما لو نظرنا فيما حولنا لرأينا الشيعة يعتمدون ولاية الفقيه، فهل من خالفه يكون قد تمرَّد على ولايته حكماً، وبالتالي يكون قد خرج من الملة فيهدر دمه؟؟ إنّ الأمر عند السنة غير ذلك. إن الخلافات عند السُّنة كثيرة ومتعددة، ولكنها لا تفضي إلى الحكم بإخراج حامل الفكرة من الملة. علينا أن نفرّق بوضوح بين الفكر الإسلامي (السياسي) والإسلام..”

ألقى هويدي بملاحظته المهمّة وكاد جوّ الجلسة أن يتوتر. .

(12)

تململ الملحق العسكري وبدا عليه الضيقٌ، فكأنه تنبه أن ثمة سيناريو للمحاصرة قد أعدّ بحذق، وقرر في انفعاله أن يستميت في الدفاع عن واقعة محاكمة الضباط الثماني والعشرين وإعدامهم في عجلة منكرة . قال الرجل وكأنه يلقي بآخر حجة دفاعٍ لديه:

– لقد كان الموقف في نظرنا وقتها أشبه بموقف الرّسول (صلعم) من يهود بني قريظة..

انفعل الأستاذ هويدي مجدّداً وقال مقاطعاً:

– كلا! ليس هنالك من وجه شبهٍ بين الموقفين. الظرف مختلفٌ جدّاً عن الظرف عندكم. رأينا النظام في السودان وقد سيطر على الأمور، ورسختْ توجهاته الإسلامية. لا ليس ثمّة وجه شبه يا عزيزي..

(13)

لم يعجب كلام هويدي الملحقُ العسكري بل تخندق وراء انفعالٍ مضاعف:

– “رأينا التهمَ وقد ثبتتْ عليهم جميعاً بكلّ القرائن والأدلة . إنّ الاعتراف سيد الأدلة ولقد ثبت ذلك بوضوح، فماذا كان يمكن أن نفعل. .؟”

قال فهمي هويدي في لهجة هادئة:

– لابدّ من أن نقرّ بكلّ صدقٍ أنّ مقوّمات العدالة لم تتوفر لتلك المحاكمات، والأمر كله تمّ بعجلة شديدة كما تعلم. .

ثم استطرد الأستاذ هويدي ليشرح أكثر :

– لقد التقيتُ الشيخ الترابي في الجزائر بُعيد المحاكمات بقليل، وناقشته باستفاضة في ملابسات المحاكمات، ولقد كنتُ صريحاً معه، وصارحته بأن تلك الإعدامات تشكّل خطاءاً فادحاً كان يمكن تجنبه. إنّ الإسلام لا يقرّ مثل هذه المحاكمات. أوضحت للشيخ الترابي أني أقول ذلك من منطلق الحرص على ثبات تجربة الإسلاميين في السودان، وأنا قلبي معها وأتمنّى لها النجاح، غير أنّ المسألة ليست هي من باب “أنصر أخاك ظالماً ومظلوما”. كلا! إني اعتمد النّصح منهجاً، وأضع إصبعي على مواطن الخطأ حتى يمكن تداركها مستقبلا .علينا أن نقرّ بأخطائنا..

انبرى الملحق العسكري في سفارتنا دون أن يتمعّن مليّاً في قول الأستاذ هويدي، فقال (وأورد لك نصّ كلامه حرفياً):

– “إنّا “نصحناهم فلم يرعوا، وكان على العدالة أن تمضي إلى نهاياتها ..”

ضحك هويدي، ووجّه حديثه ممازحاً صديقه صادق الحسيني:

– هكذا العسكر يا صادق، دائما يهددون. . !

(14)

ابتسم الحسيني ابتسامة الحائر، ولكن انبرى السفير ليخرج الحوار من دوائر الاستعصاء والمواجهة الانفعالية :

– ليكن حديثناً مجدداً حول ضرورة التمهيد لحوارٍ بنّاءٍ، وأن السودان لا يزال ينتظر أن تعي مصر دورها الكبير مع السودان. إنّ على النظام في مصر أن يواصل الحوار مع الشباب المسلم، وأن لا يتعامل معهم بانفعال وشدة..

أمّن هويدي على أن الشباب المسلم في مصر الآن (1993)، في حالة هيسترية، وأضاف أن العنف كما نعلم جميعاً يولد عنفاً أكثر. إن كان هؤلاء الشباب يتعاملون بنوعٍ من الانفعال والعنف، فإنه يتعيّنَ علينا أن نرى الجانب العقلاني في تصرفاتهم. إن الظاهرة بكاملها يمكن أن تخضع لحوارٍ متمهل، وأن أبواب الحوار يجب أن تفتح. .

 

ترى، كيف نستوعب مثل هذه الحوارات ونستخلص الدّروس والعبر، بعد نحو عقدين من الزمان…؟

 

جمال محمد إبراهيم

[email protected]

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.