أخبار السودان لحظة بلحظة

حِصَارُ السُّودان: تَضليلٌ مُستمر وخِيانةٌ مُتجدِّدة ..!

6

د. فيصل عوض حسن

نَشَرَت صحيفة الراكوبة في 7 ديسمبر 2019 خبراً مُفزعاً، عن (التزام) الدكتور/حمدوك، في محاضرةٍ لمركز أبحاث المجلس الأطلسي، بدفع تعويضات لذوي ضحايا التفجيرات الإرهابيَّة المُقَرَّة ببعض المحاكم الأمريكيَّة، وأنَّه تَفاوَضَ (إنابةً عَنَّا/السُّودانيُّون) مع واشنطن بشأن صيغة الدفع، دون تفويضٍ شعبي، بِحِجَّة أنَّ ملف (التعويضات) يُعيق إزالة السُّودان من قائمة الدول الرَّاعية للإرهاب!

نعلم تماماً الآثار/الانعكاسات (المُدمِّرة) للحِصار على السُّودان عموماً، والقاسية على اقتصادنا خصوصاً، لكن هذا لا يجعل حمدوك (يتَهَوُّر) ويلتزم بـ(اسم السُّودان)، بدفع التعويضات المالِيَّة (الضخمة) التي قَرَّرها الأمريكان، لأُسَر ضحايا الهجمات الإرهابِيَّة في بعض مناطق العالم، لأنَّ هذا (إقرارٌ) خطير جداً بتَوَرُّطنا كـ(دولة/شعب) في تلك الهجمات، وأنَّنا نستحق العقوبات وتبعاتها، التي لا قِبَلَ لنا بها الآن أو مُستقبلاً، وهي عقوباتٌ/تَبَعَاتٌ لم ولن تنتهي بـ(دفع) التعويضات، وستبقى (خِنجراً مسموماً) في خاصرتنا، ومَدْخَلَ ابتزازٍ دائم، وحجر عَثَرَة أمام أي تَقَدُّم/إصلاحٍ، وسيرحل حمدوك عاجلاً أو آجل، ويترك البلاد وأهلها في هذه (المِحْنَة)، ولنتأمَّل ما جرى لليبيا في قضيَّة لوكربي، مع الفارق بين قدرات ليبيا الاقتصادِيَّة والمالِيَّة والسُّودان! ثُمَّ لماذا يتحمَّل السُّودانيُّون جرائم ومُغامرات المُتأسلمين، الذين يُقدِموا على هذه الخطوة الكارثِيَّة، رغم أحاديثهم المُتلاحِقة عن العقوبات الأمريكيَّة، وآخرها تصريحات غندور في نوفمبر الماضي، ضمن تفاصيل كثيرة دَحَضَها الدكتور/زهير السراج في عموده (مناظير) يوم 3 نوفمبر 2019!

بالرجوع للوقائع التاريخيَّة (المُعَاشَة/المُوثَّقة)، لمعرفة الأسباب (المُعْلَنة)  لحِصًار/مُعاقبة السُّودان، نجد أنَّ العداء الأمريكي بدأ نتيجة الخطاب العدائي للمُتأسلمين، عقب (سَرِقتهم) للسُلطة عام 1989، واستهدافهم (الظَّاهري) لأمريكا وروسيا والغرب عموماً، وتَصَاعَدَ عقب غزو العراق للكُويت وتأييد (المُتأسلمين) لذلك الغزو. وازداد العداءُ أكثر باحتضان الخرطوم للجماعات الإسْلَامَوِيَّة المنبوذة عالمياً وإقليمياً، فتمَّ عام 1993 إدراج السُّودان في قائمة الدول الرَّاعية للإرهاب، وفي عام 1997 شَدَّدت أمريكا حصارها الاقتصادي، رغم مُغادرة أسامة بن لادن للبلاد عام 1996، تلا ذلك قصف مصنع الشفاء عام 1998 وتخفيض التمثيل الديبلوماسي، ثمَّ تصنيف السُّودان ضمن الدول التي يُمكن مُحاصرتها اقتصادياً عقب أحداث سبتمبر 2001.

تأسيساً على ذلك، فإنَّ (المُتأسلمين) هم سبب الحصار على السُّودان، وبعبارةٍ أدَقَّ (صنعوه) من العَدَم بتصريحاتهم/مُمارساتهم ولم يتأثروا به، سواء على صعيد الجماعة أو الأفراد، وإنَّما العكس تماماً. فقد (تَعَزَّزت) العلاقة والتعاوُن بين المُتأسلمين والأمريكان في جميع المجالات، خاصَّةً الأمنيَّة، طِبقاً لإقرارات الطرفين، كغندور حينما كان مُسْتَوْزِراً لخارجِيَّةِ المُتأسلمين، وهناك تصريحات سفيرهم لصحيفة واشنطن تايمز في مايو 2016، والإقرار المُوثَّق لمدير أمنهم (قوش) في يناير 2014، وتأكيداته بأنَّ تعاوُنهم مع أمريكا (وثيقٌ جداً) وبإشراف البشير شخصياً. هذا بخلاف مُوافقة المُتأسلمين على بناء أكبر سفارة لأمريكا، بأفريقيا والشرق الأوسط في الخرطوم، واستحواذ رؤوس الفجور الإسْلَامَوِي وأُسرهم على جوازاتٍ أمريكيَّة، وأسفارهم المُتلاحقة واستقرار العديدين منهم هناك وغيرها من مظاهر التعاوُن والتنسيق و(الانسجام)! ويُمكن القول، بأنَّ العُقوبات الأمريكيَّة واحدة من أكبر (خِيانات) المُتأسلمين للسُّودان، جَسَّدوا فيها (عُصَارة) جوهر ومضامين أُسلوب الإدارة بالأزمات Management by Crisis، واستراتيجيات تشومسكي (الشيطانِيَّة) بدءاً بالإلهاء وخلق المُشكلة وإيجاد الحل، والتَدَرُّج والتأجيل، مروراً بمُخاطبة العَامَّة كالأطفال، واستخدام العاطفة دون التأمُّل، وإضعاف جودة التعليم والتعايُش مع الجهل، وانتهاءً بتوسعة الفجوة المعرفيَّة بين العامَّة والحاكمين وتعميق الشعور الذاتي بالذنب. وبعبارةٍ أُخرى، خَانَ المُتأسلمون السُّودان لصالح الأمريكان، واتَّخذوا الحصار حُجَّةً لتبرير تلك الخيانة، تحقيقاً لأهدافٍ (خَفِيَّة)، يُمكن إدراكها بالتأمُّل والتفكير في جُملة المُمارسات والتصريحات الإسْلَامَوِيَّة/الأمريكيَّة، ومُحصِّلتها النِهائيَّة.

تبعاً لنتائج/لانعكاسات الحِصار الكارثِيَّةِ، فإنَّ هدفه (الخِفِيِّ) الأوَّل نهب/تدمير مُقدَّراتنا ومواردنا الوطنِيَّة، كالخطوط الجَوِيَّة والبحريَّة والسِكَك الحديديَّة والنقل النهري، ومشروع الجزيرة وقطاع الخدمات (السياحة/الاتصالات)، ولقد بِيْعَتْ جميع هذه المُقدَّرات بأبخسِ الأثمان، لدولٍ وجماعاتٍ وأفراد يُدينون بالولاء لأمريكا وحُلفائها. وتَرَاجَعَت الزراعة لغياب مُدخلات الإنتاج وتقاناته، التي استبدلها المُتأسلمون بأُخرى مُدمِّرة (حالة القطن المُحوَّر)، ورُهِنَت وبِيْعَتْ أنجح المشاريع والأراضي الزراعيَّة لأزلام أمريكا وأذرعها بحِجَّة (الحصار)! وبسببه أيضاً، تَعَثَّرَتْ البعثات والمِنَحْ الدراسيَّة التي كانت مُتاحة لعامَّة أهل السُّودان، واستفاد منها عددٌ من رؤوس الفجور الإسْلَامَوي، وتَعَطَّلَت عمليات استيراد أدوات المعامل والمُختبرات، ومُتطلَّبات العمليَّة التعليميَّة بصفةٍ عامَّة، واختلَّ العمل المصرفي والتنموي، تبعاً لسيطرة أمريكا على مُؤسَّسات المال والتنمية العالميَّة، كصندوق النقد والبنك الدوليين والإيفاد والفاو، وغيرها من مُؤسَّسات التمويل والتنمية.

الهدفُ الخَفِيُّ الثاني للحِصار هو تمزيق وتفكيك السُّودان، بدءاً بانفصال الجنوب، وفقاً لإقرار كلٍ من المُتأسلمين والأمريكان، ومن شاركوهم في تلك الخيانة التاريخيَّة/الإنسانِيَّة، حيث أتت اتفاقيَّة نيفاشا برعاية وضغط الأمريكان، الذين استخدموا (جَزَرَة/عَصا) الحِصَار للتوقيع عليها، وهذا ما يجري تكراره الآن في ما تَبقَّى من السُّودان، والحديث المُتزايد (حالياً) عن إزالة اسم بلادنا من قائمة ما يُسمَّى إرهاب، وربطه بتحقيق السلام والتنمية (المزعومة)، ما هو إلا تهيئة/تمهيد لفَصلِ المزيد من المناطق. ولو تأمَّلنا الصراع المُتصاعد وغير المُبرَّر، بكلٍ من دارفور والمنطقتين، وصناعة (الجنجويد) للفِتَن والصراعات في شرق السُّودان، بتجنيد/استقطاب بعض الإثنيات دون غيرها، نجدها مُمارساتٌ (استفزازيَّة) لاستثارة أهلنا بتلك الأقاليم/المناطق، ودَفْعِهم بإصرار نحو الانفصال، يُساعدهم في ذلك تُجَّار الحرب بمُطالباتهم المُتدثِّرة بالنضال (ظاهرياً)، والرَّامِية (في جوهرها) لتمزيق ما تَبَقَّى من بلادنا، دون أن يتأثَّروا بما يحدث للمُواطنين (أصحاب الوَجْعَة)، على غرار ما حدث بالجنوب قبل الانفصال، حيث مَارَسَ المُتأسلمون ضغوطاً كبيرة على الأخوة الجنوبيين عقب نيفاشا، ووجد المُتاجرون الفُرصة لـ(تزيين) الانفصال ووقع المحظور، وها هم نفس (الخَوَنَة) يستميتون لتكرار ذات الخيانة!

هذه أمور (مُوثَّقة) يصعُب إنكارها، ويُدركها الشخص العادي، مما يُثير التساؤُل عن المُبررات (الحقيقيَّة) لمُمارسات/تصريحات الدكتور حمدوك، وآخرها التزامه الغريب (دون تفويضٍ شعبي) بدفع تعويضات لا قِبَلَ لنا بها، وفي جرائمٍ لم نرتكبها من أساسه! وبدلاً عن تصريحاته المُتناقضة، والتزاماته (الكارِثِيَّة)، وسفرياته (المُكلِّفة/المُتلاحقة) وغير المُنسَّقة، كرحلته الأخيرة لأمريكا، دون معرفته المُسبقة بوجود كبار مسئوليها وقت الزيارة من عدمه، ليت الدكتور حمدوك يُقنعنا (عملياً) ويُثبت صدقه وجِدِّيته، ويُلبِّي بعض المُتطلَّبات/الشروط الأمريكيَّة (المُعلَنة) لرفع الحِصارِ عن السُّودان، كتنفيذ العدالة بدءاً بتسليم البشير ومُعاونيه للجنائِيَّة الدَوْلِيَّة، ومُحاسبة ومُحاكمة مُرتكبي جرائم الإبادة الجماعِيَّة، والجرائم المُتراكمة ضد عموم أهل السُّودان، واقتلاع جذور الإرهاب المُنطلقة أساساً من الكُتَل الإسْلَامَوِيَّة بمُسمَّياتها المُختلفة، وحَسْم مظاهر التطرُّف ومنابر الكراهِيَّة المُوجَّهة للسُّودان وأهله أو للعالم الخارجي، فهذه بعض المُتطلَّبات المُفترض على حمدوك القيام بها، وليس التصريحات المُضلِّلة التي تُعمِّق أزماتنا وتزيدها تعقيداً.

ليت أهلي السُّودانيين يُدركون حقيقة (التضليل)، وحجم (الخيانات) المُصاحبة لموضوع الحِصار، سواء سابقاً أو حالياً، وما يُضمره المُضلِّلون والخَونةِ لنا ولبلادنا، وليتنا نُدرك بأنَّ الأمريكان لن يرفعوا عقوباتهم، ويُوقفوا ابتزازهم مالم يُكْمِلوا مُخطَّطاتهم. وبدل الفرح (المُتعجِّلة) بتمثيليَّة ترفيع السفراء، يجب التركيز على (صانِعي) الحصار، وكيفيَّة مُحاسبتهم ومُحاكمتهم، ومعرفة وقياس (مدى استفادتنا) كدولةٍ/شعب من رفع ذلك الحصار، بصورةٍ علميَّةٍ (واقعيَّة) بعيداً عن العواطف والضجيج، والتكاليف الباهظة التي دفعناها سابقاً، وما قد ندفعه بشكلٍ مُضاعف مُستقبلاً لو استمرَّت غفلتنا.. وللحديث بِقِيَّة.
[email protected]

6 تعليقات
  1. كك يقول

    نعم إنه تهور لا مبرر له من حمدوك مثل تهوره في تشكيل لجنة التحقيق في فض الاعتصام برئاسة الأستاذ نبيل أديب!؟

  2. عباس يقول

    أمريكا قالت لنظام عمر البشير حين تفصلوا الجنوب فإننا سنرفع العقوبات عنكم تلقائيا، فانفصل الجنوب وبقيت العقوبات.. واليوم يريدون أن ينهبوا منا المليارات ونحن في هذه الظروف البائسة لتذهب الفلوس وتبقى العقوبات.. بالمناسبة تحليل الناس لإدارج السودان في قائمة الارهاب فيه سذاجة متناهية.. فالبعض يرى أن السبب أشياء من قبيل “أمريكا روسيا قد دنا عذابها” وغير ذلك من خزعبلات النظام البائد بينما الحقيقة أن لأمريكا أسباب استراتيجية في تدمير السودان تتعلق بخرائط المنطقة ككل ومستقبلها للمائة عام القادمة وليس فقط “زعلانة” لأنو الجماعة شتموها وقالوا “دنا عذابها” وهي تنتقم!!! نفس التحليل الساذج للنظام البائد في رؤية الأشياؤ يتواصل اليوم.. أما اعتراف حمدوك دون أي مراجعة قانونية للأمر أو دراسة فهذا بالفعل شئ صادم للغاية لأن هذا اعتراف رسمي من حكومة السودان بعمل اعلامي نسجه محامون امريكيون للتربح منه.. رغم أنه لم توجه اتهامات مباشرة للسودان في تلك القضايا.. أما لو كان السبب دعمه للقاعدة فلماذا لا يطالبونا بتعويضات ايضا عن 11 سبتمبر؟ إنه نفس المنطق!!
    يجب أن نبدأ بالتحليل الصحيح لأهداف أمريكا لنعرف كيف نصيغ الاستراتيجية الامثل للتعامل معها.. فمن الواضح أن أمركا تفكر بعقليات مستقبلية استراتيجية ونحن نفكر بعقليات القرون الوسطى أمريكا تفكر إزاء هذا الموضوع بمستقبل وجودها ووجود اسرائيل بالمنطقة كسبب للاصرار على هذه السياسة ضد السودان فيما لا نزال نعتقد أن أمريكا “زعلانة” من كلام أمريكا روسيا دنا عذابها!!! والله انه استبساط فاضح في قضايا غاية الجدية مواصلة بائسة لتحليل وتفكير النظام المباد؟!!!!!!

    1. مجودي يقول

      كلامك استاذ عباس عن ان كلام “امريكا قد دنا عذابها” اوافقك عليه تماما . ولكن قولك بأن لم تكم هنالك اتهامات مباشرة للسودان فلا اظنه صحيح . فقد قرأت قبل ذلك بأن القضاء الأمريكي قد وجه الإتهام للسودان مرة ومرتين ولم يحضر مندوب من النظام او محام عنه لكي يرد التهم . حتى ان القاضي في المرة الأخيرة علق مستغربا بأن الأمر كان يمكن ان يقوم على تسوية افضل لو حضر محامي عن الحكومة السودانية … وهذا لا عني ابدا الإعتراف بالحكم الصادر ولكن التنويه للسبههلية التي كانت ايام الانقاذ.
      هذا جانب اما الجانب الثاني فهو الكلام عن العقوبان الأمريكية على السودان ( اوغيره) هل هي مقبولة حقا ؟
      وكلام دكتور فيصل صحيح ايضا بأنه كان على حمدوك تكثيف الإستشارة قبل اإذعان للإمريكان لأن هذه ” تدبيسة ” حتطلع زيتنا حتى ولو رفعت العقوبات .

    2. كمال الهدي يقول

      كلام عميق ورأي وجيه.. البعض يرون أن انتقاد دكتور حمدوك في هذه الجزئية كلام كيزان وسطحية ومش عارف شنو، ويقولون أن تصرفه في دهاء سياسي وحنكة وهو عارف بعمل شنو والمفروض ننتظر وبس!! علماً بأن الأمريكان لا عهد لهم، سيما في عهد ترامب الذي لم تعد فيه أسرار وكل شيء مكشوف بينما بعضنا يقولون في السياسة هناك أمور لا يمكن الحديث عنها فأصبروا على حمدوك وسترون.. وده موقف أراه غريباً جداً، فلسنا من فجر وقتل حتى ندفع التعويضات ولو أراد الأمريكان تعويضاتهم كان عليهم أن يقتلعونها من عيون من مارسوا الإرهاب وقتها..

  3. MAN يقول

    حمدوك رافقته لجنة قانونية وأمنية ولا يدير الملف وحده.
    آراء الكاتب دايما تجنح الشطح غير المبرر ويعزوه القدرة علي التحليل والاستخلاص وقد وضح ذلك في كثير من المقالات السابقة

  4. فيصل يقول

    رد على المدعو MAN

    ليتك تتفضل علينا وتُوجِز لنا ( خلاصة ) تحليلك لما جرى، مع ضرورة توضيح النقاط التي ذكرتها في المقال ولم تكن حقيقية، أي لم تحدث.. أنت مُطالبٌ بإيجاز أي نقطة ترى أنَّها لم تحدث ولم نُعايشها كواقع..

    ليتك تفعل بنحوٍ علميٍ رصين حتَّى ( نتعلَّم ) من عنايتكم التحليل والاستخلاص/الاستنتاج وحبذا لو تفضلت بالتوصيات ..!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.