مقالات وآراء سياسية

مصير السودان المجهول والتوالي السياسي والمنظومة الخالفة المتجددة

د.يوسف نبيل

“التوالي السياسي” ومستقبل الشراكة السياسية في السودان ومفهوم “المنظومة الخالفة المتجددة” ومنظور حركة “التجديد” و”الإصلاح السياسي” ومستقبل السودان وأهله والله على ما اقول شهيد ..

لكي ندرس أفكار أحد المفكرين ولكي نحكم على طبيعة النظام القائم حاليا (المدني) وعن مستقبل مجمل الحركة السياسية في السودان وطبيعة الإصلاح المرجو علينا بتفحص التاريخ السياسي العالمي أولا (إذ هو مصدر نشوء وقيام الأنظمة السياسية عبر تاريخ الإنسان جملة) اي الحركات العقائدية والأيديولوجيات الفكرية السياسية ، ومن ثم قراءة تاريخ السودان المعاصر ثانيا (إذ هو مصدر التجربة السياسية التي يؤول إليها حالنا الماضي المضني والحالي أيضا بل ومصيرنا المستقبلي المجهول نسبيا) كل ذلك عبر ميكانيزمات التفاعل بين مجمل مجموع القوى السياسية وتفاعلاتها بكل علاتها و امراضها ومصدر عافيتها النسبية الحالية)

مازال حتى الآن لغط دائر في السودان عن شكل وطبيعية “التغيير” المرجو بعد سقوط نظام الإنقاذ ، أي “ماهية” طبيعة النظام السياسي الأفضل لحكم السودان ؟ بل واحتدم مؤخرا الصراع السياسي بين دعاة العلمانية والمطالبين بضرورة تجديد نظام الإسلام السياسي حتى يسع أكبر عدد من التنظيمات السياسية بما فيها السلفية المتشددة والصوفية ومجمل طيف التيار الإسلامي مع وجود فاعلين تاريخين لهم ثقل وان قلّ لكن يبقى إثره مهم جدا وهم الطوائف السياسية الأقدم في السودان وهما الامة القومي والاتحادي الديمقراطي الأصل.

أما عن المنظومة الخالفة “المتجددة” فهي مشروع مقترح خطة بشأن تطوير الحياة العامة للسودانيين بما يضمن لهم حقوقهم ويلبي رغباتهم ويدعم استقرار ووحدة أهل السودان جميعا.

أما الشق الذي سوف يضمن تطبيق تلك المفاهيم هو الشق سياسي لتأسيس منظومة “تطور تاريخي طبيعي” للحركة الاسلامية وإن الأساس للفكرة هو تجديد الحركة الإسلامية لخلاياها وأنسجتها الداخلية بما يسمح بتدفق دم جديد لإنعاش الحركة الإسلامية من جديد وكان غرض هذه المنظومة بأن ينضوي تحتها الجميع ، جسم جديد يسع الجميع ويلبي اشواقهم بحيث لا تفرق هذه المنظومة بين من انتمى إلى الإسلام أو غيره من الأديان ، بحيث يكون كيان يجمع المتوافقين في كافة مجالات الحياة من ثقافة عصرية متعددة (لا قبلية ولا عنصرية ولا جهوية) وسياسة حرة ونزيهة تحترم جميع المتنافسين ولا تقصي أحدا ، ومجتمع فاضل يُحي القيم (لا القومية) ويتيح أقصى حريات التعبير ، و الانتقال من الشرعية الثورية/الانقلابية إلى دولة الديمقراطية ودولة المؤسسات أي إرجاع السلطة عبر الانتخابات ، وتطبيق العدالة في تقسيم الثروة والسلطة بما “يعجل” بانصاف الولايات ويحقق التوافق بين جميع أهل السودان وإحلال السلام وإنهاء الحرب بلا رجعة وذلك عبر التفاوض والحوار والابتعاد تماما عن المهاترة والتقليل من الآخرين. على أن تعمل هذه المنظومة على ترسيخ مبادئ سياسية حقيقية وهي  التمثيل النسبي ومشاركة الجميع في أجهزة الدولة التنفيذية والتشريعية والخدمة المدنية وأيضا في القوات النظامية وكل ذلك تحت ستار “وحدة الصف الوطني” وتوحيد أهل القبلة.

المنظومة الخالفة المتجددة هي مشروع شراكة سياسية ، إجتماعية ، وثقافية بغرض الإصلاح السياسي والاجتماعي بما يترتب عليها تحسين الأوضاع الإجتماعية ، على تقوم هذه المنظومة في “ظل نظام ديمقراطي”  وكل ذلك من أجل إنشاء دستور توافقي يتساوى فيه الجميع وتحقق فيه قيم العدالة السياسية والإجتماعية للسودانيين كافة وتُعبّد فيه ساحات المنافسة السياسية الشريفة على أسس متوافق عليها. وهذه المنظومة تجمع بين أقصى اليمين ويمين الوسط المعتدل إلى اليسار المعتدل (الإشتراكي البعثي الناصري .. إلخ)

وهذا على أن يظهر هذا الحزب في المشهد السياسي بمظهر جديد (إسلام حضاري لا يكفّر أحدا) وشعارات جديدة (لا تقصي أحدا بشعارات اسلامية معتادة) وتنظيم بمسمى جديد (فلا حاجة لكلمة إسلامي ، لأن الإسلام أصبح معلوما في العمل السياسي ، بينما سابقا كان لزاما تسمية الحزب بالاسلامي حتى يدرك الناس طبيعة عمل الإسلام في السياسة.

وهذا على أن تحمل هذه المنظومة وصفا يدل على حداثتها المعاصرة ، مثل النهضة (كمثال تحالف نهضة السودان*) او بما تحققه من عدالة ومساواة والابتعاد قدر الامكان عن المسميات المعهودة “الوطني” او “الشعبي” او “الأمة” وكذلك على ان لا يدل الاسم على عصبية أو قبلية.

ويأتي السؤال الذي في غير موضعه لكنه ضروري للتمييز:

هل مواصفات قحت تنطبق عليها مفاهيم المنظومة الخالفة ؟ ام إنها شكل أولي تجريبي اختباري ، على أن تفشل منظومة قحت حتى تقوم منظومة النظام الخالف المتجددة ؟

يقول العراب بأن الثورة حتى الآن لم تنجح إلا في خلق توافق “شكلي” بين عدة حركات ومنظمات سياسية لكنها منقوصة من طيف واسع جدا طيف الحركات المسلحة والحركات الإسلامية ومن الديمقراطية التوافقية ومن الالتزام الفقهي لمستقبل المشهد السياسي. ولذلك هذا التوافق لن يدوم ولن ينجح إلا بعد إجراء إصلاحات في مجمل طبيعة الحركة السياسية في السودان ، لأن بُنيَ على التحيز لا يستمر ، لأن كوارث السودان السياسي وعدم استقراره كان الإقصاء عنوانها الأبرز.

إن الشكل الحالي التوافقي لقوى الحرية والتغيير شكل أولي على ان يقوم لاحقا شكل اخر ثانوي وسيكون هذا الثانوي هو الأساسي. ان منظومة قحت تجريبية ، ونجحت التجربة حتى الآن لكن الشكل الثاني سيعمل على إصلاح الحركات السياسية عن طريق المصالحة لبناء سودان جديد عبر تذويب التيارات السياسية الى أربعة كتل او خمسة بالاضافة لتجديد المعاني السياسية  وإعادة تعريف المفاهيم السياسية مجددا (قحت مختلف في معظم المفاهيم السياسية حتى الآن) وإعادة النظر في تلك المفاهيم حتى يتفق حولها معظم القوى السياسية مدنية كانت أم مسلحة ، مع تحديد دور الجيش في السلطة السياسية وأخيرا نظام الحكم الذي وصفته المنظومة المتجددة بخلاف ما هو موجود الآن في الوثيقة (البرلماني) بأنه سيكون شبه رئاسي لكن يظل الرئيس هو صاحب السلطة التنفيذية العليا مع وجود مجلس ولاة يكون أوسع سلطة من سلطة الرئيس (وهذا ما قد حاوله مسبقا د.الترابي لكن قرارات الرابع من رمضان أوقفت تعديلات د/الترابي في الدستور وأعلن انتهاء أجل المجلس الوطني الذي كان يرأسه الدكتور ، كما قرر إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، لمدة ثلاثة أشهر، وتعليق مواد من الدستور متصلة في الأساس بكيفية اختيار الولاة، وشكلت تلك الإجراءات إعلانا رسميا للمفاصلة بين الذين اختاروا البقاء في السلطة ودعم البشير، والاخرين الذين إرتأوا مساندة الفكرة التي يحملها شيخهم الترابي). أما سلطة الولاة في المنظومة الخالفة تتمثل في وضع الأحكام والتشريع ومراقبة سياسات رئيس الجمهورية بل وإمكانية إعفاء الرئيس بواسطة توافق ثلثي أعضاء البرلمان. أما طريقة الانتخاب تأتي في إطار التنافس الحقيقي والشريف وأن لا يميل المنتخبون إلى ذوي القربى ، الجاه والمال بل يكون الاختيار للكفء الأمين في ممارسة السلطة.

وتوصل د.الترابي في مقترح المنظومة الخالفة الى حقيقة بأن الحركات الإسلامية منفردة لا تستطيع ان تقدم نموذجا متكاملا عن الإسلام وعليه يجب تذويب مجمل الحركات الإسلامية في منظومة واحدة وهي منظومة “القيم والنهضة” الإسلامية. لذلك تقدم د.غازي صلاح الدين رئيس حزب “حركة الإصلاح الآن” بمبادرة باسم “إصلاح الحركة السياسية في السودان” لقيام خمسة او ستة كتل من أجل تقوية البنية السياسية للأحزاب من خلال إدماجها وتوحيدها دون فرض وصاية. وتحدث بأن الغرض من ذلك هو ممارسة سياسية أفضل وثقافة “موحدة” وعلاقات “تعاونية” بين القوى السياسية (وهذا أيضا غير متوفر لدى قحت)

أما عن إمكانية نجاح قحت في قيادة الدولة فمصيرها مجهول ، لكن بناءا على المعطيات الآنية فمصيرهم نصيبه الفشل لأن التاريخ السياسي للسودان أثبت ذلك مرارا وتكرارا.

ولذلك كانت رؤية غالب السياسيين المحليين والعالميين بضرورة خلق  تحالف وطني ثوري واسع يتيح اعادة صياغة المفاهيم السياسية السودانية على أن يضمن للجميع حق المشاركة بوضع دستور جديد به كل تفصيلة عن الحياة الإجتماعية والثقافية والتنظيمية والسياسة السودانية (وذلك خلافا لما ينتهجه قحت بإقصاء الكثيرين بل ورفقائهم من حملة السلاح).

لكن مازال هناك تحدي كبير لقيام هذه المنظومة الخالفة يتمثل في قبول الأحزاب السياسية بضرورة حلها وتذويبها في كتل أخرى بمسميات مختلفة ، فاحزاب كالأمة القومي والاتحادي الديمقراطي قائمة منذ زمن بعيد ولها عراقة تاريخية وشعبية طائفية ممتدة ، هل ستقبل تحدي تذويبها في كيان جديد؟ هنا تكمن ضعف هذه المنظومة ، اي تنازل الأحزاب عن وضعها التاريخي من أجل بناء سودان جديد.

وهذا ما أقرته الورقة بأن يخلف الحزب الجديد الأحزاب الإسلامية القائمة بما فيها المؤتمرين الشعبي والوطني ، التي رهنت الورقة حلهما لقيام الحزب الجديد ومما ساعد على ذلك “ذكاء” قحت حينما ساعدوا حمدوك بإقرار مشروع قانون حل المؤتمر الوطني ، فان أعضاء المؤتمر الوطني هم أنفسهم مؤيدون لحل حزبهم لكي يتسنى لهم الذوبان مع “تنسيقية القوى الوطنية” لإنشاء المنظومة الخالفة المتجددة.

تحدث أناس كثيرين عن مفهوم التوالي السياسي الذي وصفه د.الترابي عليه رحمة الله في دستور عام 1998 وهو معلوم لدى الجميع بضرورة توالي الانشقاقات بين الأحزاب فيما عرفت بظاهرة “الأحزاب المسجلة” لكن الدكتور كان يقصد بفكرة التوالي هو توالي تجديد الحزب نفسه بنفسه والانتقال إلى مسمى آخر ، وعلى سبيل المثال فإن التطور التاريخي للحركة الإسلامية التي بدأت بتأسيس «الجبهة الإسلامية للدستور 1954» ومن ثم «جبهة الميثاق الإسلامي 1965» وتواليا إلى «الجبهة الإسلامية القومية 1985»

أهم عناصر العملية السياسية من جميع النواحي هي الشراكة السياسية ومن هنا نشأة فكرة الدولة بأن الشراكة الاجتماعية تحتاج إلى جسم أعظم منها كي يقوم بتسيير أمورها الاجتماعية وما يترتب عليها من تفاعلات اقتصادية محلية قائمة وعالمية وجب قيامها ومسايرتها وأعظم هدف للدولة هو التفاعل السياسي الذي ينظم شكل الدولة الخاص بالمجتمع والعام بالإقليم ومحاوره وامتداداته ومن هنا انبثقت فكرة النظام السياسي الذي يمثل الشعب خارجيا ويقوّم الخلل -أن وجد- داخليا ويضبط شكل الصراع القومي القبلي -ان وجد- ويرعى “المصالح العامة” المشتركة بين الجميع ، ومن هنا أيضا جاءت فكرة حكومة واحدة تمثل جميع أطياف الشعب بحيث تلزم الجميع الخضوع لسياسات الدولة ،ومن هنا قام الصراع على الشكل المثالي للنظام السياسي (رئاسي أم برلماني ام ..) وطبيعته (إسلامي ام علماني) ، بحيث يعد التوالي السياسي الذي تحدث عنه الدكتور هي فكرة مستحدثة خاصة به بينما تحدث عنها أفلاطون منذ زمن بعيد جدا من قبل الميلاد بحيث أهتم أفلاطون بفكرة “الدورة” فيما يتعلق بالنظم السياسية اي التنقل المستمر والمتتالي من نظام الى آخر حتى تستقر الدولة مع أنسب نظام يمثلها ويوحد شعبها وهذا هو الشي الأعظم والأهم وهو توحيد الشعب. ومن هنا انطلقت فكرة د.الترابي الأولية بالمفهوم الأفلاطوني وهو التوالي السياسي ومنها جاءت نفس الفكرة وهي النظام الخالف ومن هنا أيضا ينطلق سؤال آخر: ما هو مستقبل الشراكة السياسية الحالية بين قوى الحرية والتغيير ؟؟ وبالتالى ماهو مستقبل السودان نفسه؟ وماهو شكل النظام القادم؟ ولا أقصد بالنظام النظم برلمانية ورئاسية لأن الوثيقة حددت بأنه برلماني لكن ابشركم بأنه سيتحول الى نظام شبه رئاسي لكن من هو سيده وماهي ايدولوجيته علمانية ام اسلامية ؟ وما طبيعة الطيف السياسي الذي سيتقلد رئاسة الدولة في نهاية 2022 او بداية 2023 ؟

كانت هناك ومازالت مجموعة حلول لشكل الحكم الخالف لنظام الانقاذ:

الحل الأول كان يكمن في تحالف مجمل الأحزاب السياسية والقوى المدنية لتكوين جسم بغرض إزاحة نظام الإنقاذ لكنه لا يمثل بالضرورة الشكل النهائي لحكم السودان ، بل يمثل توافق مرحلي تحققت أولى أهدافه بإزالة نظام البشير ، لكن ماهي رؤى قوى الحرية والتغيير في مواصلة هذا التحالف؟ سيقول قائل لبناء سودان جديد ! سودان جديد في خضم الإقصاء لن يتحقق.

الحل الثاني وهو مفهوم دكتور الترابي بتذويب التيارات كافة لخلق حزب واحد واسع يشمل جميع الأحزاب على ان يكون هذا الحزب هو الدولة السودانية الجديدة وهذا ما ادعاه د.غازي صلاح الدين حين بادر برؤية لإصلاح الحركة السياسية في السودان يتضمن تقليص عدد الأحزاب.

أما التحالفات السياسية التي تمت بعد الثورة هي من ستحدد شكل وطبيعة السودان القادم بل ومصير الفترة الإنتقالية ، بحيث توافق كلا من الحركة الشعبية- الحلو مع الاتحادي الديمقراطي وتوافق آخر بين عبدالواحد محمد نور والشيوعي وقبلهما كان هناك تحالف المجلس العسكري مع كلا من إثيوبيا/أبي احمد والجنوب/ سلفاكير بحيث قدمتا مبادرتي الشراكة السياسية والسلام.

لماذا سمّيت ب المنظومة الخالفة “المتجدده” خالفه من ان يخلف وهو نفس مفهوم التوالي السياسي لكن متجددة لأن الأفكار والممارسات القديمة كلها سوف تتجدد بحيث تعطي مساحات أوسع وحريات أكبر ، حتى تحتفي بالتنوع بدلا من الفكرة القديمة التي كانت مسيطرة على أذهان الآخرين وهى أصحاب الوطن هم قبائل النيل والطبقات الاجتماعية المتعلمة ورعاع الوطن هم سكان الهامش ذو الفدخل والتعليم المحدود.

ويظل السؤال مطروحا كيف لنظام برلماني أثبت فشله في السودان ثلاثة وربما أكثر أن ينجح في الرابعة او الخامسة او العاشرة؟

النظام البرلماني جعل من الدولة مطية للأحزاب. والأهم من ذلك ، من الذي أختار هذا النظام لهذه الفترة الإنتقالية؟ سيقول قائل إنها الشريعة الثورية مدنياااااا ، لكن مدنيا لا تعني نظام حكم برلماني ، مدنية عكس العسكرية ، لكنه يمكن ان يكون رئاسي او شبه رئاسي. لكن الأحزاب السياسية في السودان تضمن أول شيء نصيبها من السلطة ومن ثم لاحقا تحاول التفكير في نصيب الشعب في الحياة.

النظام البرلماني هو نظام المكايدات السياسية النظام البرلماني هو نظام الأحزاب التي لا تجد عملا تقوم به حتى تدخل في صراعات شخصية وبالرغم من كل هذا يصدق الشعب احزابه الفاشلة 63 عام.

أفلا تعقلون ؟

 

د.يوسف نبيل

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق