مقالات وآراء سياسية

التغييرات  المناخية  وإستراتيجية إدارة المياه ونظم الري بالسودان (2-2)

د. محمود حسن احمد

يكتسب الحديث عن المياه  أهمية خاصة واستثنائية في القرن العشرين والحادي والعشرين لما شهده ويشهده العالم من توترات بشأن ازمات المياه  في ضوء التغيرات المناخية  التي اصبحت من اهم التهديدات  البيئية  للأمن التي تواجه الدول في الوقت الراهن وقد بدأت الدراسات الأستراجية منذ بداية سبعينات القرن العشرين تركز على إعادة  تعريف مفهوم  الأمن بحيث اصبح منظومة يتسع ليشمل عددا من الأبعاد  مثل الأمن الإستراتيجي والأمن الأقتصادي والأمن البيئي والأمن المائي والأمن الغذائي  وبذلك اصبح مفهوم الأمن المائي أحد مكونات منظومة الأمن القومي في ابعادها الكلية المتراكمة .وبطبيعة الحال يرتبط مفهوم الأمن  المائي بمفهوم الأمن الغذائي  وأن تعريفات الأمن المائي تتعدد بتعدد المنظور الذي يتبناه الباحث وكذا وفقا لتنوع المشارب الفكرية والخلفيات العلمية للباجث بيد أنه يمكن القول بأن تعريفا يحظى بالقبول والرواج بتن الباحثين حيث ينصرف مفهوم الأمن المائي الى توفر الكميات المناسبة من المياه اللازمة لسد الاحتياجات التنموية والمتطلبات المنزلية  بنوعية جيدة وصالحة للاستخدام البشري  مع توفر البنية التحتية المائية  مع قدرة الدولة على استدامة تامين تلك الموارد وحمايتها من التهديدات الداخلية والخارجية .

اكد تقرير التنمية العربية لعام 2009 الصادر عن البرنامج االإنمائي للامم المتحدة أن ندرة المياه كانت ولا تزال تمثل أحد تحديات الأمن الإنساني في البلدان العربية  بل صنفها التقرير ضمن التهديدات البيئية  الأكثر خطورة  وأهمية في المنطقة لذلك يقترح التقرير إمكانية معالجة التحديات الخاصة بندرة المياه من خلال تبني سياسات الإدارة المتكاملة للموارد المائية عبر اليات إدارة العرض والطلب على المياه .

لذلك إن المدخل الإداري المهم للتعاطي مع مشكلات المياه بما يحقق الأمن المائي والتنمية هو الإدارة المتكاملة للموارد المائية والتي يمكن تعريفها بأنها مجموعة الإجراءات والسياسات والإستراتيجيات التي تتخذ للتحكم في مصادر المياه واستخداماتها لصالح المجتمع  وتشكل الإدارة المتكاملة للموارد المائية خياراً استراتيجياً لكافة أنشطة التنمية الإجتماعية والإقتصادية والبيئية المتصلة بالمياه. وفي ظل المناخ الدولي الذي يتم فيه الإعتراف بالقيمة الاقتصادية للمياه، لا يمكن تحقيق المردود الاقتصادي للاستثمارات الزراعية المرتبطة بالمياه إلا في حال زيادة إنتاجية هذا المورد وحسن وتكامل ادارته

.تم تحديد وارساء اسس التوافق على مبدأ الإدارة المتكاملة للموارد المائية في المؤتمر الدولي الذي عقد في كوبنهاجن في نوفمبر من عام 1991 والمؤتمر الدولي للمياه والبيئة الذي عقد في دبلن في يناير من عام 1992  وفي مؤتمر دبلن تمت صياغة مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائيه  على النحو التالي :

1-المياه العذبة مصدر محدود وناضب وحيويّ لاستدامة الحياة والتنمية والبيئة؛

2-يجب أن تقوم تنمية الموارد المائية وإدارتها على نهج تشاركي يشمل المستخدمين والمخططين وصانعي السياسات على شتى المستويات؛

3- تلعب المرأة دوراً أساسياً في جلب المياه وإدارتها وصيانتها؛

4- للمياه قيمة اقتصادية أياً كانت استخداماتها وينبغي الاعتراف بها كسلعة اقتصادية.

وشكّلت هذه المبادئ منطلقاً للوثيقة الرئيسية التي دارت حولها مناقشات قمة الأرض في ريو دي جانيرو في يونيومن عام  1992 بالنسبة إلى مشاكل المياه. ووافقت جميع الدول خلال المؤتمر على المبادئ التوجيهية للعمل المنسّق للتحكم بالموارد المائية وإدارتها وأدرجت في وثيقة أطلق عليها اسم جدول أعمال القرن الحاديوالعشرين

وأعطت اللجنة الاستشارية للشراكة العالمية من أجل المياه التعريف التالي للإدارة المتكاملة للموارد المائية: “الإدارة المتكاملة للموارد المائية هي عملية تتيح التنمية المنسّقة للموارد المائية البريّة وغيرها من الموارد ذات الصلة لتحقيق أكبر قدر من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عنها وذلك بشكل منصف لا يؤثر على استدامة النظم الأيكولوجية الحيوية”].

وتعتبر الإدارة المتكاملة للموارد المائية الإطار الأنسب من أجل “إدارة سليمة للمياه”. وبالفعل، فإنّ السياسات الخاصة بالمياه لدى العديد من الشركاء في التنمية أو مؤسسات تمويل التنمية ومن بينها البنك الدولي ومصرف التنمية الأفريقيوالاتحاد الأوروبي وغير ذلك من المؤسسات، يشددون على ضرورة إرساء إطار للسياسات العالمية الخاصة بالمياه وإلغاء الطابع المركزي لإدارة الخدمات وزيادة مشاركة أصحاب الشأن، أي بعبارة أخرى التوصل إلى إدارة متكاملة للموارد المائية. التي ينبغي معاملتها على اعتبارها سلعة اقتصادية حيثما تخدم المصالح الاقتصادية لكن دون التغاضي عن طابعها الاجتماعي أيضاوكما وضحت في مقالي السابق أنه في  عام 1997 أصدرت الأمم المتحدة تقريراً عن تقييم المصادر المائية العذبة في العالم وقد ناقش التقرير أربعة محاور رئيسية هي :

* تحديث قاعدة البيانات الخاصة بالموارد المائية واستخداماتها على المستوى القومي

* التوقعات المستقبلية لإستخدامات المياه للفترة 2025-  2050

*المشاكل والضغوط التي تواجه موضوع المياه .

*تقييم الإستراتيجيات والخيارات للتنمية المستدامة  للموارد المائية على نطاق العالم .

وفي ظل حدوث تغيّرات مناخية سيقل سقوط الأمطار وعدم انتظامها واختلاف مواقيت هطولها  وارتفاع درجات الحرارة كما تشير الدراسات العالمية مما يزيد الطلب على المياه  بينما تقل الموارد في الوقت الذي تسود فيه الاستخدامات غير المرشدة والتكنولوجيات غير المناسبة التي تنشأ عنها فواقد كثيرة خصوصاً في الزراعة لذلك فإن الندرة المائية تدعو إلى النظر في أخذ القيمة الاقتصادية للماء في الاعتبار والعمل على تعظيم العائد الاقتصادي عن طريق زيادة الإنتاجية واختيار نوع حاصلات ومنتجات زراعية ذات قيمة اقتصادية عالية لتحقيق الأمن الغذائي واستخدام نظم الري الاوتوماتيكية الحديثة ذات الكفاءة العالية وتحديد الاحتياجات المائية للمحاصيل بطريقة علمية دقيقة

إنّ الري لا يزال، في عدد كبير من البلدان الأفريقيا والسودان  بوجه خاص، عاملاً أساسياً في أي استراتيجية ترمي إلى زيادةالإنتاج الزراعي بشكل مستدام بما يلبي الاحتياجات الغذائية المتنامية ويسهم في الناتج  المحلي الاجمالي

ويمكن من خلال زيادة كفاءة الري وإنتاجية المياه في الزراعة المروية في المشاريع الحالية مثل مشروع الجزيرة والرهد والسوكي وحلفا الجديدة  ومشاريع السكر و تطويرالمؤسسات القائمة على إدارة المياه وتحقيق  النظم الرشيدة  من خلال اصلاح السياسات وتحديث القوانين واللوائحيمكن تحرير كميات كبيرة من المياه لاستخدامها في توسيع نطاق الأراضي المروية..

إن التقييم الشامل والدقيق لمصادر المياه المختلفة والطلب عليها لتلبية احتياجات الأغراض المختلفة على المديين القصير والبعيد والاخذ  بعين الاعتبار تأثيرات التغير المناخي والحد من المخاطر والتقدم العلمي والتكنولوجي المتوقع، وتحديث تصميمالنظم  وطرق الري الذي يمكن أن تساهم في زيادة كميات المياه المتاحة وترشيد استهلاكها وحمايتها.

وإدارة العرض (المصادر) والطلب من خلال التركيز على تحقيق التوازن ما بين الموارد المتاحة والطلب عليها..

كل هذا يساعد على الادارة المتكاملة للموارد المائية

وكما ذكرت في مقالي السابق  بعنوان مشكلة الري بمشروع الجزيرة  أن السودان يملك ذخيرة  كبيرة ومؤهلة من الخبراء والعلماء في مجال هندسة المياه وتصميم وادارة نظم الري ومن الدراسات والبحوث  والتجارب في تقييم وتقويم النظم ما يساعد في تحقيق  اهداف  الادارة المتكاملة للموارد المائية

وإذا جاز لي ان اقترح في هذا المجال  فأرى :

1- نظرا للزيادة المستمرة في قيمة المياه تزداد اهمية تحديث نظم الري بالمشاريع المروية الحالية( الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة  ومشاريع السكر) وذلك بادخال نظمالري الحديثة كالري بالتنقيط والري الرزازي والري بالرش وانظمة التحكم الآلية  والأنابيب البلاستيكية  مما يؤدي الى خفض استهلاك المياه ورفع كفاءة الري  بما يؤدي الى تعظيم كفاءة الانتاج الزراعي  ومن ثم زيادة الإنتاج الإقتصادي وقد اكد تقرير البنك الدولي عام 1991 ان اكثر من نصف الأراضي المروية العالمية بحاجة انظمة الري فيها الى تحديث  .

2- إعادة النظر في الاحتياجات المائية للمحاصيل خاصة انها بنيت على الدراسات التي اجريت بمحطة ابحاث الجزيرة في

في ظروف محطة ابحاث الجزيرة ومشروع الجزيرة فيمنتصف الستينات من القرن الماضي

3–تغيير  الطرق التقليدية في تصميم نظم  الري مثل القنوات الترابية المكشوفة في توصيل ونقل المياه  والتي ما عادت تناسب الظروف الحالية  والتي اثبتت التجارب على تدني كفاءتها وارتفاع تكلفة صيانتها وتراكم الطمي الحشائش بها  واستبدال ذلك  بتبني النظم المغطاة-وشبه المغطاة  خاصة بعد التطور في صناعة الانابيب  البلاستيكية – في المشاريع المستقبلية مثل مشروع كنانة والرهد- الكبير بعد الانجاز والحلم الكبير الذي تحقق بتعلية خزان الروصيرص- واعالي عطبرة (خزان سيتيت ) مع ادخال اجهزة التحكم الاوتوماتيكي في ادارة المياه .والتحكم في انظمة الري

National council for water resources4- اعادة النظر في تكوين وتوسيع مهام المجلس القومي للموارد المائية

ليكون معبراً  عن التعريف الشامل لمفهوم الإدارة المتكاملة للموارد المائيةالمذكور اعلاه خاصة وان مفهوم مصطلح الري يشمل الموارد المائية ووسائل وطرق  نقلها  من المصدر واضافتها للتربة مع اختيار نظام الري المناسب وتحديد الاحتياجات المائية للمحاصيل  واستخداماتها  ونوع النبات والتربة والظروف المناخية  الخ

5- تطويع التكنولوجية الحديثة في مجال الهندسة الوراثية لتحقيق المعادلة الصعبة وذلك بتوفير اكبر كم ممكن من الانتاج الزراعي بأقل كمية من المياه المتاحة واستنباط سلالات نباتية أقل إقبالا على المياه وأكثر تحملا للجفاف والظروف المناخية الحارة وأكثر تقبلا للري بمياه عالية الملوحة .

وبالله التوفيق وحسن المقاصد

د.محمود حسن احمد

الاستاذ بجامعة الجزيرة وجامعة الامارات  العربية المتحدة سابقا

مدير قسم البحوث والتطوير

بشركة براري للموارد الطبيعية بدولة الامارات العربية المتحدة

[email protected]

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..