مقالات وآراء سياسية

البشير كان يلعب بالنار

علي مالك عثمان

حرب الغاز التي بدأت طبولها تدق في شرق المتوسط هذه الأيام، بعد أن أقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على توقيع إتفاقية أمنية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، والمسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس، والتهديد المباشر الذي حملته هذه الإتفاقية للمحور المقابل، والذي يضم كلاً من مصر واليونان وقبرص واسرائيل – من تحت الطاولة – لهي خيْرُ مثالٍ على خطورة اللعب بالتوازنات الجيو – سياسية في أي منطقةٍ بالعالم دون تبصرٍ للعواقب التي يمكن أن تجرَّها على تلك المنطقة. هذه الإتفاقية تسمح لتركيا بإقامة قواعد عسكرية لها في ليبيا، وإقامة إستثمارات مشتركة معها لإستغلال إحتياطيات الغاز الضخمة الموجودة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. سياسات أردوغان المبنية أساساً على الأيدلوجيا والتحالفات مع تيارات مناوئة لحكوماتها داخل دول المنطقة، جعل دول المحور المقابل – خاصة مصر – تتوجس من هذا التمدد التركي في شرق المتوسط، وتتحرك بسرعة لقطع الطريق أمام هذا التحالف الناشيء. الغريب في الأمر أن دول الإتحاد الأوروبي نفسها، خصوصاً فرنسا، إستشعرت الخطر وأصدرت بياناً شديد اللهجة يرفض تلك الإتفاقية. إرتفاع منسوب التوتر نتيجة هذا الاتفاق تمثَّل في التحرك المصري المنسق مع كلٍ من اليونان وقبرص، والبدء بإجراء مناورات بحرية، والإيعاز لخليفة حفتر بمعاودة الهجوم على طرابلس.

هذه الأحداث تؤكد بجلاء خطورة ما كان ينتظر السودان من تدخلات خارجية، وزعزعة لأوضاعه الداخلية، لو قُـدِّر للإتفاق الذي أبرمه المخلوع البشير في آخر أيامه مع تركيا – بإقامة قاعدة عسكرية لها في جزيرة سواكن – أن يستمر. فَـدُول الإقليم حتماً لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترىٰ النفوذ التركي يحاصرها من كل الجهات، والغازي العثماني يعود للمنطقة مجدداً بعد إخراجه منها قبل قرن من الزمان. فتركيا لديها تواجد عسكري في الصومال، وقاعدة عسكرية تمت توسعتها قبل أيام معدودة في قطر، تحوي ما يزيد على الثلاثين ألف جندي، كما أن لها مشروع سياسي واضح، تكشَّـفت معالمه بصورة كاملة خلال السنوات الماضية. فلا يمكن أن يضاف لكل ذلك قاعدة عسكرية في سواكن وليبيا..!!.

أَعتقِـد أن المخلوع البشير ومن كان حوله لم يدركوا الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر عندما وافقوا للإتراك بإقامة تلك القاعدة. حيث طغت الجوانب الأيدلوجية والعقائدية التي يؤمنون بها على تفكيرهم، وتعاملوا مع الموضوع بخفةٍ بالغة ومراهقة سياسية ليست غريبة عليهم. كما أنهم لم يكونوا مُلِـمِّين بدرجة كافية بتعقيدات الصراعات التي تموج بها المنطقة، وخطورة زج السودان في صراعات محاور إقليمية، لا ناقة له فيها ولا جمل. ولا أستبعد أيضاً أن يكون في الأمر صفقات شخصية مشبوهة، ففسادهم الذي أزكم الأنوف لا يحتاج لدليل.

البحر الأحمر ممرٌ مائي إستراتيجي، يتوسط الجزء الأكبر من اليابسة، ويصل المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط، وبالتالي هو ممرٌ رئيس لكل البوارج الحربية والسفن التجارية التي تمخر عباب البحار، حيث تمر خلاله حوالي 13% من حجم التجارة العالمية وجزء كبير من حاملات النفط لأوروبا. كما أنه يقع في قلب الصراعات الدائرة في المنطقة، سواء تلك البينية بين دول الإقليم، أو الصراع العربي الإسرائيلي. وبالتالي أيَّ إخلال بالتوازن الإستراتيجي القائم بين ضفتيه سيثير حتماً حفيظة دوله المتشاطئة.

الدول الإقليمية كما أسلفنا ما كان لها أن تسمح بوجود مثل تلك القاعدة العسكرية. ولها في مناهضة هذا الوجود أساليب شتَّى، تبدأ بمحاولة ثنيْ البشير عن المضي قدماً في تحالفه مع الأتراك بالجزرة أولاً، ولا تنتهي بإستخدام عصا تأليب قبائل الشرق ودول الجوار. وبهذا يتضح جلياً أن البشير وجماعته كانوا يلعبون بالنار، ويهددون وحدة البلاد وإستقرارها، لأن التاريخ يعلمنا أن القوى الإقليمية والدولية إنما تدير صراعاتها من خلال الوكلاء، وبعيداً عن أراضيها، لتذهب ضحيته الشعوب المغلوبة على أمرها.

نفس هذه التراجيديا كانت ستحدث مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية إذا تمكنت شركات تعدين الذهب وتنقيب اليورانيوم الروسية من الإستيلاء على مربعاتٍ واسعة في ربوع البلاد، أو تمكنت الصين من الإستيلاء على مشروع الجزيرة. ولا أحد يستبعد ذلك، فالأمور كانت تسير في هذا الإتجاه.

فالحمد لله الذي قطع دابر المفسدين، ورد كيد سحرة فرعون في نحورهم خائبين، وأخرج البلاد والعباد من بينهم سالمين، وذلك بإندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، التي أعادت الأمور إلى نصابها، والبوصلة لإتجاهها الصحيح، وحفظت السودان من هلاكٍ محتمٍ، وصراعاتٍ لا تنتهي.. والسلام.

 

علي مالك عثمان

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. هههه غريبة مقولة البشير وجماعته يهددون أمن البلاد ألا يكفى أنهم شطروا المليون ميل مربع إلى نصفين بكل عنجهية وغطرسة واهية؟؟ السودان الذى كان لنا جميعا دعك من البحر الأحمر الذى تطل عليه دول متنافرة متشاكسة نعم أنه مهم جدا ولكن مع شركاء كلهم يضمرون للسودان شيئا ما عد الصومال التي تتمزق كل حين. أتصور جيبوتى لا تريد لنا خير والبشير المعتوه نزيل الإصلاحية يشيد فيها مستشفى من مال الشعب السودانى بعشرة ملايين دولار اى سفه هذا.
    المهم فإن قسم البلاد قطعا سيهون عليه بيع شواطئها

زر الذهاب إلى الأعلى