أخبار السودان

السودان: ثورة مختلفة بدأت في الولايات لتمتد إلى العاصمة

امتازت ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 في السودان، بالفرادة عن نظيراتها في المنطقة. فخلافاً للنهايات المأساوية لثورات الربيع العربي في دولٍ عدة، أطاح السودانيون بعمر البشير باستخدام سلاح “السلمية” من دون الوقوع في سيناريوهات الاقتتال الأهلي أو السقوط في براثن الفوضى. وعلى الرغم من نقاط الالتقاء بين الثورات الشعبية في البلاد (أكتوبر/تشرين الأول 1964، إبريل/نيسان 1985، ديسمبر 2018)، فإن إحدى أهم سمات ثورة ديسمبر تتصل بالأدوار الفارقة التي أدتها الولايات السودانية في الإطاحة بنظام البشير (الذي حكم من 30 يونيو/حزيران 1989 إلى 11 إبريل 2019) بعدما كان الدور مركزاً على العاصمة الخرطوم إبان الإطاحة بالجنرالين إبراهيم عبود (1958-1964)، وجعفر النميري (1969-1985).

وتتفق غالبية مراصد التوثيق للثورة السودانية، في أن شرارتها انطلقت من مدينة مايرنو بولاية سنار جنوبي البلاد، في 6 ديسمبر 2018، حين خرج طلاب المدارس في تظاهرات جابت المدينة احتجاجاً على انعدام سلعة الخبز. مع العلم أنه ضربت السودان في نهايات حقبة البشير، أزمات حادة في طحين الخبز، وإمدادات الوقود، إلى جانب شح في السيولة النقدية، الأمر الذي أدى لتراصص العمال في صفوفٍ طويلة أملاً في الحصول على مدخراتهم ورواتبهم. وتصاعدت وتيرة الأزمة جراء سياسات البشير التي ضربت طوقاً من العزلة الدولية على السودان، لا سيما أن رأس الدولة مُلاحق من قبل قضاة المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتصل بارتكاب جرائم إبادة جماعية وفظائع ضد الإنسانية في إقليم دارفور غربي البلاد في الفترة بين 2003 و2007. وأخذت الثورة في الاتساع بتظاهرات طلاب المدارس في مدينة الدمازين، في ولاية النيل الأزرق شرقي البلاد يوم 13 ديسمبر، ولاحقاً أدى تعامل السلطات العنيف مع الطلاب إلى انخراط أهالي المدينة في الحركة الاحتجاجية.

يتذكر بكري محمد عمر، وهو ناشط من مدينة الدمازين، ذلك اليوم المهم في تاريخ الثورة السودانية، بقوله لـ”العربي الجديد”، إن انطلاق الاحتجاجات في المدينة بدأ يوم الخميس 13 ديسمبر من ثانوية المدرسة الصناعية، التي خرج طلابها احتجاجاً على انعدام الخبز، ومن ثم شاركتهم مدارس القطاع الجنوبي. ولاحقاً انتقلت حالة الغضب إلى ثانويات البنات في رفيدة التجارية، وذات النطاقين، وبنت وهب، التي خرجت طالباتها للتظاهر في قلب سوق المدينة الرئيس. وللحيلولة دون التحام المحتجين، أقامت شرطة الولاية جداراً أمنياً من جنود وناقلات جنود، لمنع وصول طلاب مدارس القطاع الشمالي إلى قلب المدينة ومشاركة رفاقهم ببقية القطاع، ولاحقا تمَّ تفريق التجمعات الطالبية بالغاز المسيل والهراوات. وبعد انقضاء عطلة الأسبوع التي تصادف يومي الجمعة والسبت، عاود الطلاب التظاهر يوم الأحد، وعملوا على كسر الطوق الأمني المضروب لمنع وصولهم إلى قلب المدينة، بالتسلل عبر حي مخصص لسكن المنتسبين للقوات المسلحة.

وقاد ظهور كتائب الملثمين وتعامل أفراد الشرطة العنيف مع الطلاب والأهالي، وفق عمر، إلى مشاركة السكان في الاحتجاجات، ودخول سكان منطقة القشلاق من منتسبي الجيش في مناوشات واشتباكات مع أفراد الشرطة. وانتهى يوم الأحد في الدمازين باجتماع لجنة الأمن بالولاية، والإعلان عن إغلاق المدارس.

وامتدت تظاهرات طلاب المدارس إلى مدينة الفاشر، إحدى أكبر حواضر إقليم دارفور، في تظاهرات عارمة، يوم 16 ديسمبر، احتجاجاً على فرض تسعيرة تجارية لشراء الخبز رفعت من قيمته بنسبة 300 في المائة. واستخدمت الشرطة الهراوات والغاز لتفريق الطلاب، وجرى إغلاق سوق المدينة الرئيسي للحد من حركة الاحتجاجات.

وفي صبيحة 17 ديسمبر، تسبّبت عبوات غاز أطلقتها الشرطة لفض اعتصام محدود لطالبات داخلية الزهراء في مدن تابعة لولاية الجزيرة جنوبي العاصمة، احتجاجاً على انعدام الخبز، إلى حالات اختناق في أوساط الطالبات. وفي الولاية نفسها، تظاهر أهالي قرية فداسي، ليل 18 ديسمبر، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية.

ومع خروج تلامذة مدينة عطبرة شمالي العاصمة في 19 ديسمبر، للسبب ذاته (الخبز)، أخذت الثورة زخمها، فسرعان ما انخرط الأهالي في التظاهرات التي جابت أرجاء المدينة النقابية العريقة، وارتفعت لأول مرة شعاراتٍ سياسية تنادي برحيل النظام، وكان الهتاف الأبرز حينها “شرقت… شرقت… عطبرة مرقت” وهو ما اعتبر استفزازاً ثورياً لحث بقية المدن للثورة على البشير الذي حكم البلاد بقبضة حديدية طيلة 30 عاماً. وكانت اللحظة الفارقة في تاريخ الثورة السودانية، إحراق دار “المؤتمر الوطني” الحزب الحاكم في عطبرة، في منظر رمزي لسقوط النظام سياسياً. وتضامناً مع عطبرة، فضّت الشرطة تظاهرة جامعية في العاصمة الخرطوم، واستخدمت الشرطة يومذاك أسلحة محرمة دولياً، إذ فَقَد بعض المشاركين أطرافهم جراء محاولاتهم إعادة عبوات غاز ذات طبيعة انشطارية إلى مصدرها (ناقلات الشرطة).

وفي اليوم التالي، أي 20 ديسمبر، تواصلت حركة الاحتجاج في عطبرة، في تحدٍ لحالة الطوارئ التي أعلنها الوالي المكلف الجنرال حاتم الوسيلة، وانتقلت عدواها إلى بقية مدن الولاية مثل الدامر، والعبيدية، وبربر، فقدمت الأخيرة أول ضحايا الثورة، محمد عيسى ماكور، الذي قضى برصاص الأمنيين. وبسرعة تلقفت القضارف الحركة الاحتجاجية، وخرج أهلها إلى الشوارع يوم 20 ديسمبر، ودخلوا في مواجهات عنيفة مع الشرطة، انتهت بسقوط 8 ضحايا، وإحراق عدد من المؤسسات الحكومية. وفي اليوم نفسه، دخلت بورتسودان وهي أحد موانئ البلاد الرئيسية على البحر الأحمر في خط الاحتجاجات. وفي كريمة التابعة للولاية الشمالية، قلد المحتجون أهالي عطبرة، بإضرامهم النيران في مقر حزب “المؤتمر الوطني”، بعد تظاهرات جابت المدينة، وأدت إلى تدخل عنيف لقوات الشرطة، الأمر الذي أدى لسقوط قتيلين. وانتقلت الحرائق إلى ولاية شمال كردفان، حيث أحرق محتجون في 21 ديسمبر مقر الحزب الحاكم في مدينة الرهد، بعد تظاهرات حاشدة.

وجراء تنامي حالة الغضب، وتزايد أعداد القتلى، لجأت الحكومة إلى فرض حالة الطوارئ في ولايات نهر النيل، والقضارف، وشمال كردفان، إلى جانب إغلاق كافة الجامعات الحكومية، وتعليق الدراسة في مرحلتي الأساسي والثانوي في القطاعين العام والخاص إلى أجل غير مسمى.

ولم ينته اليوم الطويل، إلا وقد فرض نظام البشير حجباً على وسائل التواصل الاجتماعي، ما اضطر مستخدمي الهواتف الذكية، لاستخدام كواسر الحجب لمتابعة أخبار الثورة، مع انتشار وسم #مدن_السودان_تنتفض.

وأدى تعاطي البشير مع أزمة الخبز، بمحاولاته تخصيص غالبية حصص طحين الخبز لسكان العاصمة تجنباً لغضبهم، إلى تنامي الشعور بالغبن في الولايات، وهو أمر انتقلت عدواه بسرعة إلى العاصمة التي لم تتأخر بالالتحاق بقطار الثورة السودانية، وتولي دفة قيادته.

وبالفعل دعا “تجمّع المهنيين السودانيين”، وهو الكيان المنظم للاحتجاجات، إلى موكب باتجاه القصر الرئاسي للمناداة بتنحي البشير عن السلطة، وهو مطلب تعاطت معه السلطات بعنف مطلق، إذ استخدم رجال الأمن وكتائب الظل التابعة للنظام الرصاص الحي في تفريق المحتجين، ما قاد إلى حدوث وفيات وإصابات خطيرة، إلى جانب اعتقال عدد كبير من المشاركين، ومن يعتقد بفاعليتهم في الحراك الشعبي. وتعليقاً على هذه التطورات، يقول النقيب المتقاعد إبراهيم السيد، لـ”العربي الجديد”، إن الولايات السودانية لم تكتف بإطلاق شرارة الثورة، وإنما أدت دوراً مهماً في تشتيت الجهود الأمنية، إذ عجز النظام عن إرسال تعزيزات عسكرية إلى المركز مخافة انفراط الأمن في بقية الولايات.

أما عضو تنسيقية لجان المقاومة في المركز والولايات، عبدالله عوض الله، فيقول لـ”العربي الجديد” إن ثورة ديسمبر كانت ثورةً لتوحيد الوجدان السوداني، وظهر ذلك بوضوح في شعارات “كل البلد دارفور” التي لطالما كانت حاضرة في كافة المواكب. وأضاف أن شعارات الثورة جُسّدت على أرض الواقع، إذ عكس ذلك معاناة المكتوين بالحرب، وساكني معسكرات النزوح، وعكس بجلاء إصرار السودانيين على الإطاحة بالبشير.

أما نزار صديق، وهو أحد النشطاء من مدينة عطبرة، فيقول إنه انتقل مع مئات من رفاقه الشباب إلى العاصمة الخرطوم، للالتحاق بالمواكب الثورية، مشيراً في حديث لـ”العربي الجديد” إلى أنه لم يعد إلى مدينته إلا بعد سقوط البشير في 11 إبريل. ويتذكر بفخر كيف وضعت عطبرة قطار الثورة في مساره الصحيح بخروج أهاليها يوم 19 ديسمبر إلى الشوارع، مضيفاً أنه لن ينسى ساعة دخول قطار عطبرة إلى ساحة الاعتصام وعلى متنه آلاف الثوار، قائلاً: “تلك كانت مساهمة ثورية لا تقدر بثمن”. وتابع: “كان شباب الولايات حاضرين بقوة في المواكب المركزية، لعلمنا بأن ثورة ديسمبر هي آخر محاولاتنا لطي صفحة الديكتاتور البشير سيئة الصيت، فلم نكن نريد أن ننكسر كما جرى في هبة سبتمبر المجيدة، حين تركنا ثوار الخرطوم لقمة سائغة لأجهزة قمع البشير ومليشياته”. وكان البشير قد أخمد ثورة شعبية ضد حكمه في سبتمبر 2013 باستخدام العنف المفرط، وسقط حينها أكثر من 200 قتيل معظمهم بالعاصمة الخرطوم.

 

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..