مقالات وآراء

الاعتقاد الخاطئ عند العلمانيون

هنالك اعتقاد خاطئ عند العلمانيون بشكل عام ، و هو أنه بالإمكان التأسيس لمشروع دولة علمانية دون نقد أو تفكيك النص الديني . و هو خاطئ برايئ لأنه لا يراعي العلاقة التي بينهما. فهنالك ثمة علاقة وثيقة بين العلمنة من جهة و التفكيك من جهة أخرى . باعتبار أن شرط العلمانية الأول هو تفكيك النص الديني بما هو متعاليا و محتكرا للحقيقة .
الخطوة هذه _ قد تكون شبه مستحيلة في ظل مجتمع تسوده الاسطوره و الخرافة ، و المفكر الذي يجرؤ علي التفكير في ذلك ستعترضه عدة عقبات كالاصطدام بالقوي الاسلاميه المتشددة التي قد تستخدم سلاح التكفير و الإرهاب ضده ، أو حتي بالمتدين البسيط الغارق في كلما هو خرافي.
هذا الأمر دعا معظم المفكرين العلمانيون الي طرح بديل أو ما تعرف بالعلمانية الجزئية ، اي تلك التي تقتصر علي الفصل بين ما هو سياسي و ديني فقط ،و الابتعاد عن العلمانية الشاملة ، و الاكتفاء أيضاً بتفكيك بنية الخطابات الصادرة عن الجماعات الإسلامية أو أشكال التدين عند المؤمن دون الخوض و التعمق في الظاهرة الدينية بشكل عام . و هذا في الحقيقة لا يساعد ألبتة علي التأسيس لمشروع علماني حقيقي و متين .
هنالك طريقتين للعلمنة :
١- علمانية رأسية ؛ اي من أعلي هرم الدولة إلي أسفلها ، كأن يقوم قائد شجاع مثلاً بفرض العلمانية باصدار تشريعات و قوانين تنص عليذلك ، مثلما فعل كمال أتاتورك في تركيا . و لكن هذه الطريقة قد لا تنجح في السودان ، وإذا قدر لها أن نجحت فانها بالتأكيد لن تصمد كثيرا .
٢-علمانية أفقية : اي من أسفل إلي أعلي ، كأن يجبر الشعب قادته علي فرض العلمانية ، و هي الافضل ، و حتماً ستصمد طويلا لأنها محمية بإرادة الشعب .
من أبرز المهام التي تقع على عاتق المثقف العلماني هي الشروع في عملية التفكيك ، و ليس التبشير بالفكر العلماني فقط مثلما يحدث الآن ، لأن التبشير أو التعريف بالعلمانية وحده لا يكفي . المهم هو نزع القداسة عن الظاهرة الدينية و تعريتها ، و التأكيد علي أن الدين ليس مالكا للحقيقة ، و أن النص ليس وحده مصدرا للأخلاق و التشريع . إذا قدر لذلك أن يحدث سينحاز المجتمع للخيار العلماني من تلقاء نفسه .
المؤسف حقاً أن الشخص الوحيد الذي قام بذلك هو في الواقع محسوب للقوي الاسلاميه و هو المفكر محمود محمد طه الذي اعدمته قوي الظلام . و حتي الآن لم يجرؤ اي مفكر يساري علي التفكير بالقيام بذلك .
صحيح أن التفكير في نقد أو تفكيك النص في واقع كواقعنا السوداني قد يعرض الإنسان للمخاطر ، وقد يقتل ايضا من أجل ذلك ، و لكن إذا كانت قوي الظلام تمتلك الاستعداد للموت في سبيل أفكارها فما الذي يمنع المثقف العلماني من ذلك . و الجبن في حقيقة الأمر لا يؤسس لأي مشروع علماني .
تقاعس اليسار بشكل عام و العلمانيون بصفة خاصة في مناقشة قضايا الدين و الدولة وافساح المجال للقوي الإسلامية للانفراد بتقرير مصير البلاد هو ما دعا الاخوة في الجنوب الي ترجيح خيار الانفصال أو الاستقلال . و هنالك مؤشرات قوية تؤكد علي أن شعوب جبال النوبة أيضاً ستفعل ذلك ، والسودان الوطن الواحد هو الخاسر الأكبر بلا شك ، لهذا تستدعي الضرورة طرح الخيار العلماني بقوة اكثر من اي وقت مضي.

احمد داوود

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. محاولة ممتازة لنهز الفكرة العلمانية ..

    لكن نهج تطبيقي يترصد فيه خطل الايدلوجيا فلطالما عرفت العلمانية كمنتوج بيئي مجتمعي يشمل جل المناحي باعتبارها برادايم و بنية عقلية تأسس لمدنية مغايرة و خصوصا لما بعد الثيوقراطية السلطانية و هي ليست بالجديدة علي المدي التاريخي.. فبعد كل سقوط مركزية ثيوقراطية يعود الناس الي طبيعتهم أي البيئة العلمانية المنتجة بواقع ابتعاد الوصايا الدينية مثال بروذ الانشقاق البروتستانتي باوروبا و تحجيم دور الكنيسة عن السلطان والحم و تفكيك حق الملك الالهي و انبثاق العقل العلمي و تنفس الصعداء لكثير من عقول الفلسفة و اصحاب المنهج التجريبي و الوضعيين.

    أما الحديث عن علمانية تطبقية ذات مسار منهجي تسطر لها القوانين كمطلب جماهيري فيه تجني علي التعريف الابسيمولوجي بمعني المعرفة للموضوع و لن تسلم الجماهير من ردة حادة عن فكرتها و قريبا ليس لخراب هذه القوانين و ثغراتها و انما للتضاد المفتعل و الندية القائمة كممارسة للاوضاع المؤروثة.

    اذا تاتي الحاجة وفق رد فعلية غير معلنة و لكنها سبيل اصلاح و كفر بالتطبيق الغير علماني و المدعي بدرجة حق الملك الالهي و المستحق كتطرف لا يخرج من نكاية ايجاد الردفعلية من الاصل و بحث التفكيكية الثلاثتية في حالة القطر السودان (الهوية الاثنية – الهوية الوطنية – المؤسسسية و يمكن اضافة الدينية) التي تنتج حالة الفوضي و الا وطن تعزز في ذلك اعتوارات الضعف السياسي و عدم مقدرة الفاعلين بها لملمة احجية الاستراتيجيات القارية و مركزيات نشطة في نوع كولونالية جديدة و منها القطبية الامريكية و الاغراء الاوروبي ذات الاس التاريخي لكثير من دويلات العالم و منها السودان.

    ففي نقاش التفيكية للنصوص الدينة و هدم القداسة المؤروثة لمجتمعات لم تشكل حرذيتها المؤسسية كوطن بعد و لسلطان قانون فيه كثير من المخاطر و هي شظايا التحول ان افترضنا الاتفاق علي اقلته عند النخب الفاعلة. فالمكنون الديني التصوفي و مندرج الحياة المتأثرة به له الاثر الاول و يعتبر الضامن للحمة المجتمعية و حاجاتها الانسانية حتي ان عزمها يوازي الية المؤسسية و ما يتطلب و يجب توفيره حال الامن و الغذاء الخ.

    فالراحل محمود محمد طه و غيره من الاصلاحيين يمثلون ظاهرة واتتي اهمية قراءة مشاريعهم في تصحيح للوعي اللاهوتي و الناسوتي علي السوي و منهم نذكر علي سبيل الحداثيين المتوفي الدكتور محمد شحرور قبيلة يوم أمس رحمة الله عليه و الشارح الدكتور عدنان أبراهيم خطيب المسجد و صاحب التسجيلات و المحاضرات الرائعة في الفلسفة و المنطق و الداروينية و صاحب المشروع العريض محمد أركون المحتفي به باريسيا و من السودانيين محمد ابو القاسم حاج حمد السوداني و الاخير له نصوص تعجب عن العلمانية و لاقت دراساته اهتمام بالغ عند المغارب العربية و لا ننسي بروفسير عبد الله علي النعيم صاحب ( الاسلام و علمانية الدولة).

    يتبقي لنا التشديد علي عدم اهمية التعريف العلمانية كتطبيق و نهج يطلب وانما فقط الابتعاد عن الوصيا الاصولية واعتوار السياسي المتكسب لها.. فالارض كفيل بانتاج عملنيتها المتوازنة و ليس التطبيقية.

  2. ” تفكيك النص الديني”.. أي أن المشكلة في رأيك ليست في من يطبقون النصوص الدينية وطريقة تطبيقها.. بل المشكلة في النص الديني نفسه.. طيب ياخ حين تهاجم الاخرين بعدم الشجاعة لأنهم لم يفككوا النص الديني.. هل يمكن أن تشرح لنا بشجاعة أكبر ما تعنيه بكيفية تفكيك النص الديني ؟!!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق