مقالات وآراء

نحو عمل نقابي ديمقراطي

إسماعيل عبد الله

أخيراً تم حل نقابات و اتحادات النظام البائد , ويظل التحدي القائم هو كيف نؤسس لعمل نقابي غير مسيس؟ وهذا التحدي هو شبيه بذلك الامتحان الصعب الذي واجهته قوى اعلان الحرية و التغيير قبيل تكوينها لمجلس وزراء الحكومة الانتقالية , حينما كان رموز وقيادات قوى اعلان الحرية و التغيير ينادون بعدم اتباع نظام المحاصصة في طريقة اختيار وزراء حكومة حمدوك , حتى وقعوا اخيراً في فخ المحاصصات الحزبية الضيقة, فتم تقاسم الكعكة السلطوية الانتقالية, بين احزاب الشيوعي و الامة و البعث و الناصري و الجمهوري, فهل يا ترى تستطيع حكومة (قحت) المؤقتة أن تضع لبنات و أسس متينة لقيام هيئات ونقابات و اتحادات مهنية حقيقية؟ , من دون تدخل مباشر ولا وصاية أو لعب أي دورٍ كان في تشكيل هذه الكيانات ؟ وهي, أي (قحت), مازالت تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية؟
اذا تم تكوين نقابات عمالية و فئوية بعيداً عن الاستقطاب السياسي, يكون قد اطمأن قلبنا وتأكد من حتمية حدوث التحول الديمقراطي الكامل وغير المنقوص, بعد انقضاء فترة الحكومة الوكيلة النائبة عن الشعب (الحكومة الانتقالية) , ان من أميز مخرجات أي عملية ديمقراطية لتكوين النقابات هو ضمان عدم موالاة الاجسام النقابية المنتخبة هذه للنظام الحاكم, فجميع الديمقراطيات الشهيرة في العالم تحرسها هذه الهيئات والاتحادات المهنية المستقلة, وتكون بمثابة العين الساهرة على حقوق الفئات و الجماعات التي تنضوي تحت لوائها , و كذلك تصبح الرقيب الأمين على سير عمل الحكومة التنفيذية, لاحتوائها على مهنيين لهم باع طويل في جميع اختصاصات الحكومة ووزاراتها.
ما أود أن أشير إليه هو ان جميع احزابنا التقليدية اعتادت على دس انفها في جميع الانشطة النقابية و الرياضية والأجتماعية , والجبهة الاسلامية ليست هي التنظيم السياسي الوحيد في السودان الذي سلك هذا المسلك الفطير, هنالك الكثيرين الذين انتهجوا ذات النهج, ونذكر منهم على سبيل المثال نقابة عمال السكة الحديد سابقاً, وسيطرة الحزب الشيوعي عليها حتى حدوث انقلاب الاخوان المسلمين, الذين بدورهم قاموا بتكرار ذات الأمر عندما دانت لهم السلطة, فاذا لم تتخلى النخب الحزبية التقليدية عن هذا السلوك حتماً سوف نرى تكالبها ونشهد معاركها التكويشية, في الاستحواذ على اتحادات المحامين و الصحفيين و الاطباء و المهندسين…. الخ, فهذا السيناريو متوقع حدوثه, أقول ذلك لأن ما تم خلال ارهاصات تكوين مجلس وزراء حمدوك, ليس بعزيز على ما سوف يتم في ماراثون تكوين الهيئات والنقابات والاتحادات الجديدة في المستقبل القريب .
إن ممارسة الفعل السياسي في بلادنا ومنذ الاستقلال اخذ طابع الحشد وغلبت عليه ظاهرة تكبير الكوم, و التنافس المحموم حول إدارة لجنة الحي ومجلس الفريق فيما بين مكونات هذه الطبقة السياسية التي انتجها مؤتمر الخريجين, مما أدى إلى إهدار طاقات بشرية مهولة في صراع مترف ينطلق من الايدلوجيا حيناً و يستغل الدين أحياناً أخر, ما نتمناه و نحلم به, والحلم مشروع خاصة مع تباشير حلول الذكرى الأولى لثورة ديسمبر المجيدة, أن يتعظ الجميع ويعي عدم جدوى معارك الماضي الدنكشوتية التي لم نرث من ركامها وغبارها سوى الكراهية و البغضاء و انكسار ظهر الوطن, فيا ايتها الأحزاب السياسية دعي عنكي شأن العمل النقابي لأهل المهنة, واتركي الاطباء و المهندسين و المحامين و المحاسبين و الزراعيين ينظموا شئونهم النقابية المفضية إلى تكوين اتحاداتهم الخالية من ولوغ رجال السياسة و خطباء الدين في إنائها.
من موجهات ثورة ديسمبر المجيدة تغيير المفاهيم العقيمة التي اقعدت البلاد عن التطور و التقدم, وحرمتها من تحقيق الازدهار والرفاه, وهذا الجيل الديسمبري الأنيق والذكي اللماح لا يسمح باعادة انتاج الافكار القديمة والبالية, و لا يرضى بغير التطلع الى الثريا و مناطحة العوالم الرائدة , لهذا السبب و لأسباب كثيرة لا يسع المجال لذكرها واجب علينا تأسيس كيانات نقابية, تكون أولى أولويات اهتمامها ومتابعتها لحقوق اصحاب المهنة في المقام الأول, ثم بعدها تتفرغ للثانويات.
من البديهي أن لهذه الحكومة الانتقالية مهام محددة و مختصرة, ومجملة عامة في تهيئة الجميع لمرحلة الانتخابات العامة المقبلة , بعد ثلاث سنوات, و بما انها تعيش تحت كنف ورعاية تحالف قوى اعلان الحرية و التغيير, فانّ رسالتنا موجهة في الأساس وبصورة مباشرة الى هذا التحالف الوطني العريض, الذي (دق صدره و حلف يمين) وقال أنه سيرعى فترة الانتقال رعاية صادقة وأمينة, وأنه سوف يؤسس لجو ديمقراطي ومدني يلبي مطالب الثوار الديسمبريين الأماجد, فيا (قحت), إعلمي واعي أنها السانحة الأولى والأخيرة التي منحها التاريخ للشعوب السودانية لأن تكون كما تود, فكفي أيديكي عن نقابات عمال و مهنيي السودان, و خلّي بينكي وبينها وأجّلي المطامح السياسية لموعد الانتخابات العامة القادمة.

إسماعيل عبدالله
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..