مقالات وآراء سياسية

نحو منهج تعليمي يحترم عقول طُلابه (4):

د. عثمان عابدين عثمان

حدثت القطيعة بين الإسلام ومعرفة العلم والمنطق والتجريب في عشية إنتصارالسلطة السياسية لمشروع المذهب الأشعري المناهض لفلسفة المعتزلة الداعية لتبني منهج سيادة العقل على النقل في في التفسير والتأويل. في أعقاب ذلك تكالب مفكرون إسلاميون من أمثال أبوحامد الغزالي، إبن تيمية وإبن قيم الجوزية علي المعسكر المعادي لمبدأ حرية الفكروالبحث لسيطر من بعدها الركود الفكري والحضاري على المجتمعات الإسلامية ويدخل العقل الإسلامي في ثبات عميق – طويل تخللته صحوات متقطعة علي حقيقة التقدم المادي والتفوق التكنولوجي للحضارة الغربية بفضل العلم وتطبيقاته التي تخدم رفاهية الإنسان وسعادته.

تَمَحورت منظومة الأفكار الداعية لأسلمة المعرفة حول مفهومي ‘الإعجاز العلمي في القرآن’ التي تقول بالبحث عن المعرفة والعلم بين سطور الكتاب المقدس ومفهوم ‘أسلمة العلوم’ الذي يفرق بين الفكر الإسلامي الذي يهتم بعِلمْ العقيدة والحياة والمعارف والعلوم الأخري- الغير إسلامية. لأسباب واقعية وعملية ساد مصطلح “أسلمة المعرفة” الذي يستند إلي مبدأ التعميم القائل بأن ‘كل المعرفة أصلها الإسلام’ وأن العلوم والإختراعات هي هبة من جلال الخالق العارف- العالم ولا فضل لإنسان بها على آخر طالما أن العقل والإسلام يجسدان إرادته وملكوته.

إذاً، مَثَّل مصطلح أسلمة المعرفة مجموعة الأنساق الفكرية التي هدفت إلى بناء مشروع نهضوي إسلامي يرمي لمعالجة قضايا الإنسان المسلم وإخراجه من حالة الركود الثقافي والمادي الذي يعيشه.  في هذا السياق، نَظنه من المفيد التذكير بتصنيف علم نظرية المعرفة الحديث (الإبيستيمولوجي) للمعرفة المستمدة من مصادر الوحي المباشرة  على أنها من ضمن المعارف المُسْبَقة التي يُفْترض وجودها كجزء من عملية الخلق والبناء الحيوي للإنسان وبالتالي تغنينا عن البحث والإجتهاد في معرفة طبيعتها وإكتشاف النظم والقوانين التي تتحكم في إنتاجها؛ والمعرفة الللاحقة التي تقع من ضمن ما يُعرف ب – المعرفة المكتسبة – التي يتتحصل عليها الإنسان بعد أن يتحقق وجودها المعنوي أو المادي بالتساؤل والبحث والتجريب.

أُستخدمت عبارة ‘أسلمة المعرفة’ لأول مرة من قبل  بروفيسور سيد محمد النقيب العطاس(1)، الفيلسوف الإسلامي- الماليزي، وذلك في كتابه “الإسلام والعلمانية” الصادر في عام931، في العاصمة الماليزية كوالا لامبور.  أما في كتابه “مفهوم التربية في الإسلام: إطار لفلسفة التربية الإسلامية” فقد وصف بروفيسور العطاس التعليم بأنه “الغرس التدريجي للإدراك والتسليم بالوضع المناسب لمكان الأشياء في ترتيب الخلق بحيث يؤدي ذلك إلى إدراك وجود الإله ومن ثم إلي معرفة الفرد لمكانه في ترتيب ذلك الوجود بكلياته.” إفترض بروفيسور العطاس بان تجليات مظاهر التربية الإسلامية التي تتمثل في التقيد بتعاليم كتاب القرآن ستقود لأسلمة العقل والجسد والروح لقول في ذلك “أن مفهوم التعليم ليس محصورا في نظرية المعرفة فقط، بل يتعدي ذالك ليشمل نظريات أخرى ومفاهيم منها الأخلاق، لذلك، من ضمن الأهداف السامية للتعليم هو تتناسقه مع خصائص الإنسان. هذا التناسق ليس فقط بالأفكار والأفعال أو بالغريزة والمنطق والعاطفة والشعور، لكن، أيضا، بعمق المعرفة وجمال الخصائص.” (al-Attas, 1977).

ترسخت المعارف الإسلامية في عقل المفكر والباحث في علم اللاهوت، الأمريكي- الفلسطيني الأصل،  ومؤسس المعهد الدولي للفكر الإسلامي الذي مقره الولايات المتحدة، د. إسماعيل راجي الفاروقي(2)  على أنها “ليست معرفة من أجل المعرفة، فحسب”، لكنها معرفة “تتماشي مع تعاليم القرآن ونواميس الحياة والكون؛ معرفة لا تسيء إلى السابقين من علماء ألإسلام؛ تحرر المجتمعات الإسلامية؛ تضع الأخلاق قبل المعرفة؛ تشجع ألإجتهاد وتحث علي استخدام الأساليب العلمية الإسلامية.” لذلك، كانت عنده أسلمة المعرفة مسألة “إعادة صيّاغة المعرفة على أساس علاقتها الإسلام” التي تبدأ ب “إعادة تعريف المعلومات وتنسيقها والتّفكير في المقدّمات والنّتائج المتحصّلة منها على أن يُقَوَّم من جديد ما أُنتُهِيَ إليه من إستنتاجات وأن  يُعاد  تحديد الغرض والأهداف منها بطريقة  تجعل تلك العلوم  تثري بالتّصوّر الإسلامي وتخدم قضية الإسلام ووحدة الحقيقة والمعرفة والإنسانية والحياة والطّبيعة الغائيَّة للخلق وتسخير الكون للإنسان ولإدراك الحقيقة وتنظيمها.” في رده على ما أصطلح عليه ب – “توعك الأمة ودمج النظامين التربويين” كتعبير عن أزمة المعرفة في العالم الإسلامي، ألقي د. الفاروقي نائحة اللوم على فلسفة حركة الحداثة الغربية  في تجاهل ظروف الواقع البيئي والإجتماعي للدول الإسلامية وإنتقد نظم التعليم المزدوج في الدول الإسلامية التي إستثنت المعرفة العلمية الحديثة من نطاق مشروع الأسلمة لعزز بذلك الإنقسام القائم بين العلوم الطبيعية والإنسانية. (al-Faruqi، 1982).

في كتابه ” نحو لغة إنجليزية إسلامية” (al-Faruqi، 1982) طرح د. الفاروقي أسلمة اللغة الإنجليزية بإفتراض سبب خلقها الغير مسلم وبالتالي حتمية تشوه حَمْلها لعقيدة الإسلام، أو هكذا بى لنا. لكنه لم  يدلي برأيه، ضمناً أوصراحةً، في ما إذا شكلت عنده اللغة، في حد ذاتها، معرفة متماهية مع النص الديني في أصله أو فرعه. في هذا، قد يُفهم أن مضمون مقاربه د. الفاروقي لتأويل النص يُشابِه مقاربة المعتزلة الصريحة في سيادة العقل علي عملية الفهم والتفسير، علي الرغم من عدم تطرقه لمعضلة ثنائية الذات المقدسة والكلام الإلهي.

بعد كل هذا شكل التوحيد عند الفاروقي المصدر الأساسي للمعرفة في الإسلام ليقول في ذلك: “التوحيد هو المصدر الذي يحدد كل ظواهر الحضارة الإسلامية” على الرغم من “أن العقل الإسلامي المتحرر ليس بالعلماني ولا يجب عليه أن يتخلى عن روح الرغبة في بحث ودراسة عالم المادة. فالنفس تسعي لتحقيق تلك الميزة والدين يوجهها إلى تبني منهج النقد والتجريب في مقاربته المعرفة. ” (al-Faruqi، 1982).

في مجمل ما سبق ذكره فإن المعرفة الغربية، بالنسبة لدكتور الفاروقي، توجد في حالة عداء وتضاد مع الإسلام وتسعى إلى إلغاء القيم والمثل الدينية، لذلك تجعل الإنسان عرضة لنهم الغرائزوشغف النزوات. أما من ناحية الأخرى، في محاولته للتعبير عن مخاوفه بشأن رفاهية وسعادة البشرية وأهمية المعرفة لتنشئة ورعاية العقل النقدي والمتحرر ساوى د. الفاروق بين الحداثة في الثقافة الغربية والمعرفة في إسلام التوحيد. كذلك، وعلى الرغم من أن د. الفاروقي قد ذهب بتنظير منهجه الإسلامي، ولو بتردد، لمنتصف الطريق، لملاقاة المعرفة في الثقافة الغربية، إلا أنه عجز عن الأتيان برؤية واضحة في كيفية أسلمة العلوم التي تقع خارج نطاق علوم الدين والعقيدة. هذا القصور والتناقض الصريح يفرض علي العقل الناقد التكهن بالأسباب التي جعلت د. الفاروقي غير قادر على إنتاج نظرية أسلمة شاملة لكل أنواع المعرفة التي يفترض سقوطها خارج دائرة عقيدة الإسلام. ربما يكون السبب في هذا العجز والتقصير، في تقديرنا، أن د. الفاروقي لم يتمكن من إيجاد علة الأثر السالب للمعرفة الغربية على عقيدة وفكر الإسلام؛ أو، ولأسباب عملية، أدراكه الخجول بإستحالة تطبيق منهج لاهوتي علي معرفة يتطلب إنتاجها إتباع أساليب وطرق لاتعترف بحدود وشروط منهج العقيدة والإيمان؛ أو ربما كان لإدراك بحاجة الهوية الإسلامية لمعينات المعرفة والمادة  في الحضارة الغربية للتغلب على تفوقها وسيادتها كما عبر عن ذلك بقوله “للتغلب علي رغبة الحسود و المستبد”.

يبدو في ما سبق أن الأنساق الفكرية لمشروع النهضة الإسلامي ترى أنّ المعرفة الغربية تتعمد التفريق بين المعارف المستمدة من الوحي والمعارف المستمدة من الوجود المادي البحت، لكنها، في نفس الوقت لاترى غضاضة أو حرجاً من إعادة تعريف وتوظيف المعرفة العلمانية حتى تكون جزء من منظومة المعرفة المستمدة من تبرير النص وتفسيره بغض النظر عن التناقض العضوي الذي يفرض إقصاء كل منهما الآخر. هكذا أيضاً فهم د. سعيد عبيدي الغرض من أسلمة المعرفة في مقاله “أسلمة المعرفة: المفهوم والمشروع” حيث قال: “أسلمة المعرفة إذن عملية مقصودة لتوجيه المعرفة بعمومها؛ فكرًا وسلوكًا وتطبيقًا في ضوء معارف الوحي- قرآنًا وسنةً والاجتهاد في نصوصه بما تقتضيه النّظرة الإلهية للإنسان والسّنن والنّواميس بحيث توثّق منه مصادر المعرفة وسبل الحصول عليها، أوّلًا؛ وتفسّر فيه الظواهر المتعلّقة بالإنسان والنّفس والكون، ثانيًا؛ لتوظّف المعرفة الناتجة بما يحقّق للمسلم عبوديته المطلقة لله، ومهمة استخلافه للأرض وعمارتها؛ ثالثًا، ولتقدّم الإنسانية المعاصرة مشروعًا حضاريًّا جديدًا لحلّ معضلاتها الفكرية والعقدية والاجتماعية والأخلاقية المستعصيّة، رابعًا.” (عبيدي، 2017).

عموماً، ولتقرير الواقع الحاصل، إستحال تطبيق مفهوم أسلمة المعرفة الذي ظلَّ  أسيراً للنص الديني الثابت على واقع متعدد ومتنوع ومتغير وفشل منظري فلسفة الأسلمة في إيجاد المبررات اللاهوتية للتعامل مع الحقائق العلمية التي يحتوي جوهرها علي عامل الشك وعدم الثبوت بالإضافة لطرحها المستمر للأسئلة الوجودية التي تتعلق بأصل الكون ومبدأ الخلق والتكوين فلم يبقى لدعاة أسلمة المعارف غير إلقاء اللوم – كل اللوم على طبيعة المعرفة في الحضارة الغربية ووصمها بالتحيز لقيم ومفاهيم  بيئتها المحدودة وإنكار حقيقة أن دافع اللِحاق بالحضارة الغربية  كان الطاقة المحركة لمجهودات أسلمة المعرفة التي لم تترك أثرا غير دخان كثيف لأنها لم تكن ثمرة جُهد ذاتي إنطلق من فرضيات وملاحظات  مستقلة أُستنبطت من داخل محيط المجتمعات الإسلامية التي رمت لتغييرها.

هوامش

1 – السيد محمد النقيب بن علي بن عبد الله بن محسن العطاس أحد  فلا سفة مدرسة الاهوت التي ترى أثر الإسلام في حياة الناس الشخصية والجماعية من خلال ما أسموه أسلمة الجسم والعقل والروح. بعد إكمال مرحلة الدراسة الثانوية التحق العطاس بالقوات النظامية الملايوية، ثم بالأكاديمية العسكرية في إنجلترا، ثم بالقوات الملكية للاتحاد الفدرالي الملايوي التي خاض معها حروبها في مواجهة الحركات الشيوعية المسلحة ليستقيل من الجيش ويلتحق بجامعة الملايو بسنغافورة. أكمل العطاس دراساته العليا بكندا ولندن وبعد حصوله على درجة الدكتوراة بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية عين عميدًا لكلية الآداب بنفس جامعة الملايو بكوالالمبور والتي فيها أنشأ المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة بغرض الجمع بين علوم الإسلام والعلوم العصرية ولتكون نموذجًا لمفهوم إسلامة المعرفة.

2 – إسماعيل راجي الفاروقي هو مفكر أمريكي من أصل فلسطيني قام بتأسيس المعهد الدولي للفكر الإسلامي في  الولايات المتحدة الأمريكية. تزوج الفاروقي ب- لويس إبسن، الأمريكية، المسيحية التي تحولت إلى الإسلام بعد زواجها وغيرت اسمها إلى لمياء الفاروقي . إنتهت حياة الفاروقي وزوجته التي سير ظاهرها قيم وتعاليم الإسلام بطريقة مأساوية ساورتها أتهامات أحد طلبته له بإقامة علاقات مثلية.

 

د. عثمان عابدين عثمان

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..