مقالات وآراء سياسية

ديوان نهضة السودان الجديد

د. قاسم نسيم  

لم تكن لغة الشعر الدارجة السودانية بدعاً طارئاً أحدثته اللحظة، بل هي الأصل والسبق،  فما تناهى إلينا من قديم الشعر السوداني كان كله بالدارجة، ثم عنَّت لنا في عهد الفونج بعض محاولات لتفصيح الدارجة، وقد طفقت متعثرة تنتصب وتسقط حتى استقامت عصماء في العهود اللاحقة، بيْد أن الشعر الدارجي لم يتوقف يوماً عن الصدوح، ولم يكل عن التدفق، فكان يُسمع هديره موازياً للفصيح الذي لم يكبحه أو يهزمه، بل المشاهد أن شعر الدارجة ظلَّ دائماً أكثر رواداً، وأكثف حضوراً في المجتمع، لا سيما حينما يكون المعترك قضايا الوطن الكبرى، وحينما يكون الشأن شأنٌ جماهيري.

والوقت وقت ثورة، فهل ثمة شأن ألصق به جماهيراً؟ ولعلي لا أجانب الصواب إن قلت: الشعر مثَّلَ صافرة انطلاقها، ونحاس حماسها، ومدونة شرعتها، وآسي أحزانها، كل نفثات الثورة كانت شعراً، كان هتافها شعرا، وخطابها شعراً، وإرهاصها كان شعراً، فلا غرو أن تقذف لنا بهذا الكم الوافر من الشعراء والشاعرات، اتخذ أكثرهم الدارجة قواماً لكلمته.

وشاعرتنا نازك إبراهيم البدوي تقف في موضع متقدم بين هؤلاء الشعراء الذين أهدتهم لنا الثورة، بعد أن أنضجتهم في مرجلها، وأدبتهم بأدبها، فها هي ذي باكورة دفقها تشبه الثورة في كل شيء، في كلماتها وأوزانها وإيقاعها وقوافيها، أنت صادق إن أطلقت عليه السهل الممتنع؛ فكلماتها لم تخرج عن متداول معجم العاصمة، فلا نجد تلك الكلمات التي تميزت بها بعض النواحي والقبائل، فهي إذن عاصمية صميمة، ومعانيها قريبة المأخذ لا تعقيد فيها ولا التواء، وطريقتها الاهتمام بالمعنى أكثر، وأن تجشم اللفظ وجار على الوزن، فلا مناص من إبلاغها للمعنى تحمله تطأ به اللغة والكلمة والإيقاع، وموسيقاها ما خرجت عن موسيقى أناشيد الثورة وأوزانها، بل لعلك تجد أكثر من قصيدة على وزن وروي قصائد الثورة المشتهرة، وهذه الأوزان أدنى ملابسة وأخيل إيقاعا مع الثورة وحراكها، من أجل إزكاء اللهيب وبث الحماسة، لكنها لا تنسى وسط كل هذا الحماس أن ترسل وتوجه الثوار إلى المعاني الدينية للثورة التي تعتنقها، فالشاعرة ثورية قُحة لكن لها فهمها للثورة لا يحيد عن مقاصد دينها الذي تتحذه دستورا وقيماً، فقد تجلت روحها الإسلامية في أكثر من قصيدة، ففي قصيدتها (دستور جديد) تقول:

دايرين دستورنا بالقرآن

نخضع ليهو وين ما كان

ولتضمخها بالقيم الإسلامية؛ كانت توظيف رموز الشعائر الإسلامية في قصائدها وصورها، تقول شاعرتنا وهي تصف وقوف المتظاهرين في ساحة الاعتصام تحت هجير الشمس مشبهة وقفتهم برمي الجمار:

مقيم على مر النهار

كأنوا في رمي الجمار

هنا صنعت صورتها الفنية الجزئية موظفة رمزية شعيرة رمي الجمرات في منسك الحج، فأعطى التشبيه الصورة طاقة وشحنة درامية، ومن ذلك توظيفها لرمزية انتصار الإسلام في (حطين) لانتصار الثورة في قولها:

سقطُّوا رجعتوا مندسين

ضربتوا كأنوا في (حطين)

فبجانب ما أحدثه توظيف الرمز من شحن لصورتها الفنية وتحريكها حتى جعلت المعنى يضج بالحياة، فقد أسبغت على أنصار الحكومة المخلوعة صفة الصليبيين وعلى الثوار صفة المسلمين في معركة حطين المعروفة، وهذا أعده من أنكى الوصف، وقد حفلت قصائدها بكثير من صور توظيف الرموز الإسلامية مثل (مكة، منى، عمر بن الخطاب،…) توظفها في قصائدها ممن يكشف لنا على ثقافة إسلامية تنضح بها نفس الشاعرة، وقدرة توظيفية عالية لتلك الرموز.

لم تكتف شاعرتنا بالكتابة بالدارجة السودانية احتفاءً بسودانيتها، بل أمعنت فيها بتوظيف التراث السوداني في قصائدها، تقول:

نهتف ليك بالمردوم

إنتو براكو جبتوا اللوم

 

تريد النظام السابق الذي جنى على نفسه بأفعاله، فهي تهتف في تظاهراتها ضده بإيقاع المردوم الكردفاني الصاخب الذي يفترُّ عن قوة وعزيمة ومضاء، وتجلت سودانيتها أيضاً في حشد رموزها الوطنية السودانية أمثال على عبد اللطيف وبنونة ورابحة ومهيرة وغيرهن.

كان لا بدَّ أن تغني لبنات جنسها شأن أي مرأة تعبر عن نفسها،  فغنت للمرة السودانية ودورها في الثورة ومجدها في التاريخ، وكنَّت لها بالرمز السوداني المشهور (عزة)، تقول:

عـــــــــــزة في أحزان  شديدة

يلا  اكتـــــبـــوا  للقصيدة

(عـــــــــزة)  مدت لينا إيدا

قصيده فيها صفات جديدة

وهي قصيدة من أنصع القصائد وأجملها، انمازت بموسيقاها الدافقة وقافيتها الجميلة، كما غنت (لعزة) الأم وقلبها الذي مزقه الرصاص حينما اخترق جسد وليدها الشهيد، فقد كان شهيدها غيث حياتها، وغيمة نهارها.

وقد حملت قصائدها الدعوة للحرية والديمقراطية ونبذ الجهوية، وغنت للوحدة والسلام وحب الوطن والحوار وما شابه ذلك من معاني، وقصائدها ثورية دفاقة، هتافية مباشرة، فلا تحتاج مثل هذه القصائد لحشد الصور الفنية، فمقصدها الجماهير ورسالتها الثورة ، لذا قل الاهتمام بحشد الصور الفنية عندها وإن لم يُعدم.

والثورة في وعيها لم تأت دفعاً لمسغبة بل دحضاً لحكم الطغمة، فثورتها سامية عن أدناس الحاجات والمطالب البشرية، وتقديرها للسيادة الوطنية كان حاضرا فهي تفرق بين ثوريتها التي أردت النظام المخلوع، وتمسكها بالسيادة الوطنية التي لا تسمح بمحاكمة الرئيس المخلوع خارج وطنه وفي ذات الوقت تعلن عميق تمسكها بقوى الحرية والتغيير وتنادي بالاتفاق معها

ما نتحاكم للجنائية

يلا اتفقوا مع الحرية

ومن أجمل قصائدها قصيدة (حال البلد)

فتحت لي نفس الطريق

لقيتو ساهي عشان أصل

 

كتبت في الثورة الكتير

بديت ألملم في الجمل

ما قصدي إتكلم كتير

بس قصدي أحلامهم تصل

ووصفت الواقع قبل الثورة بدقة وأسى

صف بنوك ومواصلات

أفرامنا تحكي عن الحصل

الشايب في صفو بقيف

في حالتو قرب للشلل

الراجل عشان كيس الرغيف

لملم شباشبو وقام رحل

مريضنا في المستشفى ديك

روشتة بصرفها بالأهل

 

 

وقد سعدت غاية السعادة بتفرس هذا الديوان، والتملي في قصائده، وهو بلا شك يأذن بإطلالة شاعرة سيكون لها موضع في خارطة الشعر الثوري السوداني.

 

د. قاسم نسيم

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..