مقالات وآراء سياسية

مفارقات 2019

أحمد الفكي

رئيس الوزراء السيد عبداللة حمدوك  يؤكد صعوبة ان لم يكن استحالة التحول من بيروقراطي باكبر موسسة بيروقراطية الى  رئيس وزراء اعظم ثورة فى التاريخ الحديث. فهو مثل المليونير الذى لم يجمع ملايينه بكده وفكره وعمله بل هبطت عليه عن طريق اللوترى او ورثها من والد مات فجاءة. لقد كاد ان يموت من الجوع وفى حسابه ملايين الدولارات لانه لا يجيد الطبخ او لا يعرف كيف يديرها. جماهير الثورة تستقبله فى المطار فيخرج من البوابة الخلفية. يقبل مقابلة عبدالواحد وحركته المسلحة بلا سلاح بصفته الشخصية لا كرئيس  وزراء ثورة. لا يخاطب لا الشارع ولا لجان الأحياء ولا المقاومة ولا يصرح ليملك الشعب الحقائق . اكثر ما تعلمه من الثورة  هو رفع علامة النصر . يدخل الإنجليزية فى اية جملة مهما كانت قصيرة  ناسيًا او متناسيا انه رئيس وزراء حكومة ثورة فى السودان وليس فى بريطانيا او الأمم المتحدة.

ظل اداء حكومته واداوه اقل من المتوسط رغم الشعبية والحب الذى يتمتع به. احاط نفسه بمجموعة من المستشارين الذين اقل ما يمكن ان يوصفوا به انهم مجموعة من الساسة الفاشلين بدليل دعوات بعضهم المشاترة والشاذة لمصالحة تاريخية مع الكيزان ونظامهم الذى ثار الشعب ضده ولا زال حيا ولم تتم تصفيته بعد.

لعل السيد حمدوك يخلع عباءة موظف الأمم المتحدة فى العام 2020  ويلبس  عباءة رئيس وزراء اعظم ثورة فى التاريخ الحديث.

لعله يعرف سر قوته والآمال العظيمة التى يعلقها عليه الشعب. لعله يعرف ان الصمت على صمته  لن يطول وان الالتصاق بالشارع، شارع الثورة هو الضامن الوحيد لدخوله التاريخ من اوسع ابوابه كمحقق لآمال وتطلعات شعبنا الذى اسقط مشروع الهراء الحضارى ويستحق ان نعمل من اجله بكل شفافية وتجرد. لعله يعلم ان أفضل عيون يمكن ان تمتلكها حكومته وترى بها فى ضباب الواقع المعقد وأوهام المستشارين الذين لا يعرفون ما لا يعرفون هى عيون الشارع.

لعله يبتعد عن جماعات شكرا حمدوك والصحفيين الطبول ويلتصق بالشارع بكل قسوته ولغته التى لا تعرف الغتغته والتى ستحتاج منا جميعا ان نتعلم الاستماع اليها وعدم التسرع لادعاء فهمها. فهى الأكسجين الحقيقى لأية حكومة جادة. انه الأكسجين الحقيقى الذى لا يمكن الاستعاضة عنه بأنابيب المستشارين السياسيين رغم أهمية الجادين منهم.

2

ثورة ديسمبر احد اعظم معالم إنجازات البشرية الحديثة. فهى لا تقل أهمية عن اختراع الدبابة ولا هبوط الانسان على سطح القمر. أقول هذا وكلى ثقة مما أقول  وأنا لست  بوب ودوارد ولا محمد حسنين هيكل ولكن اعلم أهمية ما قامت به هذه الثورة.

لقد اسقط شعب اعزل حكومة مدججة بالسلاح وبفهمها للدين الذى حول قادتها ومنتسبيها الى أدوات لاحتقار واضطهاد وقتل هذا الشعب الذى يؤمنون انه وجد ليكون اداة لقيام وتمكين مشروع الهراء الحضاري.

يظل الجانب الاصعب فى مواصلة هذه الثورة هو استيعاب أحزابنا لدروسها ووضع هذه الدروس موضع التنفيذ وبأسرع ما يمكن:

يجب الاتفاق على الحد الأدنى الذى نحارب جميعنا من لا يلتزم به. هذا الحد الأدنى هو الوطن، السودان الديمقراطي، سودان المؤسسات وفصل السلطات، سودان الصحافة الحرة المستقلة ، سودان القضاء المستقل وسودان البوليس الذى يحترم القانون والذى اخشاه انا وأنت كما يخشاه الوزراء والحكام.

يجب ان ينتبه الساسة الى الضرر الذى أحدثوه  بالسياسة والى انعدام الثقة فيهم وهو امر خطير جدا حيث لا سياسة بلا سياسيين. وهو ما ادى الي السعى الى ان تكون الحكومة الانتقالية من خارج الأحزاب. يضاف الى هذا الضرر الذى احدثه قادة الحركات المسلحة والذين باعوا واشتروا فى قضايا الهامش وفاوضوا الطاغية عشرات المرات وقبضوا الثمن. ولا زالوا يساومون ويقايضون.

يجب ان يتفقوا على قسم او بيان يتفقون فيه على قواعد لعبة السياسة بينهم وعلاقتهم بالشارع وبالمواطن. ان تعليق الخراب السياسى بالمؤتمر الوطني وحده رغم  جرائم المؤتمر الوطني لهو تبسيط يجب عدم الوقوع فى شراكه. نحتاج الى هذه المبادرة والتى يجب ان تلتزم بتنظيف الأحزاب لصفوفها وبداية ممارسة الديمقراطية حتى تقوى عضلات الديمقراطية فى جسد هذه الأحزاب  وتستطيع السماع للشارع والاحتكام اليه فى صحة او خطا سياساتها. وحتى تستطيع ايجاد آليات ديمقراطية لتصريف أمورها وتداول السلطة داخلها. لقد انتقل العالم من حولنا وخاصة ما يسمى بالعالم الاول من قادة الأوامر الذين يأمرون وينهون الى القادة الخدام الذين يخدمون اكثر من ما يأمرون.

يجب ان يفسح كبارنا المجال للشباب. هذا ليس تقليلًا من شان الكبار ولكن سودان اليوم سيغيره هؤلاء الشباب الذين تمكنوا من الإطاحة بالبشير وسيطيحون بأركان نظامه وبالعقلية التى أوجدته. ان اهم رأسمال لتنمية اية أمه هم شبابها. انهم راس المال البشرى والذى ولحسن حظنا نتمتع به ويجب تدريبه وإفساح المجال له. الخبرة لا تعنى تراكم السنين ولا تعنى ان ما عاش خمسين عاما او مارس السياسة لخمسين عام أفضل من الذى مارسها لعام او عامين. قد تمارس السياسة لخمسين عام وهى عام واحد مكرر من الفشل لم تتعلم فيه درسًا واحدًا صحيحًا. افسحوا المجال للشباب ودربوا انفسكم للتعلم منهم . لا ادعوا الى تمييز عمرى وأنا لست شابًا ولكن اومن بمقدرات الشباب وبأهمية تدريبهم واتاحة الفرصة لهم وفتح الأبواب لصناعة سودان الغد.

يحاول البعض ان يقفز الى الاستنتاج الخاطى من فترة حكم المؤتمر الوطني الحالكة السواد فى تاريخ بلادنا وهى ان ما ارتكبه الكيزان من فساد ونهب وتعذيب وقتل يمكن تفسيره فقط بطبيعة انهم كيزان. لا شك ان هناك بعض الحقيقة التى تعود الى طبيعة تربية الكيزان لعضويتهم وهى تربية تقوم على الاستعلاء وانهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ويعملون من اجل مشروع اكبر وأسمى واهم من كل الشعب السودانى. لكن الأهم ان ما ارتكبه هذا التنظيم يعود وبشكل اساسى الى السلطة المطلقة والى انعدام الرقابة والشفافية . ولا ابالغ ان اية حزب لو وضع موضع هؤلاء بسلطة مطلقة وعدم محاسبة وغياب القضاء المستقل لافسد ولعذب وسجن خصومه.

يجب ان نتخيل اكثر مما نتذكر. فالذين يتخيلون يبدعون ويبتكرون والذين يتذكرون فقط يجترون الماضى. من حسن الحظ ان جيل السودانيين الذين هربوا من جحيم الانقاذ قد انجب جيلا كاملا من الأطباء والمهندسين والعلماء والإداريين فى اكبر الشركات العالمية. يجب ان نعمل على تكوين المنظمات الشبابية فى كل المجالات ليتقابل هذا الكم الهائل من الخبرة والمقدرة على الابتكار مع أقرانهم من الشباب داخل الوطن. يجب خلق الفرص لشباب الداخل للتدريب بالخرج والاضطلاع على تجارب العالم حولنا حيث يعمل أقرانهم.

ان سودان الغد لن يكون سودان مشروع الجزيرة فقط ولا سودان نحاول وجامعة الخرطوم فى زمانها. لقد تغير العالم من حولنا كثيرا فالشركات أصبحت شركات معرفة تنتج المعرفة والدول ايضا . ان ما كتبه بيتر دروكر فى الخمسينات من ان العمال سيصبحون عمال معرفة يستخدمون رؤوسهم اكثر من أيديهم قد اصبح اليوم حقيقة معاشة. لا نحتاج الى مشاريع الثورة الصناعية الاولى ولا الثانية ومالم نستثمر فى شبابنا لا يحق لنا الحديث عن الثورة الصناعية الرابعة والتى يعيشهاالعالم الاول اليوم وتعيشها الهند.

ان اهم الوزارات لإنجاز هذا هو وزارة التربية والتعليم وهى وزارة عليها الاضطلاع على ما توصل اليه العالم من حولنا.

كل عام وبلادنا بألف خير والتحية والمجد والخلود لكل من ضحى وقدم من اجل هذا الوطن.

 

أحمد الفكي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق