مقالات وآراء سياسية

فضل الله محمد ذلك الصمت النبيل وذلك الصخب الجميل

د. عبدالله جلاب

هكذا بين (قوس ثورة اكتوبر ١٩٦٤ و ثورة قوس ثورة ديسمبر ٢٠١٨) سكن فضل الله محمد هناك متسامياً. ذلك السكون الذي حمل في طياته و في داخله ذلك الصمت النبيل وذلك الصخب الجميل ومثل ذلك البهج الرائق الذي ظل يأتي بين حين وآخر ولا يعكره شئ. واسفاه لقد أغلقت ذلك القوس، عزيزي فضل الله، وشعبك يقف أمام باب التاريخ وهاتفه العالي: “حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب” ليفتحه نحو سودان جديد. لقد ظل ذلك هو حلمنا وذلك هو ما ألهمت به أنت اكثر بحدائك للثورة هاتفا: “يا ثائر فجر بركانك”. نحن وقبلنا وبعدنا من أجيال السودانيين كنا وسنظل مسكونين بذات الجلال والجمال الذي هو فضل الله محمد في ماحوى وما أعطى وأيضا في مثل ما اتحفنا به جميعًا على مدى العصور من ذلك الصخب الجميل في تنوع إنتاجه الشعري وفي ما الفنا فيه نحن وغيرنا من الذين ألفوا من صمته النبيل ذلك الرقي والألق وما عهدنا في شخصه الودود من ذلك البهج الصافي. غير ان الأمر فيه ما هو اكثر وأكبر من ذلك. اليوم لقد اوتي فضل الله كتابه بيمينه. وهو كتاب حوى وجودا يتجاوز الشخص عرفنا دهورا وأحببنا كثيرًا وعلى وإلى ما قامت عليه وحوت به وعنده تلك الدنيا بين قوسيها يوم فتح فضل الله ذلك القوس في اكتوبر ١٩٦٤ وقفله ومضى مثواه الأخير في ديسمبر ٢٠١٩. بالأمس ونحن في منزلنا هنا لم تمنعنا المسافة في بعدها من أن نجد أنفسنا في أين لا أين وان يكون فضل الله هو الحضور الأقوى بين بهجة الذكريات وحرارة الدموع.

نعم لقد عشنا مع فضل الله ثورة اكتوبر وعاشها معه السودان والعالم في مجدها الباذخ وهو يغني والكل يغني معه “شهر عشرة حبابه عشرة”. ومن وروح اكتوبر تلك جاءت اناشيد فضل الله ومحمد المكي إبراهيم ومحمد عبدالحي وهاشم صديق وعبدالمجيد حاج الأمين وصلاح أحمد إبراهيم وعلي عبدالقيوم وآخرين ومن ذلك وجد كل من هؤلاء قيثارة ذهبية في محمد وردي ومحمد الأمين وعبدالكريم الكابلي وآخرين ايضا.ولا نزال نشدوا جميعًا بذلك نستلهمه كلما نادى منادي ان قوموا لثورتكم. وذلك كان من بعض ما أعطى ذلك “الحوار السوداني الحميم” الذي وجد لإبتكارات ذلك الفصيل الذي فكر وقدر شعرًا ونثرا ونقدا وابتكارات أخرى وفتح لها أماكن مميزة في ساحات ومنابر الإبداع. وكان في ذلك وظل احد تجليات اكتوبر التي أعطت لجيلنا ولمن أتى بعده من اجيال كل ذلك الذي ظلت جذوته متقده تلهم الأجيال جيلا بعد جيل:

” يا ثائر فجر بركانك قوض اركان الطغيان

حرر وسلاحك إيمانك بي عزة أرض السودان”

مثل ذلك هو الذي أعطى الحياة والتجربة السودانية مع مناقب اكتوبرية أخرى وجوه ذات اثر من وجوه تلك التجربة الإنسانية الكبرى ما اسميه بالدين الاجتماعي. الذي قد تجذر في وجدان هذا الشعب. لقد كلل ذلك الأبواب الواسعة بعظيم الحداء الذي جاء به من بعد: محجوب شريف ومحمد حسن حميد وازهري محمد على وقد تضيق المساحة وإن لم ولن تضيق العبارة.

لقد أتى جيل فضل الله كأكبر مجموعة من الأولاد والبنات التي تم لهم القبول في مؤسسات التعليم العالي في السودان:جامعة الخرطوم وجامعة القاهرة فرع الخرطوم والمعهد الفني ومعهد المعلمين العالي والكليات المتعددة بما فيها الكلية الحربية وكلية البوليس والسجون والزراعة وكليات أخرى ما جعل الخرطوم “مدينة جامعية ” وقد إمتدت مجالات التعليم الجامعي للسودانيين وقتها ذاك لتضيف إلى ما سبق في دور التعليم في بريطانيا وأمريكا والغرب دورًا أخرى في جامعات الإتحاد السوفيتي واوربا الشرقية. جاء أولئك بتجارب مختلفة وبألسنة أخرى هي مفاتيح لمعارف هامة لم نأنسها من قبل. لقد أتى كل أولئك من ابناء وبنات ميسوري الحال من مدن السودان البعيدة والقريبة ومن فقراء السودان من مدنه وقراه ليتكون منهم فصيلا واعيا أو قل على درجات من الوعي بذاته.

غير أن الأمر لم يكن كله وردياً. اذ ان الأمر لم يكن البتة ورديا. فقد ظل الطريق إلى الجحيم محفوفاً بالنوايا الحسنة. فقد اردنا بأدواتنا تلك ان ننازل الثورة المضادة فجاءتنا من حيث ما لم نحتسب. فالثورة المضادة هي تلك الهايدرا أو ذلك الشر المتعدد العناصر. لقد خرجت تلك الهايدرا والثورة يفور أوارها. تلك الهايدرا بالطبع تفترض ونفترض في معرفتها الضمنية ومعرفتها الخاصة انها مشروطة بوجود من يستعملها أيضا اذ كيف لنا ان نناكرها وقد المعزي من قبل “كيف تناكر الأرض القتادا” اذ ظلت الثورة المضادة في شرها مشروطة بوجود حسن الترابي أولًا وما بذر في ارض بور من أدوات عنف متنوعة ومتجددة ظل في شرط وجودها كل ما شاهدنا كيف أصبحت للشر دولة قوامها علي عثمان ونافع وقوش وكل رؤوس تلك الهايدرا . لقد عشنا وفضل الله من قريب ومن بعيد كل تلك العذابات التي جعلت من الثورة المضادة احد أدواتها.

لنا ونحن نفتح كتاب فضل الله ان ندرس كل ما غم البلاد والصحافة والصحافيين طوال عمر الثورة المضادة. وكيف استطاع بعض الصحافيين شق ذلك الطريق الصعب وكيف نقلوا ما نقلوا من التجارب الحية من عظيم إرث الصحافة السودانية ليحيا ويحيا به فصيل من الأجيال جديدة والمتجددة. الان يقف كثير منهم مرددا آيات الشكر والوفاء لك فقد كنت بالطبع اخي فضل الله واحدًا منا ومن هؤلاء أولئك ولعلك من اهمهم. افتح القوس.

 

د. عبدالله جلاب

جامعة ولاية اريزونا

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق