مقالات وآراء سياسية

لا لإستقالة وزير المالية

يوسف السندي

لست مندهشا من الأخبار التي تتواتر عن تقديم وزير المالية لاستقالته ، فالرجل و قبل أن يعلن رسميا تكليفه بأعباء وزارة المالية قدم عددا من الملامح لبرنامجه الذي يزمع تنفيذه ، و بالتالي لم يكن غريبا حين وصل إلى منصب المالية ان يقدم ذات الطرح ، و كان الاجدر و هو قد قدم هذه الملامح من قبل ان لا يعين وزيرا بدل ان تعينه قحت وزيرا ثم تاتي لتفرض عليه تغيير الطرح الذي اعلنه ، و بالمناسبة الطرح الذي قدمه وزير المالية هو الطرح الموجود الآن في كل دول العالم المتقدمة و في كل دول العالم التي تتطلع للتقدم، لأنه الطرح الذي نهضت بناءا عليه أمريكا و دول غرب أوربا و تسود به العالم الان ، و هو الطرح الذي يشبه هذه الثورة و تطلعها لتغيير واقع السودانيين من شعب تسيطر عليه الدولة و توجهه كيف تشاء إلى شعب حر يملك استقلاليته حتى عن الدولة نفسها .

الهجوم الذي تعرض له وزير المالية من قوى الحرية و التغيير ، يشير إلى انها قوى منفصلة عن ما يدور في عالم الاقتصاد او قوى جاهلة بفكرة ان العالم لم يعد دول منفصلة التطلعات و البرامج ، بل أصبحت الدول جميعها لها صورة واحدة بعد أن أزاح التواصل الالكتروني و انفجار عالم الإنترنت الفواصل بين الدول و الشعوب و جعل التجارة و الثقافة و الفنون عابرة للقارات و غير محتكرة لدولة .
الغرابة الأكبر هي من ذاك الاقتصادي الذي طالب وزير المالية بكل بجاحة بالاستقالة !! و سوف تندهشون جميعا ان هذه المطالبة ليست مطالبة موضوعية و إنما هي مطالبة سياسية فجة من اقتصادي يؤمن بأن وزير المالية يريد أن يطبق سياسة البنك الدولي ، و كانما البنك الدولي هذا بنك إرهابي او منظمة سرية إجرامية، بل البنك الدولي جهة معلنة و السودان نفسه عضو في هذا البنك و فيه أكثر من ١٨٠ دولة عضو حول العالم ، و ينفذ يوميا مشروعات جديدة في دول العالم الفقيرة و الغنية على السواء ، و يراقب حركة الاقتصاد العالمي و يقدم الدعم للدول التي تريد . و لكن هذا الاقتصادي و لانه يؤمن بالاشتراكية و لا يرى في الراسمالية شيئا جميلا يطلب من البدوي الاستقالة !!! و هي سانحة له لنسأله: اين نجحت السياسات الاشتراكية الاقتصادية في العصر الحديث ؟ هل حافظت على وحدة الاتحاد السوفيتي ام مزقته شر ممزق ؟ هل حافظت على تطور و نهوض دول أوربا الشرقية ام دمرتها فتراجعت عنها و اتجهت نحو النظام الرأسمالي؟ هل أنقذت الاشتراكية روسيا من ظروفها الاقتصادية الراهنة ام جعلتها تحت رحمة الراسمالية ؟

الذين ينادون باقالة او استقالة وزير المالية بحجة سياسته الاقتصادية ، سيكونون مثل الانقاذ التي انقلبت على النظام الديمقراطي بحجة أنه وقع اتفاقا مع قرنق ، بينما جاءت هي نفسها بعد سنين عددا و وقعت اتفاقا أسوا بالاف المرات مع قرنق نفسه و بل سلمته كل الجنوب صرة في خيط . لذلك عليهم أن يؤمنوا بأن الطريق الذي يسير فيه وزير المالية هو الطريق الصحيح الذي لا مفر منه عاجلا أم آجلا، و كلما بدأنا فيه مبكرا كلما قللنا الخسائر لاحقا .

لا نريد لحكومة الثورة ان تحتكر كل شيء كما كانت تفعل الانقاذ ، فهذا لن يطور البلاد و لن ينقلها شبرا في مسار التطور الاقتصادي ، بل نريدها ان تخرج من السوق و الدعم المباشر للسلع و أن تهتم في المرحلة هذه بتوفير الأمن و التعليم و الصحة و بقية الخدمات و أن تؤسس مجالات للشباب للابداع و الابتكار و التنافس الحر ، و أن تخرج في المرحلة اللاحقة بعد تحقيق الاستقرار الاقتصادي من قطاع الخدمات مع توفير الدعم للضعفاء و أن تظل محتكرة للنظام و الأمن و السياسات العامة ، فهذا هو الطريق الذي سيثبت اذا كنا كسودانيين جديرين بالتطور ام لا ، قادرين عليه ام لا ، فإن كنا نريد التطور تحت احتكار و رحمة الدولة الرسمية و توجيهاتها فإن هذا سيكون تطورا بطيئا جدا لن يحتمله الشعب و قد يغري بالانقلابات ، أما إذا أردنا أن نشمر عن ساعد الجد و أن يكافح كل شخص من أجل بناء ذاته و تحقيق طموحها فإن هذا هو الدرب الذي أوصل بيل غيتس و امريكا إلى القمة ، فادعموا البدوي و سياساته الآن قبل أن تضطروا لدعم سياساته فيما بعد و بتكلفة تساوي فصل الجنوب .

 

يوسف السندي

[email protected]

 

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..