مقالات وآراء سياسية

المسكوت عنه في علاقة الدين بالدولة وهيكلة القوات المسلحة (2)

علي مالك عثمان

ذكرنا في الجزء الأول لهذا المقال أن الحروب والنزاعات الداخلية التي ورثها السودان منذ الاستقلال، قد زادتها الإنقاذ تعقيداً خلال سنوات حكمها، وذلك بأدلجتها وانحيازها لثقافات وإثنيات معيَّنة دون الأخرى، الشيء الذي وسَّع دائرة الحرب وجعل كل مكونات السودان – عرَّفت نفسها بأقاليم الهامش – تقف في مواجهة إقليمَيْ الشمال والوسط، مطالبين إياهم بإنهاء هيمنتهم الثقافية والسياسية على بقية أجزاء السودان، وإلا فالبديل هو حق تقرير المصير لتلك الأجزاء، الشيء الذي سيؤدي لتشظي وتفَـكُّك السودان. أقاليم الهامش أكبر مطالبها تمثلت في رفض تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية عليها، بإعتبار أن الشريعة الإسلامية هي أكبر واجهات الهيمنة الثقافية، كما أنها تطالب أيضاً بإعادة هيكلة القوات المسلحة، بإعتبار الأخيرة هي أكبر أدوات فرض الهيمنة السياسية. وقلنا أنَّ هاتان القضيتان – علاقة الدين بالدولة وإعادة هيكلة القوات المسلحة – ستكونان العقبتان الكؤودان أمام التوصل لأيِّ اتفاق. في ذلك الجزء من المقال قدمنا أيضاً رؤيتنا المتواضعة لحل إشكالية علاقة الدين بالدولة، ويمكن الرجوع لتلك الرؤية من خلال الرابط هذا (هنا).

في هذا الجزء سنحاول مجدداً تقديم رؤيتنا حول موضوع إعادة هيكلة القوات المسلحة، ونُـقِـرُّ ابتداءاً أننا مع هذه الهيكلة، وسنسوق لذلك عدة أسباب، تسببت مجتمعةً في إضعاف القوات المسلحة، وإبعادها عن دورها الأساسي، وحوَّلتها لعبءٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ على الوطن والمواطن، الشيء الذي جعلها عاجزة عن الدفاع عن أمن البلاد وحدودها ضد الأخطار الخارجية، فضلاً عن عجزها في استرداد أجزاء البلاد المسلوبة. المتسبب في الحالة المزرية التي وصلت إليها قواتنا المسلحة في تقديري هي الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال، والعسكرية منها على وجه الخصوص. لذا سيكون سردنا لتلك الأسباب مُـلْـقِـياً باللائمة على تلك الأنظمة وعلى نظام الإنقاذ بصورة أخص، باعتبار أنه صاحب الفترة الأطول في الحكم بعد الاستقلال. الأسباب الموجبة لإعادة هيكلة قواتنا المسلحة أستطيع أن أُوجزها فيما يلي:

1- مؤسسة القوات المسلحة، والتي نشأت كنتاج لسودنة جيش السودان عقب خروج المستعمر البريطاني، ظلت محافظة على قـوْمِيَّـتها وتمثيلها لكل أجزاء السودان داخل رُتَـبَها الدنيا وداخل عسكرييها، أما قادتها ورُتَـبَها العليا فكان تمثيلهم حصراً على أقاليم الوسط والشمال، الشيء الذي قَـدَحَ كثيراً في هذه القومية. وإن كانت هناك استثناءات لهذه القاعدة فهي مما يؤكدها ولا ينفيها.

2- القوات المسلحة طوال فترات نظم الحكم العسكرية التي تعاقبت على حكم السودان كانت في تقديري أكثر مؤسسات البلاد التي عانت من حكم تلك الأنظمة. وتمثل ذلك في التالي:

أ- الأنظمة العسكرية التي حكمت البلاد ضربت بصورة واضحة القوانين والتراتبية العسكرية ولوائح التعيين والترقِّي والإقالة للمعاش داخل مؤسسة القوات المسلحة، وذلك بتقديم معايير الولاء الحزبي والعقائدي والقَـبَـلي على معايير الكفاءة والخبرة. وكان لنظام الإنقاذ النصيب الأوفر في تنفيذ تلك السياسة. الشيء الذي أدَّى إلى الضعف المهني، وتدهور الكفاءة القتالية، وإثارة النعرات الجهوية والإثنية بين الضباط والجنود داخلها.

ب- إهمال التأهيل والتدريب لضباط وجنود القوات المسلحة، مما انعكس على مستوى كفاءتهم القتالية والمهنية.

ج- إختلال العقيدة القتالية للقوات المسلحة وإقحامها في نزاعات إثنية وقبلية بين مكونات البلد الواحد، مما جعلها طرفاً غير محايد في تلك الصراعات.

د- إنشغال الضباط بتحصيل الإمتيازات والحوافز المادية خلال فترة عملهم بدلاً عن المحافظة على قيم وقوانين القوات المسلحة، وبدلاً عن رفع كفاءتهم المهنية والقتالية.

ه- إضعاف القوات المسلحة وتهميشها، وذلك بإنشاء قوات ومليشيات موازية لها، جعل عبء الدفاع عن البلد ينتقل لتلك المليشيات، مما جعل القوات المسلحة تتحول لمؤسسة شبه عاطلة عن العمل.

3- القوات المسلحة وبقية الأجهزة الأمنية أصبحت عبئاً اقتصاديا كبيراً على البلد، تلتهم الجزء الأكبر من الميزانية السنوية، وكان ذلك على حساب قطاعات خدمية هامة للمواطن، مثل الصحة والتعليم، مما زاد من حدة الفقر بين الناس.

4- تغوُّل دول الجوار واحتلالها لأجزاء مقدرة من البلد (مثل حلايب وشلاتين والفشقة)، أمامَ عجزٍ واضح للقوات المسلحة في استرداد تلك المساحات أو منع خروج أجزاء أخرى عن سيطرة الحكومة المركزية.

5- إنتشار المؤسسات الاقتصادية والشركات التابعة للجيش وتغلغلها في كل مناحي الاقتصاد، دون وجود علاقة واضحة لتلك الشركات والمؤسسات بمهمة الجيش الأساسية المتمثلة في الدفاع عن البلد وحدوده، أو لها علاقة بالتصنيع الحربي أو برفع الكفاءة القتالية للجندي السوداني. ظهور تلك الشركات والمؤسسات التابعة للجيش تسبب في خلق تشوهات عميقة في جسد الاقتصاد، لأن أغلب تلك الشركات بعيدة عن المحاسبة والمراجعة، ومعفية من الضرائب والجمارك، وبالتالي لا تساهم في الدخل القومي للبلد. كما أنها أصبحت وكراً لفسادٍ يصعب علاجه. أيضاً وجود هذه الشركات والمؤسسات في السوق بالامتيازات الممنوحة لها منع منافستها من قِـبَل شركات القطاع الخاص مما أعاق نُـمُـوَّهُ وتطوُّرَه.

6- الانقلابات العسكرية المتكررة منذ الاستقلال، وتدخُّـل الجيش في الحياة السياسية للبلاد بصورة مستمرة، أوقف عملية التطور السياسي وازدهار الحياة السياسية، وجعل البلاد تغرق في دائرة خبيثة من الفشل وتكرار الأخطاء.

7- الأحداث التي ضربت المنطقة خلال السنوات الماضية، والتي أوضحت كفاءة قتالية لمليشيات غير نظامية (داعش مثلاً)، تم تجميعها وتجهيزها على عجل، وحققت نجاحات عسكرية مقدرة في مواجهة جيوش نظامية، جعل الكثيرين يتساءلون عن جدوى الصرف البذخي الذي يتم على تلك الجيوش النظامية من ميزانيات الدول، ومنذ سنوات طويلة، على حساب بنود مُلِحَّة أخرى كالتعليم والصحة ؟!!.

كل الأسباب عالية الذكر وغيرها في تقديري توجب إحداث مراجعات هيكلية عميقة في بنية القوات المسلحة، وذلك من أجل رفع الكفاءة القتالية والمهنية لمنسوبيها، ومن أجل إنشاء جيش نظامي وطني قومي يكون ممثلاً بحق وحقيقة لكل أبناء السودان وأجزائه ومكوناته القبلية والدينية والاثنية. ولتحقيق هذه الأهداف يتوجب في ظني القيام بما يلي:

1- تغيير العقيدة القتالية للقوات المسلحة، وذلك بحصرية العدو في التهديد الآتي من خارج الحدود، أما كل النزاعات الداخلية فحلها يأتي من خلال بوابة العمل السياسي فقط، لأن الناظر لكل النزاعات الداخلية في كل بلدان العالم – خصوصاً تلك التي أسبابها ثقافية وإثنية – يدرك بجلاء أن تدخل الجيوش النظامية في تلك النزاعات زادها تعقيداً واشتعالاً، وأن النزاعات منها التي وجدت طريقاً للحل كان حلها سياسياً وليس عسكرياً.

2- التركيز الشديد على تحقيق مبدأ قومية القوات المسلحة في كل ما يتعلق بها وبعملها، بدءاً من النص الواضح على ذلك في الدستور، مروراً بتعيينات كل ضباطها وجنودها وتأهيلهم وترقيتهم وتوزيعهم للعمل في أجزاء البلد المختلفة، وليس انتهاءاً برفع قيم الانتماء لكل أجزاء الوطن ومكوناته، بعيداً عن الفرقة والشتات على أساس العرق واللون والدين.

3- غرس وإعلاء قيم المهنية داخل ضباط وجنود القوات المسلحة، وإفهامهم أنهم موظفون في هذه الدولة، مثلهم مثل بقية موظفي المهن الأخرى، وأن دورهم ينحصر في مهمة الدفاع عن حدود البلاد، ولا يجوز لهم أبداً بأي حالٍ من الأحوال ممارسة العمل السياسي أو التدخل في الحياة السياسية، لأن ذلك حكر فقط على المدنيين، وعلى من يرغب منهم في الانخراط في العمل السياسي عليه خلع بزته العسكرية والتحول للحياة المدنية، كل ذلك يجب أن يكون منصوصاً عليه بصورة واضحة في الدستور. هذا ليس تقليلاً للقدرات السياسية لهؤلاء النفر الطيب من أبناء الوطن، ولكن حتى تتطور الحياة السياسية بصورة طبيعية، وتتحقق المواطنة والمساواة والاستقرار للجميع، وهي الشروط اللازمة لكل تطور ونهضة.

4- تحريم العمل في مجال الاقتصاد وإنشاء الشركات للقوات المسلحة ولكل القوات النظامية، إلا ما كان متعلقاً بالتصنيع الحربي أو ما يتصل بأداء مهمتها الأساسية التي حددها لها الدستور، وأن يكون العمل في تلك المجالات متوقفاً على موافقة البرلمان وخاضعاً للرقابة والمراجعة من قِـبَل مؤسسات الدولة الرقابية.

5- يجب أن يكون عمل القوات المسلحة وبقية المؤسسات الأمنية الأخرى بصفة عامة وليست تفصيلية خاضعاً للرقابة البرلمانية، وميزانيتها تأتي من وزارة المالية، مثلها مثل مؤسسات ووزارات الدولة الأخرى، ولا تكون هي وبقية تلك المؤسسات بقرة مقدسة فوق النقد والرقابة والمسائلة والمراجعة كما كان يحدث طوال عهد الإنقاذ.

بهذه الإجراءات – وغيرها مما يمكن أن يضيفه الآخرون – نستطيع الحصول على قوات مسلحة مهنية قومية ذات كفاءة وغير مترهلة، يفخر بها كل أبناء الوطن، تنهض بأداء واجبها الأساسي في حماية البلد ومقدراته، ولا تكون عبئاً اقتصادياً على الدولة، ولا عقبة أمام تطورها السياسي.. والسلام.

 

علي مالك عثمان

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. بجانب شركات القوات المسلحة المتعددة فإنها تمتلم اسطولا من عربات شحن البضائع ونافست اصحاب اللواري وتمتلك ايضا عربات شفط بلاعات السايفونات وجرارات الحطب والفحم المقطوع كيري من جنوب كردفان وما خفي اعظم!

زر الذهاب إلى الأعلى