مقالات سياسية

احسموا الفوضى بتنظيف الجهاز

إنّ ظاهرة استعادة عصابات النقرز لنشاطها الاجرامي بالعاصمة الخرطوم, وحادثة تفجر الطائرة الانتونوف بمدينة الجنينة, وحدوث بعض التفلتات الامنية بالمدن السودانية الاخرى, كلها دلائل واضحة على استمرار اذرع النظام البائد بجهاز الامن في حياكة المؤامرات و حبك الدسائس المثيرة للاطرابات الامنية و عدم الاستقرار, فسلسلة هذه الاحداث التي جاءت بعد صدور حكم الاعدام على قتلة الاستاذ الشهيد احمد الخير, قذفت بالرعب في قلوب الذين يوالون المنظومة البائدة, وهذا الامر يمكن ان يلحظه كل فرد سوداني عايش المآسي التي ارتكبها هذا الجهاز الامنجي المؤدلج, وأنه لا احد غير بقايا هؤلاء الاخوة ذوي البأس الشديد, الموجودون داخل المؤسسات الامنية حتى الان, يمكنه فعل ذلك.

اعادة هيكلة جهاز الامن ضرورة تتطلبها المرحلة, فطاقم الحرس القديم من مدراء الاقسام و رؤساء القطاعات بهذا الجهاز وحتى الموظفين الصغار يدينون بالولاء الاعمى لنظام الحكم البائد, و يؤمنون بمنهجه المنحرف في التعامل مع المواطن السوداني, فطيلة فترة حكم الانقاذ لم تكن العلاقة بين هذا المواطن و جهاز امن دولته محاطة بالقدر الكافي من الثقة, فقد ارتسمت صورة بغيضة وشنيعة لهذا الجهاز في اذهان المواطنين السودانيين على مدى الثلاثين عاماً الماضية, وذلك بسبب الجرائم التي ارتكبها منسوبوه بحق المواطنين الابرياء في عدد من الحوادث, اشهرها قنص وقتل شهداء هبة سبتمبر في العام الخامس الذي سبق اندلاع ثورة التحرر الديسمبرية المجيدة.

لابد لحكومة الانتقال من ان تفرض هيبتها و تعيد ثقتها لنفسها, بعد ان اهتزت شيئاً ما عقب هذه الاحداث الدامية التي جرت في غضون الشهر الخاتم للعام الماضي, فان لم توطد هذه الثقة بينها وبين المواطن سوف تسقط البلاد في مستنقع العنف و الفوضى المدمرة, خاصة وان بعض الجيران من حولنا يمورون ويتبرمون من استشراء داء الفتنة الداخلية والهرج و المرج واختلاط الحابل بالنابل, وكما هو معلوم ان بلادنا تتمتع بطول حدودها وتمدد هذه الحدود مع سبع دول, وابوابها مازالت مشرعة ومسهلة لدخول المجرمين وكل الممنوعات, لذا تكون الرقابة على الحدود البرية و البحرية من اهم الاولويات, لانها المرتكزا الاول الذي يقوم عليه الأمن الداخلي.

وهيبة الدولة ايضاً تتحقق بتأكيد قوة القانون و سرعة نفاذه, فكلما كان التنفيذ للاحكام الصادرة بحق المجرمين سريعاً, كلما دخل الخوف في قلوب المتربصين لارتكاب الجرائم والافعال المشينة, وكلما هزمت دوافعهم الشريرة, وتبعاً لذلك تنغرس الطمانينة في قلوب المواطنين الطيبين الذين لا دخل لهم بصراعات الساسة و طموحات طلاب الكرسي, فبقاء رموز النظام البائد بسجن كوبر دون الاستعجال في حسم ملفاتهم القضائية, المؤدية حتماً الى تعليقهم في حبال المشانق سيزيد من توتر الشارع, و يؤدي الى احتقان النفوس المحتقنة اصلاً باحساس القهر تجاه هذه العصبة المجرمة, فالمحاكمات السريعة و العادلة سوف تشفي غليل هذا المواطن الموجوع وبصفة خاصة امهات الشهداء.

هذا السودان القطر القارة لا تستطيع الحكومات الرخوة ان تحسم ملفاته الامنية, و لنا في التاريخ القريب لعبرة, تلك الملفات التي مازالت في قبضة منسوبي النظام البائد المندسين في جهاز الامن, وهي ملفات مليئة بالاسرار و الاخبار و المعلومات و البيانات المهمة ذات الخطورة الكبيرة, فمن يمتلك هذه المعلومات هو الذي يقدر على صناعة الفوضى ان كان سيء الطوية, ويمكنه ايضاً بسط الامن و الامان في اوساط المجتمعات ان كان حسن السيرة و صادق السريرة.

تكبير عدسة الرؤية المستخدمة في النظر الى مشكلات هذا القطر الواسع المساحة, يساعد كثيراً في لملمة الجراح و تضميدها و الانتقال بالوطن نحو مرحلة دستورية اكثر ثباتاً, وما فتك ببلادنا من كوارث انسانية الا ضيق زاوية الرؤية المتجهة نحو حلحلة المشكلات و الازمات, وهو حال الشخص الذي لا يرى الا جانب واحد من الكوب.

إسماعيل عبد الله
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..