غير مصنف

السيد الإمام وإدمان الفشل

علي مالك عثمان

عاد السيد الإمام الصادق المهدي لممارسة هوايته المحببة في العزف النشاز والتغريد خارج السرب، وذلك بتصريحه قبل أيامٍ قليلة أمام حشدٍ جماهيري لحزب الأمة في مدينة سنجة بضرورة إسناد مهمة اختيار ولاة الولايات لحزب الأمة، بإعتباره صاحب الأغلبية الأكبر في كل الانتخابات التي أجريت في البلاد، وإلَّا فالذهاب لإنتخاباتٍ مبكرة.

هذا الإدعاء من سماحة السيد الإمام لا يسنده واقع أو منطق. فالمنطق يقول أنه لا يمكن البناء على نتائج انتخابات أُجريت قبل 34 عاماً، لأنه ببساطة من شاركوا في تلك الانتخابات أغلبهم قد إلتحق بالدار الآخرة، كما أن أغلب من يحقُّ له التصويت اليوم لم يشارك في تلك الانتخابات. أما الواقع فيقول أن التوجهات السياسية لعامة الشعب قد تغـيَّرت بصورة كُـليَّة، ولم تعد الجماهير بذات ولائها الطائفي القديم، خصوصاً في معقله الانتخابي بولايات دارفور، وما يدلل على ذلك عجز السيد الإمام عن التأثير في مجريات الأحداث في ولايات دارفور طيلة سنوات الحرب فيها. كما أن جيل الشباب الحالي الذي صنع ثورة ديسمبر المجيدة لديه رؤية سياسية بعيدة تماماً عن الطائفية، ولا يمكن سوْقَـهُ بالريموت كنترول، وقد وضح ذلك جلياً في شعاراته وقيادته لثورة ديسمبر.

السيد الإمام في تقديري لا تخفى عليه تلك الحقائق، وهو الذي عَـرَك العمل السياسي لأكثر من خمسين عاماً، ولكنه على ما يبدو يلعب لصالح أجندته الحزبية الضيِّـقة، فهو الآن ليس مؤثراً في صناعة الأحداث، ولا يستطيع التأثير في مجرى الأمور، ولا يملك غير الفرقعات الإعلامية التي يثيرها بين الحين والآخر. كما أنه يعلم أن حظوظه في كسب أيِّ سباقٍ إنتخابيٍّ قادم ضعيفة إذا ما أُجْرِيَـت الانتخابات بعد استعدادٍ جيِّدٍ لها من قِـبَل كل الأحزاب المتنافسة، وذلك بعد وضْع قانون انتخاباتٍ شفاف، يُحرِّم المال السياسي الخارجي، ويُلزِم الأحزاب بممارسة الديمقراطية داخل أحزابها أولاً قبل عملية التنافس في صناديق الاقتراع، وبعد تكوين هيئة انتخابات قومية ومستقلة، تُـشْرف على العملية الانتخابية بحيادية، وتقف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب. انتخابات على هذه الشاكلة ستقضي على السيد الأمام سياسياً، وستُـظهِـر حجمه الحقيقي للداخل والخارج، لذا هو لا يريدها، ويستميت حالياً في قطع الطريق على الفترة الإنتقالية، بدعوته المتكررة والممجوجة لإنتخابات مبكرة، عسى ولعل أن تُحْدِث فوضى وخلخلة للأوضاع تأتي به، بعد إجراء انتخابات مُفصَّلة على مقاسه. هذا السيناريو ظل يطرق عليه السيد الإمام منذ ما قبل تكوين هذه الحكومة، وإذا أضفنا لذلك سلوك وتصرفات سماحته قبل وأثناء ثورة ديسمبر المجيدة يتضح جلياً أن السيد الإمام لم يكن يوماً مع الثورة والثوار، بدليل أنه لم يشارك بنفسه ولم يدعو أنصاره للمشاركة في تظاهرة واحدة ضد النظام السابق، ولم تطأ أقدامه يوماً ميدان الإعتصام، وكانت مواقفه وتصريحاته قبل توقيع الوثيقة الدستورية أقرب لتأييد المجلس العسكري منها لقوى الحرية والتغيير.

الأجندة الملحة حالياً سيدي الإمام التي يتوجب على الشعب السوداني إنجازها في تقديري هي وضع اللبنات الراسخة لديمقراطية مستدامة، ولإرساء السلام، ولتفكيك دولة النظام البائد، ولوضْع دستورٍ يحقق التعايش والمساواة بين كل أبناء الوطن الواحد. أجندة يشترك الجميع في إنجازها خلال الفترة الانتقالية، ليذهب الجميع بعدها لصناديق الاقتراع لإختيار من يريده الشعب حاكماً له، فكيف يمكن للإنتخابات المبكرة تحقيق ذلك؟؟!!. كما أننا كنا نتوقع منك أن تكون حادي الركب وقائد مسيرة الفترة الإنتقالية، مُسْهِـماً بالرأي والتوجيه، وباذلاً لخبرتك الكبيرة في العمل السياسي، مُوجِّهاً ومُـرْشِداً ومذللاً لكل ما يعترضها من عقبات حتى تحقق أهدافها، لا أن تُـقدِّم أجندتك الحزبية الضيِّقة على أجندة الوطن الملحة، وتكون في مقدمة من يسعى لتقويض الفترة الانتقالية وهدمها على رؤوس الجميع. كما أنني لا أنسى لك أبداً مقولةً لك ظللت ترددها كثيراً في الماضي وهي: ” ليس مهماً من يَحكم السودان ولكن المهم كيف يُحكَم السودان”، والإجابة على الشق الثاني من مقولتك هذه هي ما يستوجب تمام الفترة الإنتقالية.

سيدي الإمام: ذاكرة الشعوب ليست قصيرة، ومواقفك هذه لن تُـنسى لك، وستُـترجم ضدك في الانتخابات القادمة بعد تمام الفترة الانتقالية بإذن الله، ولن يرحمك الشعب عندها، خصوصاً وأنه أظهر درجة وعْـيٍ كبيرة مكنته من إنجاز هذه الثورة العظيمة، وبالتالي لن تنطلي عليه حربائية مواقفك أو تلوُّن تصريحاتك، وسيُصْدِر بعدها حكمه عليك، والذي سيذهب معك إلى ذاكرة التاريخ… والسلام.

 

علي مالك عثمان

[email protected]

 

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى