أخبار السودان

الانتخابات المبكرة في السودان… مناورة سياسية أم تأمين للديمقراطية

قوبلت الدعوات المتواترة لإجراء انتخابات مبكرة في السودان، والتي ظلت تصدر من حين لآخر، بالرفض القاطع من غالبية القوى السياسية، معتبرة أن مثل هذه الدعوات لا تخرج عن كونها مناورة سياسية، بل ذهب البعض لوصفها بالانقلاب على الاتفاقيات التي وقعتها قوى المعارضة الخاصة بالفترة الانتقالية، والتي جرى التوافق عليها لتهيئة البلاد للانتخابات من خلال وضع قوانين تساعد في الوصول الى الديمقراطية المنشودة

ورأى قياديون ومحللون سياسيون التقتهم “اندبندنت عربية”، أن تنظيم انتخابات عامة بطريقة شفافة ونزيهة يستوجب مطلوبات عدة أهمها، إعداد إحصاء سكاني يشمل مختلف أقاليم السودان، ووضع قانون متفق عليه بين القوى السياسية، وإنشاء مفوضية خاصة للانتخابات تتولى هذه العملية، وتهيئة المناخ الحر الذي يتيح للأحزاب والأفراد حرية الاتصال والتنقل وإقامة الندوات.

ويلفت المحلل السياسي حسين عمر إلى أن الانتخابات استحقاق سياسي يحتاج إلى شروط دستورية وقانونية وسياسية واقتصادية ومفوضية مستقلة وإحصاء اسكاني، بالإضافة إلى السلام والأمن والاستقرار تهيئة المناخ والحريات وتطبيق المعايير الدولية والحقوق الأساسية، التي أرست في القانون الدولي لحقوق الإنسان وغيرها، لأنها وسيلة للاستقرار السياسي تحتاج إلى تحضيرات جيدة لإنتاج وضع يساهم في الاستقرار السياسي، ونتائجه تكون مرضية لأطراف العملية السياسية وليس تعقيد الأمور والرجوع إلى الخلف والدخول في دوامة عدم الاستقرار السياسي. مشيراً إلى أنه في ظل الظروف الحالية يُعد الحديث عن انتخابات مبكرة كلام غير واقعي، بل أكثر من ذلك، ستكون انتخابات مشوّهة وغير مطابقة للمعايير الدولية ولن تتسم بالشفافية والنزاهة لأسباب كثيرة، أبرزها عدم التوافق السياسي وتهيئة المناخ، وخروج البلاد من نظام شمولي حكم البلاد حوالى ثلاثة عقود شوّه النظام السياسي، إلى جانب المشاكل الاقتصادية والحروب والنزعات المسلحة، ووجود العديد من النازحين واللاجئين في غير أماكنهم الأصلية والذين يحق لهم المشاركة في العملية السياسية، فضلاً عن مخاطر انتشار السلاح ووجود ميليشيات وحركات مسلحة، مطالباً جميع الأطراف السياسية بالبحث عن القواسم المشتركة لرسم مستقبل البلاد من خلال العودة إلى الحوار.

وتابع “الحديث عن انتخابات مبكرة في ظل هذه الفترة الانتقالية ليس ممكناً، ومن الأجدى الوصول لاتفاق حول مختلف القضايا التي تعتبر محل خلاف، فهو الأسهل ويمهد الطريق السليم للانتقال السياسي الديمقراطي”، وقال “إذا لم تتفق الأطراف كافة على إدارة المرحلة الانتقالية كيف سيتفقون على إدارة الانتخابات بعمليتها ومراحلها المختلفة؟ فالانتخابات يجب أن تقوم في جو سياسي معافى، وفي ظل ظروف السودان الحالية قد تحتاج إلى سنتين أو ثلاث سنوات في أحسن الأحوال لأن الظروف الحالية مقعدة وغير مهيأة”.

وأضاف “الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة بعد حكم السودان بنظام شمولي، فضلاً عن ما يحيط بالبلاد من أزمات في كل جوانبها ليس أمراً سهلاً، ذلك يحتاج إلى مراحل مختلفة ومتفق عليها مع جميع القوى السياسية السودانية”، لذلك فإن تنظيم أي انتخابات لتحقيق الاستقرار السياسي يحتاج إلى توافق سياسي وتحقيق السلام والاستقرار والأمن، وتحسين الأوضاع الاقتصادية ووضع دستور لتنظيم العلاقة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإعادة تشكيل أو هيكلة النظام السياسي في البلاد، مؤكداً ألا سبيل غير الرجوع إلى طاولة الحوار بقلب مفتوح، بينما اعتبر “الدعوة إلى انتخابات عامة تبدو مجرد مناورة سياسية”.

ويعتقد نائب رئيس “الحركة الشعبية” قطاع الشمال ياسر عرمان، أن قضية الانتخابات المبكرة واحدة من الحيل التي استخدمت في أكثر من فرصة تاريخية وفترة انتقالية، مضيفاً “ربما هذه الفرصة الأخيرة للسودان، إما نصنع بلداً جديداً يشبه ما قدمه شعبنا من تضحيات، ويشبه نضالات الحركة الوطنية السودانية المجيدة، والتي تعد واحدة من أفضل الحركات السياسية في منطقتنا، أو تضيع هذه الفرصة مرة أخرى، بأن نتهرب من حل القضايا الكبرى ونتهرب من صنع مشروع وطني جديد باللجوء إلى انتخابات مبسترة، وناقصة من النواحي كافة، ونهرب من استحقاقات بناء وطن جديد إلى حيلة قديمة لن تأت إلا بالنظام القديم وتوجهات قديمة”.

وأكد عرمان أنهم ضد أي دعوة لانتخابات مبكرة، وأنهم في “الحركة الشعبية” قطاع شمال مع حل قضايا السودان، بما في ذلك عقد المؤتمر الدستوري لكي نصل إلى كيفية حكم السودان قبل البحث في من يحكم السودان.

وفي السياق ذاته، لفت القيادي في حزب “المؤتمر السوداني” ابراهيم الشيخ، إلى أن الثورة السودانية رفعت شعار “سلام حرية عدالة”، وأنه حتى الآن لم يتحقق شيء من تلك الشعارات، خصوصاً عملية السلام التي تُعد الضامن الرئيس للانتخابات التي ستعقب الفترة الانتقالية، إذ هناك عدد من معسكرات اللاجئين والنازحين داخل السودان وخارجه، ما يتطلب إعادة توطينهم وإجراء مصالحات للقبائل المتنازعة داخل البلاد، فضلاً عن أن إقامة انتخابات عامة تستوجب عملية تعداد سكاني يشمل مختلف أقاليم السودان، ووضع قانون متفق عليه بين القوى السياسية، وإنشاء مفوضية خاصة للانتخابات تتولى هذه العملية وتهيئة المناخ الحر الذي يتيح للأحزاب والأفراد حرية الاتصال والتنقل وإقامة الندوات، مؤكداً أن الدعوة لانتخابات مبكرة لن تستقيم ولن تجد السند الجماهيري مهما تعلل وبرر من يدعو لها، بل إنها مرفوضة أصلاً ولا نقاش أو تفاوض حولها.

وبينما يرى القيادي في “الحزب الشيوعي” كمال كرار الدعوة لانتخابات مبكرة بأنها انقلاب على الاتفاقيات التي وقعتها قوى المعارضة الخاصة بالفترة الانتقالية، فضلاً عن أنها مسعى لإجهاض الانتفاضة، أكد أن قوى “الحرية والتغيير” والمتظاهرين لن يسمحوا بذلك، محذراً من الذين يدعون لإجراء انتخابات مبكرة، وكذلك من مغبة الالتفاف على مثل هذه الدعوات.

وأشار إلى أن الدعوة لانتخابات مبكرة ليست جديدة ويُراد منها الانقلاب على الاتفاقيات، لافتاً إلى أن الفترة الانتقالية في ميثاق إعلان “الحرية والتغيير” كانت مدتها أربع سنوات، وأن جميع المكونات المنضوية داخل تلك القوى وقعت عليها، ولكن بعد التسويات خُفِضت إلى ثلاث سنوات، وجدد تمسكهم باستمرار الفترة الانتقالية التي جرى التوافق عليها لتهيئة البلاد للانتخابات من خلال وضع قوانين تساعد في الوصول إلى الديمقراطية المنشودة.

وأكد كرار أن الحديث عن الانتخابات المبكرة في هذه الفترة الانتقالية يصب في خانة الاستعجال لقيام الانتخابات بقانون الانتخابات القديم لإعادة انتاج الأنظمة الفاشلة، مبيناً أن قوى “الحرية والتغيير” والمحتجين لن يسمحوا بالارتداد عن الفترة الانتقالية بإقامة انتخابات، مشدداً على أن “من يريد الالتفاف عليها سيجد الحبل ملفوفاً على رقبته”.

إسماعيل محمد علي

اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..