مقالات وآراء سياسية

اللغة و القرآن و التاريخ (10)  

زين العابدين حسن

مر بنا متى ظهرت مكة في سرديات الآخرين ، ماذا عن الكعبة ؟ أول ذكر للكعبة في سرديات الآخرين نجده في القرن الثامن الميلادي بعد وفاة النبي (ص) باقل قليلا من قرن تقريبا . نعرف أنه كانت هناك كعبات كثيرة منتشرة في الجزيرة العربية تشبه الكعبة المكية كبناء مكعب و يوجد في أحد أركانه حجر أسود نيزكي باعتبارأنه سقط من ملاط بيت الرب في السماء . يمكن نقل ما جاء في الوكيبيديا :

يقول الباحث ( محمود سليم الحوت ) : ” يجب ألا يخطر على بال أحد أن مكة – وإن ارتفعت مكانتها عن سواها من أماكن العبادة – هي القبلة الوحيدة في الجزيرة ؛ فقد كان للعرب كعبات عديدة أخرى تحج إليها في مواسم معينة وغير معينة ، تعتر ( تذبح ) عندها ، وتقدم لها النذور والهدايا ، وتطوف بها ، ثم ترحل عنها بعد أن تكون قد قامت بجميع المناسك الدينية المطلوبة “. وقد اشتهر من بيوت الآلهة أو الكعبات ما وجدنا ذكره عند الهمداني ( بيت اللات ، وكعبة نجران ، وكعبة شداد الأيادي ، وكعبة غطفان ) ، وما ذكره الزبيدي ( بيت ذي الخلصة المعروف بالكعبة اليمانية ) ، وما جاء عند ابن الكلبي ( بيت ثقيف ) ، إضافة إلى ما أحصاه جواد علي ( كعبة ذي الشري . و كعبة ذي غابة الملقب بالقدس ) ومحجات أخرى لآلهة مثل ( اللات ، وديان ، وصالح ، ورضا ، ورحيم ، وكعبة مكة . وبيت العزي قرب عرفات ، وبيت مناة )  ، هذا مع ما جاء في قول الأستاذ العقاد عن ” .. البيوت التي تعرف ببيوت الله أو البيوت الحرام ، ويقصدها الحجيج في مواسم معلومة تشترك فيها القبائل .. وكان منها في الجزيرة العربية عدة بيوت مشهورة ، وهي بيت الأقيصر ، وبيت ذي الخلصة ، وبيت رضاء ، وبيت نجران ، وبيت مكة .. وكان بيت الأقيصر في مشارف مقصد القبائل ؛ من قضاعة ولخم وجذام وعاملة . يحجون إليه ويحلقون رؤوسهم عنده .. فالأمر الذي لا يجوز الشك فيه أن البيوت الحرام وجدت في الجزيرة العربية ؛ لأنها كانت لازمة .. وقد اجتمع لبيت مكة من البيوت الحرام ما لم يجمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة ؛ لأن مكة كانت . ( ملتقى القوافل ؛ بين الجنوب و الشمال ، و بين الشرق والغرب  و يمكن  التمييز بين مفهوم العربي الجاهلي لمعنى الألوهية ومعنى الربوبية ، فالألوهية تعني إلها غير منظور يسكن السماء ، ومن هناك يتساقط ملاط بيته الإلهي من أن لآخر ، على هيئة أحجار سوداء ، في حين أن الربوبية تشير إلى تقديس للأسلاف يتفق حجمه مع أهمية رابطة الدم عند العربي البدوي . وعلى هذا النحو  عبد النبطيون حجراً أسود يرمز إلى الشمس كإله للسماء  ، وعبد الهذليون حجراً أسود يرمز لمناة ، وكان ذو الشري حجرا أسود ، وكذلك كانت الكعبة إطاراً لحجر أسود  ، كما كانت باقي الكعبات تتسم بذات السمة ؛ فهي أطر لأحجار سود . وسميت هذه الكعبات بيوت الله  لأن كل بيت منها فيه حجر من بيت الإله الذي في السماء  تمييزاً له عن الأرباب التي لم تكن سوى مجرد تماثيل أو أحجار بركانية توضع في أفنية الكعبات ؛ انتفاعاً ببركات الأسلاف الصالحين ، وتشفعاً بهم عند إله السماء … انتهى .

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AA

يمكن الإشارة لرأي مستشرق الماني عن نشوء مكة و طقوس الحج و أنها نشأت بعد القرن الرابع الميلادي ، يقول إن مقام إبراهيم الأصلي كان في مدينة الخليل في فلسطين و كان العرب الوثنيون يقدسونه و يحجون إليه ، و كانت هناك بئر مقدسة يقال إن إبراهيم الخليل هو من حفرها ، كان العرب الوثنيون يذبحون قرابينهم عند البئر المقدسة حتى القرن الرابع الميلادي حين جعل الإمبراطور الروماني قسطنطين الديانة المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية ، و حين زار الخليل منع الوثنيين و ذبائحهم ، فانتقل الوثنيون بطقوسهم إلى ما سيعرف فيما بعد بمكة و حفروا بئرا مقدسا (زمزم) و جعلوا مقاما لإبراهيم هناك و جلبوا معهم تماثيل للات و مناة و العزى و إيساف و نائلة (تاريخيا اصلها من الشام) ليضعوها هناك  ..

حان الأوان لنقد نظرية جيبسون و المؤرخين الجدد بعد عرض كل ما يتعلق بها تقريبا . سأطرح ذلك في شكل نقاط :

1 ـ هل من الممكن تأليف رواية كاملة عن آلاف الأشخاص و مئات الأماكن في تسلسل تاريخي يمتد لأكثر من قرن (رواية ابن اسحاق) ثم تستمر الرواة في البناء عليه و لمئات أخرى من السنين ؟

2 ـ لم تكن الرواية تخص قوما متفقين بل مختلفين أشد الإختلاف : سنة ، شيعة ، خوارج ، معتزلة ، أمويين ثم عباسيين و بعدها دولة الأمويين في الأندلس مقابل دولة العباسيين في العراق … الخ ، فكيف لا نجد و لو أثرا واحدا يدل على تلك الرواية في كل الكتابات التي وصلت إلينا .

3 ـ ليس من المنطقي هجرة المسلمين للحبشة إذا كانت البتراء هي مدينة البعثة النبوية ، (نعم لا يوجد في تاريخ أثيوبيا أي ذكر لهجرة المسلمين إليها) ، لكن ذكر الهجرة في السيرة جاء منطقيا مع ظهور الإسلام في مكة .

4 ـ تم ذكر أماكن كثيرة في السيرة (الطائف ، الحديبية ، بدر ، أحد … الخ) و هي أماكن لا زالت تحمل نفس الأسماء و قريبة من مكة و ليس لها وجود قرب البتراء .

5 ـ عن اتجاه القبلة فإن الاختلاف يسير بينها و بين القبلة الأولى (أو الثانية) “بيت المقدس” مما يجعل الحجة ليست بذات قيمة .

6 ـ ذكر نباتات غير موجودة في مكة و موجودة في الشام لا يعتبر حجة ن فالبتراء نفسها تقع في منطقة صحراوية شبيهة بمكة .

لكل ذلك فرواية ابن إسحاق و الرواية الإسلامية التي بين أيدينا هي الرواية الاصح و ليست تخريجات دان جيبسون و لا توم هولاند و لا المؤرخين الجدد … نعم هناك نقاط تحتاج لبحث لأنها تمثل إشكالية .

تبقت وجهة نظر من يقولون إنه لا إلزامية للتمسك بالروايات عن السنة و هو ما أتركه لحيز آخر لأن الموضوع قد طال .

زين العابدين حسن

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. القول بأن الألوهية تعني إلها غير منظور يسكن السماء ، ومن هناك يتساقط ملاط بيته الإلهي من أن لآخر ، على هيئة أحجار سوداء ، في حين أن الربوبية تشير إلى تقديس للأسلاف يتفق , هذا القول غير صحيح , فكلمة الرب تعني الخالق أو السيد , قال الله تعالى : ” قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سيقولون لله قل أفلا تتقون” و في سورة الأنبياء ” قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ “. فقال ربكم اي خالقكم .
    أما الاله فهو المعبود المتأله قال الله تعالى ” أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ” أي قال الكافرون أجعل محمد المعبودات كلها واحدا

    1. هذا القول الذي علقت عليه ليس من بنات أفكار الكاتب. هو تعريف الجاهليين لآلهتهم وأربابهم والكاتب مجرد ناقل لهذا الفهم الجاهلي وتمييزهم بين الإله والرب نقلا عن تحليلات المستشرقين. وبغض النظر عن صحة هذا التمييز أو صحة النقل عمن نسب ذلك إلى الجاهليين، فالجاهليون لا يرد عليهم بالنص كالمستشرقين! المستشرق يفترض فيه أنه كما اطلع على آثار الجاهليين واستخلص مفاهيمهم من تحليلها، على إطلاع وفهم للنصوص القرآنية. لذا يمكن محاججته بالقرآن فيما استخلصه من فهم للنص أو مناقشته فيما قرر بناء على تحليلاته لأي أثر أو نص. أما الكاتب فلا يناقش إلا في رأيه الخاص والذي فصله ورقمه في هذا المقال ولم يتضمن رأيه في مفهومي الإله والرب في القرآن ولربما لم يخف عليه ما تفضلت به. قلت هذا فقط إحقاقا للحق لأن هذا الكاتب فيما يبدو لي أنه لن يرد على التعليقات كما هو واضح من سلسلة مقالاته السابقة وشكراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..