بعض الملاحظات عن حياة البقارة والنوبة في غرب كردفان

بقلم: اليوزباشي نجيب افندي يونس

ترجمة: د. مبارك مجذوب الشريف

المصدر: مجلة السودان في رسائل ومدونات المجلد الخامس الصادر في عام 1922

1- البقارة

عندما تُعبد الشجاعة

لا شيء مخجل في حياة شاب من شباب البقارة اكثر من اظهاره الجبن حين يقتضيالموقف منه الشجاعة، ولا عذر يمكن تقديمه امام القبيلة لتبرير اي سلوكمن هذا النوع، ولا ابالغ ان قلت ان البقاري يفضل الموت وبكل رحابة صدر ولا ان تبدر منه أدنى بادرة جبن، وسنستعرض هاهنا بعضاً من عادات وتقاليد هي المصدر الرئيس لرعبهم من النعت بالجبن.

فتيات البقارةلهن رقصات مثل فتيات القبائل الاخرى في السودان، واعتقد انهن حتى وهن يستقلن المواصلات العامة او اثناء اعمالهن العادية يترنمن بالأشعار التي تصاحب هذه الرقصات، والنصوص عربيةالتي يتغنين بها من نظم شاعرات قبليات مشهورات يسمين بالحكامات، وتأتي في المقام الاول الأغاني التي تمتدح الاعمال البطولية التي يقوم بها الفتيان؛ مثل قتل فيل أو اسد أو زرافة او مطاردة عدو منهزم، وفي الأيام الخوالي كان يضاف لهذه القائمة القيام بغارات لجلب الرقيق.

تأتي في قمة طموح الفتى البقاري مسالة الفوز باستحسان فتيات ونساء القبيلة وخير وسيلة لنيل هذه الغاية هي اغنية إطراءتمجد بطولته، لأن هذه الاغاني تنتقل من فريق لآخروتشتهر لدى كل القبيلة. لهذا فان الهدف الاول لأي رجل هو احراز مأثرة من مآثر الشجاعة تصلح لتكون مادة ثرة لأغنية من اغاني المدح والإطراء.

ومن ناحية اخرى فإن ابدى الفتى جبناً في موقف من المواقف، ووصل ذلك لمسامع الحكامة فان عليها تأليف اغنية تفضح المذنب وتعرضه لسخرية الجميع وازدرائهم، وتقوم بتقديمها في اول تجمع راقص لتلقى حظها من الانتشار. وحالما انتشرت الاغنية في عموم القبيلة فمن المفترض ان يستمر تداولها لمدة سنة كاملة كنوع من العقاب للشخص المتورط في الفعل، وكتحذير لغيره من رجال القبيلة.

بانتهاء السنةسترفع الاقلام وتجف الصحف ويحاولون نسيان ما حدث بغرض اعطاء المذنب فرصة أخرى، ومن نافلة القول ان المذنب خلال هذه السنة الغبراء عليهوالتي تلاحقه فيهاوصمة العار لا يجد ادني اهتمام من جانب النساء؛إذ نزلت درجته عندهن واصبح لديهن كماً مهملاً،فيهبط به عدم الاحتفاء والتجاهل لدرك سحيق من البؤس. وهكذا تبعث المرأة الشجاعة في الرجل. ويمكن القول وبكل ثقة ان تقديرمكانة الرجل من جانبالجنس الاخريتأثر مباشرة بما يحققه من سمعة حسنة في مجال الشجاعة وعدد الاعمال البطولية التي يبادر إليها. ويمكن تقديم بعض النماذج للتوضيح:

صائد افيال متمرس خرج مع رجلين في مهمة صيد وعند وصولهم لنقطة معينة ابصروا بفيل، نصح الصياد المتمرس رفاقه بعدم مطاردة الفيل إذرآه خطرا عليهم  نسبة لوجوده في دغل كثيف الحشائش حيث كان يرعى، رفض رفيقاه نصيحته وقد سال لعابهم لأنياب الفيل مصدر العاج فقررا مطاردته؛ فما كان من الرجل الا ان تركهم وعادادراجه. سرعان ما تحقق ما انذر منه، إذ حمل الفيل الجريح على الصيادين؛ وعندما حاولا الفرار على صهوة جواديهما عبر الغابة الكثيفة تمكن الفيل منهما ومن جواديهما فأردى الجميع قتلى.

ذاعت انباء الحادثة بين افراد القبيلة، وساد رأي عام بينهم يدين الصياد المتمرس لتخليه عن رفيقيه في ساعة الخطر، ويرى انه لو بقي بجانبهمافلربما استطاع اعاقة الفيل ولتمكن من انقاذ حياتيهما بخبرته ومهارته، وهكذا لم يمض وقت طويل إلا وقد نُظمت أغنية تُدينه وتندد بتخاذله.

في قصة أخرى كانت هناك مجموعة مكونة من تسعة فتيان وقد جلسوا باسترخاء قرب الآبار منهمكين في سرد الحكايات، وبينما هم كذلك جاءهم تحذير مفاجئ باقتراب ثعبان سام ضخم الجثة منهم.

تلفت آدم حواليه دون ان ينهض من مكانه؛ وكان واحداً من هؤلاء الشبابولي به معرفة سابقة جيدة،وأخذ في تقدير المسافة بينه وبين الثعبان ليقررما هي الخطوة التالية لمجابهة هذا الخطر، ولكن فاتالأوان؛ فقد وجد الفتى ان الثعبان كان قاب قوسين أو أدنىولا توجد أدنى فرصة لمقاتلته، لذا استجمع الشاب كلأطراف شجاعته وجلس بهدوء في مكانه مرتقباً عضة الثعبان القاتلة، كان بمقدور آدم القفز أوالهرب لينجو بنفسه؛ لكنه لو فعل ذلك فسيرتكب نوعا من تلك الأفعال الجبانة التي ستهبط بقدره اسفل سافلين لدى افراد القبيلة، زحف الثعبان متسلقاً ظهر آدمواستقر بين كتفيه وقد رفع رأسه مستكشفاً ما حوله، ثم نزل زاحفاً على ركبتي الفتى وتجاوزه الى جاره، حيث دس نفسه تحت قميص هذا الجار.

لسوء حظ آدم فهذا الجار ليس جاراً عادياً؛ بل كان أخاًلتلك البنت التي يراها آدمفتاة احلامه.آدم الآن في مأزق،إن قتل الثعبان هذا الولد ففتاة الاحلام ومعها كل القبيلة سينظرون لآدم باعتباره جباناً رعديداًلم يقدم على انقاذ الولد في الوقت المناسب، لذا لم يكن هناك مفر أمامه سوى المخاطرة بحياته، بادر آدم وأمسك الثعبان من وسطه وقام بسحبه من جسم الولد ورماه بعنف على الارض، لحسن الحظ قام أخ للولد صدف وجوده في المكان بقتل الثعبان بضربة واحدة موفقة بمجرد ملامسته التراب. لا شك ان محنة كهذه تحتاج لنوع من هدوء الاعصاب الشديد يتمكن صاحبه به من ضبط تصرفاته على هذا النحو البارد وهو ما يعتبره البقارة قمة الشجاعة، ومكافأته هي الاطراء والاستحسان من جانب المغنين والمنشدين.

قصة اخرى ذات طبيعة مختلفة، بينما كنت في قرية تتبع لاحد النظار شاهدت طفلاً في الثالثة من عمره يتشاجر مع اخته، وفي لحظة غضب رماها بحجر سبب لها جرحا ليس بالبسيط في جبهتها، اسرعت نحوه مهدداً وفي يدي سوط، ولكن لدهشتي لم يتحرك قيد أنملة من مكانه مبدياً استعداده لتحمل أي نوع من العقاب، نظرت لأمه وقلت لها يبدو أن ابنك لا يخاف من السوط!، أجابت: وهل تظن ان ابني سيجلب لنفسه العار ويفر هارباً؟ كلا لن يفعل ذلك إنه ليس جباناً. وتظهر هذه القصة نوع التدريب الذي يقوم به الوالدان تجاه ابنائهم، وروح الشجاعة التي يلهمانها لهم.

الزواج

عند وصول فتى من هؤلاء العرب لسن البلوغ فمن المفترض ان اباه سيقوم باختيار زوجة له، واحيانا قد يأخذ الشاب زمام المبادرة فيختار لنفسه؛ ولكن عليه الحصول على موافقة الأب،أما البنت فلا رأي لها في هذا الشأن، فوالديها وخالها هم من يختار لها. والبقارة يفضلون زواج الأقارب، ويتزوج الشاب ابنة عمه او من اقربائه الآخرين، وليس من المفترض ان يتزوجوا خارج (خشم البيت). على ان الأم أن تجهز عند وقت الزواج (الُخمام)، وهو السرج الذي يوضع على ثور الرحيل ومعه طقمين من الزخارف واحد للاستخدام العادي وآخر للمناسبات، وهي مصنوعة في الغالب من الجلد وتكلف ما بين عشرين الى ثلاثين جنيها، المهر يدفعه الرجل وهو ايضاً ما بين عشرين الى ثلاثين جنيها نقدا،أو على شكل رؤوس من الماشية، وعليه ان يشترى ملابس العروس  وبعض الحلي من الفضة.

يتم بناء مسكن خاص يسمى بيت العرس مختلف في شكله عن البيوت العادية.وهو مستطيل ومنحدر وارتفاعه ستة امتار وعرضه ثمانية امتار وطوله يتراوح ما بين خمسة عشر إلى عشرين مترا. وطيلة ايام الاحتفالات يتشوق الكل بصورة عارمة لمعرفة موقف عذرية الفتاة، فان كان الأمر على مايرام، فان العريس سيتحف ام العروس بعجل، وان لم يكن كذلك، فلا بأس؛ وسيكون الزواج سارياً كالمعتاد؛ لكن الخاسر سيكون ام العروس إذ ستخرج خالية الوفاض من الهدايا.

في يوم الحناء يجتمع اصحاب العريس لتقديم هداياهم في شكل نقود او ماشية او خيول، وهي عادة الغرض منها مساعدة العريس لمواجهة نفقات الزواج الباهظة.

عادة الحضن

يُسمح لأي فتاة غير متزوجة أو امرأة مطلقة باستقبال زوار من الشباب في منزلها بطريقة علنية، وقد يزورها عدد مؤلف من ثمانية فتيان في المساء وأي واحد منهم ينال استحسانها ربما تدعوه لقضاء الليل معها. وتتطلب الأعراف القبلية من الضيف احترام عذرية الفتاة غيرالمتزوجة. ولكن في بعض الاحيان فإن هذا العرف قد يصبح خبراً من اخبار كان.

ختان الإناث

في السابق كان البقارة ممن يسكنون اساساً في الغرب يمارسون نوعاً من الختان الذي يسمى (سنة)، لكن الختان الفرعوني بدأ في الانتشار تحت تأثير التجار والإفراد القادمين من شمال السودان ممن لهم صلات بالبقارة. واول قبيلة تبنت هذا النمط الفرعوني هي المسيرية الذين يقطنون اقصى شرق مناطق البقارة، وعندما غدت شائعة بينهم قاموا بنقلها لجيرانهم الفلايتة من الحُمر ثم العجايرة من نفس القبيلة.

في زيارتي الأولى للمجلد في عام 1917 كان العجايرة لا يزالون متمسكين بختان السُنة، وقمت بكل ما استطيع من جهد لإقناع الناظر نمر على الجلة ببشاعة الختان الفرعوني والضرر والمعاناة التي يسببها للنساء، ورجوته ان يستخدم ما لديه من نفوذ لمنع انتشاره بين افراد قبيلته، كان يبدو عليه الاقتناع بما اوردته من حجج ووعد خيراً، ولكن وبكل أسف ففي زيارتي الثانية في عام 1918 وجدت انتشاراً للختان الفرعوني وحفاوة بالغة به،والاسباب التي يمكن ابرازها في هذا المقام هي:

1- افتراضهم انه يشكل حماية ضد الحمل غير الملائم.

2- ان الضحية ستكون ذات جاذبية اكثر للرجال.

الاعتقادات والعادات ذات الصلة بالطب

لدى (الفقراء)، بالمعنى الديني، نفوذ كبير بصفة عامة، والطلب عليهم كمعالجينكبير، واسلوبهم الرئيس في العلاج يقوم على كتابة نصوص دينية على الواح خشبية، ثم يقومون بغسل اللوح من الحبر وسيشرب المريض الماء الممزوج بالحبر.

ويقوم العلاج المقدم من الفقراء على المعالجة الروحية او باستخدام الاعشاب. ويجري ايضا اللجوء للعشابين طلبا للراحة والعلاج. فان حدث وشفي المريض فالفقير ينال الجائزة، وإن حدث ومات فلا تثريب على الفقير، فالله قد اراد ذلك.

علاج مرض الزهري بالبرمة

يجمع العشاب برادة الحديد ويضيف لها شيء من القرض والعرديب والعطرون واعشاب اخرى معينة، ويغلى هذا الخليط في البرمة لمدة اربع وعشرين ساعة، ويضاف لهالماء من حين لآخر متى نقصت كميته نتيجة للتبخر. يستدعي المريض لمنزل العشاب ويبقى تحت ملاحظته لمدة خمسة عشر يوما متتالية، وفي خلال هذه الفترة فهو يعيش عيشة النساك، لا يسمح له برؤية أي شخص ولا اكل أي طعام سوى قليل من الدقيق الممزوج بالماء، الحرية الوحيدة المتاحة له هيأن يشرب من محتويات البرمة متى شاء. بتمام الايام الخمسة عشر سيكون ناسكنا في حالة يرثى لها من الضعف والهزال نتيجة لانعدام التغذية،وستصعب عليه الحركة او حتى الوقوف على رجليه،  حينهاسيُطلق سراحه، وعليه العودة بعد عدة اشهر لدورة اخرى من العلاجنفسه، وفي معظم الحالات فان هذا العلاج غير نافع البتة، وفي حالات معدودةفإن قليلاً من التحسن قد يحدث.

الجنين النائم

هناك اعتقاد عام في غرب كردفان انه وفي بعض حالات الحمل، لا يأتي المخاض الأم، ويظل الجنين لسبب أو آخر (نائماً) في رحمها لمدة قدلا تقل عن  سبع سنوات واحياناً عشر مسبباً لها العقم ومشاكل أخرى متنوعة.

مرارا وتكرارا تأتي الي نساء يعتقدن بوجود مثل هذه الحالة لديهن يستشرنني ويطلبن احداث المخاض؛ اما بعملية جراحية او بالأدوية، في بعض الحالات كنت اجد اورام في الرحم بأحجام مختلفة، وفي حالات اخرى أجد التهابات في الرحم، وقد أخُبرت بقصة امرأة تعاني من حالة الجنين النائم طلقها زوجهالهذا السبب، تزوجت المرأة تالياً رجلا آخر، ويبدو أن الزوج الجديد قد حالفه التوفيق في ايقاظ الجنين من نومه وتحريكه، ثم وضعته امه مكتمل النمو.

2- النوبة

طقوس الحداد لدى الداجو في سيلكّي

يعتبر الداجو في منطقة سليكي اكثر مجموعة من مجموعات الداجو تحضراً ويُعزي هذا لقربهم من المسيرية، وقد صدف اثناء وجودي هناك ان واحداً من العمد البارزين ويدعي كوكو حمدان، كان يقوم بإجراء طقوس مرور عام على وفاة زوجته. ومن حسن حظي أنني وقفت على كامل التفاصيل،كانت هناك تجهيزات كبيرة للمناسبة أعدت مسبقاً تتضمن اعداد كميات كبيرة من المريسة وذبح اربعة ثيران؛ وبعض الخراف وكذلك متطلبات الطبخ. في اليوم المحدد للاحتفال فان كل سكان التل مدعوون دون استثناء الى بيت العمدة. تحت ظلال احدى شجرات التبلدي القريبة من المنزل تجمعت فرقة لأداء رقصة تسمي (كانجا). الجو الموسيقي للرقصة يوفره طبل وخمسةمن نافخي الابواق، ويصنع البوق من قرعة ذات شكل اسطواني طويل يُضم لها باستخدام شمع العسل قرع صغير مستدير، ويرتدى كل شخص ملابس نظيفة للغاية خصوصاً الأطفال، وكذلك الفتيان؛ ويبدو ان الفتيان يدخرون هذه الملابسخصيصاً لمناسبات كهذه. يتم تشكيل دائرة كبيرة حول الفرقة الموسيقية، ثم يتظاهرالفتيان بشن هجوم على الفرقة بركض خفيف للأمام، وعند تقهقرهم للخلف يقومون بالقفز مرتين على كتلة من الخشب بينما تُرمىكتلة أخرى عالياً في الهواء، ويقوم الفتية اثناء الهجوم بهز الرماح فوق رؤوس الفتيات الراقصات، لكن دور الفتيات في هذا الاستعراض محدود لدرجة ما.

تستمر هذه الرقصة لمدة ساعة وبعد انتهائها، تتحرك الجموع نحو حوش العمدة، وإلى المكان الذي دفنت فيه الزوجة بغرض زيارة القبر وتقديم رقصة الاحترام. وهناك تظهر حوالي اثنتا عشر امرأة يحملن لقب كجور وهن جاثمات حول القبر، وتجلس الكجورالقائدة القرفصاء في مركز الدائرة فوق التلة. وترسل هذه القائدة من حين لآخر حركات واشارات غريبة تعتبر إظهاراًلقدراتها الروحية القاهرة، بينما تنحنى بقية فرقتها امامهاويقدمن لها بكل توقير بعض الحلي التي ترتديها نساء الداجو. اضافة لهؤلاء النسوة الكجور يوجد في الحوش الفرقة الراقصة وعدة مجموعات منالرجال يستمتعون باحتساء المريسة واكل اللحم. وبعد نصف ساعة يغادر الجميع الحوش ويعودون لشجرة التبلدي لمواصلة الرقص والذي سيتسمر لبعض الوقت؛ ثم يعقبه أهم طقس في الاحتفال والذي يعتبر مسك الختام.

مراسم هذا الطقس تتطلب خروج الجميع من القرية باتجاه الجنوب تقودهم الفرقة الموسيقية ويتجنبون التل بغرض الدخول مرة ثانية للقرية من الناحية الغربية، ومع اقتراب المغيب على الجميع الركض بأقصى سرعة ممكنة ودخول القرية من غربهاوعلى راكبي الدواب حثها على تقديم اقصى سرعة لها.

العادة هي ان يجرى الجميع رجالاً ونساء دون ان يتعثر أحد منهم او يتوقف او ينظر خلفه، والاعتقاد هو أنه عند خروج الموكب من القرية فان الموت ُيقتلع منها وُيرمي في الغابة، وعندما يدخلون قريتهم مرة اخرى فعليهم محاولة الفرار منه ودخول منازلهم بأسرع ما يمكن؛ففيها ستكون الصحة الموفورة في انتظارهم.أما سيء الحظ الذي يتعثر او يسقط او ينظر خلفه، فهم يعتقدون أن على هذا المسكينان يبحث عناسمهفي قائمة موتى السنة القادمةبكل تأكيد، وهي فكرة تسبب رعباً عظيماً للجميع.

طقوس الدفن لدى الداجو

يدفن الداجو موتاهم في ساحات منازلهم، كل شخص داخل حوشه، والاستثناء الوحيد هو دفن السلطان، إذ يدفن في الغابة بعيداً جداً عن القرية، والسبب المعلن هو ان السلطان يرغم مواطنيه على سداد الغرامات والجبايات الباهظة، ولو دفن داخل القرية فان بذور صنائعه القبيحة قد تنمو مجددا وتتلبس من يخلفونه.

خلافة العرش

عند موت السلطان لا يخلفه ابناؤه ولكن الخلافة تنتقللأبناء أخته، والاسباب التي يسوقونها تقول أنه نسبة لوجود العديد من الممارسات الجنسية غير المنضبطة داخل القبيلة؛ فلن يكون في مقدور السلطان التأكد أن ابناء زوجاته هم بالضرورة ابناءه، فالزوجة الغريبة على البلاط السلطاني ولا تحمل دماء ملكية، سيكون طفلها الذي ربما تكون قد حملت به سفاحاً من احد العوام لن يحمل بالضرورة أي دماء ملكية، أما في حالةاخت السلطان فان موضوع الزنا يظل قائماً، لكن ما هو مؤكد أن أبنها فيه نصف من دمها ولحمها، وعلى هذا الأساس فإن نسبة ما من الدم الملكي تجري في عروقه. ولو كان لأخت السلطان ابنين فان أحدهما سيخلف السلطان بينما يرث الثاني كل الممتلكات، غير أن الخلافة على العرش تعتبر الأفضل.

حُرمة الحِداد

في كندكريا استشارني كجور وقادني لغرفتهالخاصة جداً والتي يحفظ فيها تعويذاته وتمائمه ومكملات هيبته، كان الغرض هو علاج ما تشتكي منه اصغر زوجاته، اخبرني الرجل انه وفي خلال فتر الحداد على والده؛ والتي تمتد لمدة سنة بعد الوفاة؛ فان عليه وعلى زوجاته وحسب العادات والتقاليد الامتناع عن الممارسة الجنسية، وأي انتهاك لهذا الحظر سيعود على مرتكبه بابتلاء من روح المتوفي، ولكن عند قياميبفحص ما تشتكي منه المرأة تأكد ليأن انتهاكاًللعادات والتقاليد قد حدث.

تعليق المترجم:

المؤلف هو اليوزباشي نجيب افندي يونس. وهو طبيب سوري عمل في السودان ضابطا في الجيش وخدم في عدة مناطق ومن ضمن المناطق التي عمل بها كاجو كاجي وغرب كردفان، وقد دون ملاحظاته في عدة مقالات شأنه شأن الموظفين البريطانيين العاملين في السودان، وقد كتبها بلغة انجليزية جيدة لا تقل في جودتها عن رصفائه البريطانيين. ورتبة يوزباشي رتبة موروثة من الدولة العثمانية وتعادل حالياً رتبة نقيب، وتعني في الأصل رئيس المائة. وكان من يحملها يضع على كتفه هلال ونجمة من الفضة. وافندي هي الأخرى تركية وتصاحب القاب الضباط من الملازم حتى رتبة بكباشي.

البقارة مجموعة من القبائل الكثيرة، يعيش معظمها في كردفان والبعض منهم في دارفور، ومجموعات أخرى في تشاد، وقد تختلف العادات والتقاليد بطريقة ما بين مجموعة بقارية وأخرى. ويجمعالمؤلف في حديثه عن بقارة غرب كردفان عدداً منهم، لكن من الصعب الحديث عن عاداتهم وتقاليدهم وكأنها موحدة.

وعموما يمتاز البقارة بنظرة اكثر تسامحا تجاه المرأة. لكن هذه النظرة المتسامحة تعرضت لمؤثرات سلبية وردت من مناطق السودان الشمالي وأهمها الختان الفرعوني وتبنيهم لهذا النمط.

اهم ما يسترعي الانتباه في سرد الكاتب عن قبيلة الداجو من النوبة هو وراثة ابن الاخت للعرش، وهي من العادات القديمة في مملكة مروي وممالك النوبة وقد اشار لها العديد من المؤرخين العرب ومنهم ابن حوقل، وهذا يشير لترابط قديم وتأثير وتأثر بين بقاع السودان المختلفة.

ويسترعي الانتباه ايضاً ما ورد في طقس الحداد والاسراع في العودة لبيوتهم فرارا من الموت والا يتعثر منهم احد او يسقط او ينظر خلفه.

ومسالة التحذير من النظر للخلف واردة في بعض الديانات السماوية كاليهودية والاسلام كما وردت ايضاً في المعتقدات الوثنية لدى الاغريق.

ومما لا شك فيه ان منطلقات الديانات السماوية واهدافها تختلف تماما عن منطلقات المعتقدات الوثنية، والعظات والعبرات التي توردها الآيات القرآنية في هذا السياق لا تقارن بما جاء في التوراة أو بما لدى الإغريق.

جاء في  سفر التكوين، الإصحاح التاسع عشر (23: 19) وإذ أشـرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر)19:24)فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً و ناراً من عند الرب من السماء)19:25)وقلب تلك المدن، وكل الدائرة، وجميع سكان المدن، ونبات الأرض)26:19(ونظرت امرأته مِنْ ورائها فصارت عمود ملح.

وجاء في القرآن الكريم في الآية 65 من سورة الحجر اية 65:

(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِوَٱتَّبِعْأَدْبَٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُتُؤْمَرُونَ)

وفي الآية 81 من سورة هود:

) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّمَوْعِدَهُمُالصُّبْحُأَلَيْسَالصُّبْحُبِقَرِيبٍ).

وفي الاساطير الإغريقية نجد اسطورة اورفيوسواوريدس

واورفيوس هو ابن لأبوللو وهو موسيقي بارع وكان يعشق امرأة تدعى اوريدس، ويوما ما جاءت اليه راكضة فلدغتها افعى تسببت في موتها وانتقالها من عالم الأحياء إلى العالم السفلي،وما كان لاورفيوس من سلوى سوى قيثارته فأخذت الالحان الشجية تنطلق منها باكياً على حبيبته اوريدس، ولما فاضت به الأشواق قرر ان يذهب لذلك العالم السفلي ليرى محبوبته، وهو عالم يحرسه  الوحش المخيف هدز، قام اورفيوس بترويض ذلك الوحش بألحانه العذبة، فتعاطف الوحش معه وسمح له بأخذ زوجته معه شرط إلا ينظر إليها أو يكلمها حتى يخرجان من العالم السفلي، ولما كانت زوجته مصابة بجرح في قدمها فقد سارا معاً  تنتابه الهواجس شفقة عليها، ثم بعد فترة لم يعد يحس بخطواتها وراءه؛ ومع ذلك صمم الا ينظر خلفه، تلاشى هذا التصميم بعد فترة من الوقت وقد بلغت به الهواجس والظنون مبلغها، واخيرا لم يعد يحتمل؛ فارتكب جرم الالتفات، وحين مد يده ليأخذها أُعيدت اوريدس للعالم السفلي مرة أخرى

ويعتقد الاغريق ان قيثارة اورفيوس تحولت لنجم ساطع تخليداً لذكرى هذه الأسطورة وما بها من وفاء بين الزوجين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق