مقالات وآراء

الخرطوم…. كذلك العـذاب

بسم الله الرحمن الرحيم
يوم السبت الماضي ، وصلت من الدمازين إلي الخرطوم في رحلة عمل قدرتها لمدة إسبوع علي الأقل. في الساعة السابعة من صبيحة يوم الأحد ، تحركنا بالسيارة من حي الواحة ، متجهين إلي حي السجانة ، حيث مقر العمل فوصلنا الساعة التاسعة والنصف. إنتهي العمل في الرابعة وقفلنا عائدين الي حي الواحة مع صلاة العشاء. في نفس الليلة قررت العودة فورا الي الدمازين ، فرارا من عذاب الخرطوم الذي يحول دون الإستفادة من الوقت في الإنتاج ، أما بالنسبة لأهلها فربما قد أصبح الأمر عاديا ولا أحد يسأل ، لأن المعايش جبارة ولا بد من تحمل هذا العذاب الشبه اليومي والذي أرجو شخصيا أن يكون عارضا.

مركبات من كل الأنواع والموديلات والأحجام ، تتسابق كلها صباحا للوصول إلي وجهتها وتفعل نفس الشئ في رحلة العودة وبحسبة بسيطة ، نجد أن الزمن المنفق في المواصلات يكاد يقترب من زمن العمل ولا تقدم يذكر علي المستوي القومي لحل هذه المشاكل التي ليست بالجديدة بالطبع ، فالقائمين علي أمر الطرق والمواصلات وتخطيط المدن لم ينجحوا حتي الآن في جعل الحركة داخل العاصمة تنساب بسلاسة ، بالرغم من أنني لا اشك شخصيا في حرفيتهم ولكن!! ربما البيروقراطية وأهواء رموز النظام البائد هي السبب في تلك الإعاقات ، فقد كانت تحشر أنفها دائما في كل شئ ا من أجل الكسب المادي فقط ، حتي أنهم لم يستوعبوا أن الخرطوم قد أصبحت من المدن الكبري التي يتعين تخطيطها بشكل حضري بإعتبارها ميجابوليس Megalopolis)) بل ومدينة نموذجية ، ، بالنظر إلي تاريخ إنشائها والتي من المفترض أن تقدم خدماتها عبر الحوسبة السحابية( تطبق الأن بعض من هذه الخدمات كوسيلة النقل ترحال والدفع حسب الإستخدام).

قصدت أن أتجاوز واقعنا المؤلم هذا وأنا أعلم أننا لازلنا بعيدين كل البعد عن تلك الرؤي وأننا لم نصل بعد إلي مرحلة الإستقرار الفعلي كدولة ، خاصة وأننا قد عشنا فترات كالحات في ظل حكومات دكتاتورية وطائفية مضطربة ، كان آخرها ، حكومة الهوس الديني ، أو المؤتمر اللاوطني ، التي عاشت ثلاثين عاما فوق ظهورنا ، قضت خلالها علي الأخضر واليابس ولم نرث منها إلا فسادا حقيقيا في الأنفس وفي الأرض وحروب ودمار ومذابح وإقصاء وتهميش وقتل للأنفس بغير الحق وإقتتال بين الإثنيات ( لا زال مستمرا حتي الآن ) ناهيك عن السرقة ونهب أموال الدولة وأكل أموال الناس بالباطل وأخيرا .. تفشي ظاهرة الربا ، الذي أصبح عاديا في السوق حتي ظهر بيننا المواطن “الغير نموذجي” الذي لا يري إلا مصلحته ، مما وضعنا في مأزق حقيقي ، في أيهما نُصلح أولا…. أنفسنا كمواطنين أم البلد !!؟

كانت الإجابة عويصة حتي وقت قريب حتي أنعم الله علينا بثورة ديسمبر الظافرة وحتي لا ينسب الفضل لغير أهله ، لم يأتي بها ، لا العسكر ولا قوي الحرية والتغيير ولا الحركات المسلحة ولا أي مسمي آخر وإنما دفع الناس بعضهم ببعض وبالقطع ، لا يفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم وإنما هم مدفوعون.

لذلك ، سيكون من المستحيل التلاعب بنا بعد الآن وكل ما علينا فعله هو الإلتفاف حول حكومتنا الإنتقالية الحالية والصبر عليها ، رغم ذلك العذاب ، مع تحذير كل من العسكر وقوي الحرية والتغيير ، من محاولات إعادة إنتاج الباطل علي حساب الحق ، بالتحالف مع أي قوي داخلية أو خارجية أخري لتقرير مصير ومستقبل البلاد ، أو التهاون والبطء المتعمد في محاكمة المتهمين ، سواء من رموز النظام البائد ، أو أولئك الذين كانت لهم اليد الطولي في فض الإعتصام ، أو الزج برموز محسوبة علي النظام السابق داخل الحكومة الحالية لعرقلة جهودها في مساعي الإصلاح ومحاولة إفشالها ولا يغرنكم بريق السلطة التي تتمتعون بها الآن ، فقد ذهب الذين كانوا أشد منكم قوة.

بعد ما إكتشفنا مؤخرا أن الثورة يتلاعب بها من بين ظهرانينا ، فسيكون ما بعده ، حكومة مدنية كاملة الدسم ، ليس فيها حرية وتغيير، البنك المركزي وكل مصادر المال الحكومي وكل القوي النظامية تحت سلطات الحكومة المدنية المنتخبة. هذا … وإلا !!.

المجد والخلود لشهداءنا الأبرار وإنا علي الدرب لسائرون بإذن الله.

الدمازين

في 23/01/2020

محمد عبد المجيد أمين ( براق )
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..