غير مصنف

مطلوبات الثورة (1): اقالة وزير المالية

تفتقد الثورة السودانية رغم عظمتها لوجود الحاضنة الفكرية والسياسية التي تقود هذه الثورة وتستطيع ان توجهها لما يريده الشعب، فمنذ بداية الثورة وجد الجميع ان الأحزاب السياسية حتى المعارضة بعيدة عن الوطن الذي يراه في مخيلته ويسعى إليه ويبذل من اجله الدم والروح، ولم يستسلم الشعب وبدا في صياغة ذلك الحلم في شكل شعارات ثم بدا يتحول إلى مطالب ثورية ويسعى إلى ان يتحول إلى رؤية لشكل الدولة السودانية. وأجمل مافي الثورة السودانية عدم وجود قائد لها فالشعب يستمع للكل ثم بعد ذلك يجمع بعض الأفكار من اتجاهات مختلفة يجدها متفقة تماما مع تخيله للدولة السودانية، وفي سعيه ذلك بدا في بعض الأسس التي لا يمنح احد الحق للاقتراب منها كما راينا في الحملة على برهان ومدني وغيرهم عندما تحدثوا عن قانون التظاهر، فعلى الشباب الثوري مواصلة الضغط من اجل تحويل كل الشعارات والأفكار إلى واقع فالمنظومة السياسية التي تقود السلطة مختلفة ومتباعدة بالإضافة إلى وجود المكون العسكري غير المؤتمن على الثورة وكذلك وجود الكثير من أعضاء النظام السابق الذين يحاولون عرقلة مسار الثورة.
وأول من نشير إليه هو وزير المالية وهو من المدنيين الذين أتت بهم قوى الثورة لتحقيق أهدافها، ولكن ما يحاول وزير المالية فعله من عدم الضغط على الكيزان ومن شايعهم من اجل ارجاع اموال السودان وتركهم يضاربون في قوت الشعب السوداني وتبني أفكارهم بالاعتماد على روشيتة البنك الدولي التي تم تجريبها منذ 92 وأدخلت السودان في النفق المظلم، وأول الإجراءات التي يسعى إليها وزير المالية هي رفع الدعم وهو القرار الذي رفضه الشعب في ثورة سبتمبر وثورة ديسمبر، ولكن لان الوزير لا علاقة له بالسودان فلنحكي له الحكاية من البداية.
فمنذ مجيء الكيزان لم تكن تمتلك تلك المنظومة مفهوم لاقتصاد الدولة وانشئوا اقتصاد للجماعة يجمع بين بعض نظريات الفكر العربي الإسلامي والفكر الغربي فخرجت باقتصاد رأسمالي ريعي للجماعة والذي يعمل على استغلال الموارد الطبيعية الأولية، ووظفت كل موارد الدولة من اجل خدمة أفرادها وأفكارها التي كانت تتجاوز محيط الدولة. وبدؤوا بخصخصة مؤسسات الدولة حتى تستطيع توفير سيولة سهلة ثم جاء البترول فاستغنت الجماعة عن كل المشاريع الأخرى إلى ان انفصل الجنوب، فوجدت المشاريع التي كانت يمكن ان تكون بديل اقتصادي قد انهارت تماما فلجأت إلى الاستدانة والقروض والمنح وبيع أراضي السودان حتى نضبت كل تلك الاتجاهات وأصبحت الدولة على شفير الهاوية، فلا يوجد ما تواجه به الصرف المتضخم على أعضاء الجماعة أو هياكل الدولة التي أوجدتها بالاتفاقيات والمحاصصات. ولم تكن تهتم بالإنسان السوداني الذي حاول تصحيح مسار السلطة عدة مرات من خلال ثورات داخلية متتالية أو من خلال الكفاح المسلح الذي لم يتوقف حتى نجح الشعب أخيرا في ثورة ديسمبر المجيدة من إزالة تلك السلطة، ويتطلع من ضمن أهداف يناء الدولة تصحيح مسار الاقتصاد السوداني ليصب في مصلحة كل أفراد المجتمع.
تلك كانت حكاية اقتصاد الكيزان اي ان كل اموال الشعب طوال 30 عاما كانت اما عند الجماعة او من شايعهم، اما ما يحاول ان يعيده مرة اخرى وزير المالية رهن اقتصاد السودان لصندوق النقد الدولي والتحدث عن وعود سرابية كما كان يفعل الكيزان دون وضع خطة واضحة وهو عكس ما تريده الثورة وتكرار من جانب السلطة الانتقالية بتمويل إخفاقاتها من جيب المواطن السوداني البسيط لتمويل بقايا النظام البائد والارزقية والمنتفعين. فأول أبجديات الاقتصاد التي تسعى لها الثورة هي ولاية وزارة المالية على المال العام حتى تعود كل الأموال المسروقة والمنهوبة ويتم توظيفها التوظيف الصحيح والهادف لمصلحة كل أبناء الوطن وينتهي تماما عهد الفساد والمحاباة ثم وضع ضوابط صارمة للتصرف في هذا العهد الذي نريده خاليا من السرقة والنهب المصلح، ولكن الوزير يؤخر الكثير من الإجراءات الإدارية التي هي بالضرورة من اجل وضع تصور للاقتصاد السوداني، فلا يسعي وزير المالية إلى ذلك الهدف بل ويساعد النظام البائد والفساد حين يحدثنا عن تبرع القوات الأمنية ل 2 مليار لدعم الميزانية، فذلك يعني أولا ان تلك المنظومة خارج دائرة وزارة المالية وانها تستحوذ من مال الشعب ما يفيض عن حاجتها ثم تأتي لتتبرع للشعب بجزء منه. وكذلك يساعد الوزير الفساد وهو يمنح عقد تصدير الذهب لشركة الفاخر دون ادني إجراءات إدارية يتم إتباعها في مثل هذه الظروف وهو فساد واضح يجب ان يحاسب الوزير عليه. وتارك الحبل على القارب للنظام البائد يتاجر بالدولار باموال الشعب وينهك في الخزينة العامة وياخذ منها ليسدد ديون على موازنات سابقة لا علاقة للثورة بها وكان يجب ان تسدد من اموال الكيزان، ولكنها ارادة حمدوك وارادة وزير ماليته.
ولم تقم الثورة من اجل منح وعطايا وهبات يحاول الوزير ان يدغدغ بها مخيلة الشعب السوداني، فمثل كلامه المعسول ذلك ذكره الكيزان وبكثرة ولم نجني منه شيئا ولم نطالب به، فإذا لم تتم محاسبة الوزير على الفساد الذي فعله فعلى الأقل يجب إقالته ويجب على السلطة السائدة ان تدرك ان السلطة ليست رحله ترفيهية أو مكان للعب بمصائر الشعب. وعلى الشباب الثائر ان يطالب بإقالة ومحاكمة هذا الوزير، وعلى من يأتي بعده ان يدرك ان هنالك إجراءات إدارية يجب اتخاذها قبل محاولة وضع تصور للاقتصاد أو تبني أي قرارات قد تضر بمصالح الشعب السوداني. وهي قرارات موزعة بين كل الوزارات، وأولها هي ولاية وزارة المالية على كل المال العام بداية من شركات المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعودة كل الشركات التي تم خصخصتها لمصلحة الجماعة، واسترداد كل الأموال والمشاريع التي حاذتها الجماعة أو شركائها، ومراجعة كل الاستثمارات في المجال الزراعي والتعدين والنفط والدقيق وشركات الاتصالات وغيرها بصورة تخدم الإنسان السوداني أولا ثم المستثمر ثانيا.
فأي حديث عن الموازنة أو خطة اقتصادية إذا كان رفع الدعم أو تحرير العملة أو حتى منح وقروض لدعم الميزانية في ظل التشوهات الماثلة لن يستفيد منها الشعب وستذهب إلى عملاء النظام البائد وسيتحمل الشعب مرة اخرى تسديد فاتورة لا علاقة له بها، ولم تقم الثورة من اجل ترقيع التشوهات ولكن من اجل ازالة نظام كامل وبناء نظام يخدم الشعب السوداني وبالتالي اي حديث قبل تلك الإجراءات الإدارية يمثل ردة على الثورة وإعادة إنتاج لنظام الكيزان ومحاولة لتدوير أموال السودان بين فئة محددة فقط.
خالد يس
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى