مقالات وآراء سياسية

سياسة الحميمية في الفترة الانتقالية

عبد القادر محمد احمد

رغم أنه لم يمض وقت طويل على تشكيل حكومة د. حمدوك، إلا ان  المواطن بدأ يتململ، وهو في ذلك معذور، فكل الشواهد حوله لا تبشر بخير، أزمات متفاقمة في الخبز والمواصلات والوقود، وغلاء فاحش ومتصاعد يوميا في كل أساسيات الحياة، والخطى تسير ببطئ نحو محاربة الفساد وإزالة التمكين وانصاف ضحايا الصالح العام، وتوظيف الشباب الذين فقدوا حقهم في المنافسة الشريفة، وفوق كل ذلك بعض مظاهر الفوضى وزعزعة الاستقرار الأمني هنا وهناك.

بدأت الأقلام والألسن كلها تتجه نحو د. حمدوك، بعضها مشفقة وبعضها تنتقد وبعضها تستنجد، وجميعها تدرك أو يجب أن تدرك، بأن مرحلة الانتقال التي نعيشها الآن مرحلة هشة، تكتنفها عدة تعقيدات، لا تسمح بتحقيق أهداف المرحلة الانتقالية فحسب، بل تهدد بالمخاطر المؤدية للانهيار الشامل للدولة، رغم ذلك الجميع يغض الطرف عنها عمدا أو تحرجا، بما فيهم د. حمدوك الذي يتحلى بقدر عال من الأدب واللطف وطولة البال وإحسان الظن بالجميع.

هذه التعقيدات في تقديري تتمثل في الآتي :-

السادة أعضاء المجلس العسكري الذين ساعدوا في سقوط نظام البشير وانحازوا للثورة هم وبطبيعة الحال، من كبار ضباط الجيش وقادة أمن ذلك النظام،،،

كذلك لا يخفى على أحد الدور الذي قام به الفريق حميدتي، قائد قوات الدعم السريع، في إسقاط البشير.

بالرغم من أن الشراكة العسكرية المدنية في السلطة خلال فترة الإنتقال تعد أمرا طبيعيا، إلا ان الشارع ومن خلفه قوى الحرية والتغيير لم يكونوا مهيأين نفسيا لمشاركة العسكر، فقد كانوا جزءا من نظام البشير ويتحملون المسؤولية عن كل أو بعض تجاوزاته، لذلك طالبوهم بالرجوع للثكنات ونادوا بالمدنية لتحكم الفترة الانتقالية.

شعر العسكر وبالذات قائد قوات الدعم السريع، بالاحباط من موقف الشارع وقوى التغيير تجاههم وهم يرون أنفسهم أصحاب القدح المعلى في الثورة، فبدوأ يتوجسون ويتحسبون، فأمسكوا عن إستغلال الشرعية الثورية في تصفية الدولة العميقة، وحصلوا على سند إقليمي وربما دولي.

عندما اقتنع المدنيون بأنه لا مفر من مشاركة العسكر، كان من الطبيعي أن تمر مفاوضات المشاركة والنسب في جو يسوده التوجس وعدم الثقةثم التعثر، فوقعت مأساة فض ميدان الإعتصام التي شكلت نقطة تحول سالبة في مسار الثورة، فأصبح من الصعب أن يكون التحول الديمقراطي هدفا مشتركا بين الجميع

مواجهة هذه المشكلة كانت أكبر من طاقة قوى الحرية والتغيير، فأمسكوا  حتي عن مصارحة الشارع بها، واكتفوا بتقنينها في الوثيقة الدستورية، لجعل مواجهتها من مهام فترة الانتقال، فجاءت الوثيقة بشكلها المضطرب، تبسط الحقوق والحريات وفي ذات الوقت تقنن للشرعية الثورية… .حلت مشكلة تنازع السلطة بين العسكر والمدنيين، غير انها اشتملت على نصوص تضع المعوقات أمام مسيرة الفترة الإنتقالية .!!

وقع المكون العسكري بشقيه (الجيش والدعم السريع) على الوثيقة، وكان طبيعيا أن تكون له اجندته الخاصة في كيفية الخروج من هذه الورطة، بما في ذلك من اختلاف الأجندة داخل المكون نفسه .

استنادا على هذه الوثيقة الملغومة، تم تشكيل آليات الحكم الانتقالي، وترتب على ذلك وضع في غاية التعقيد، بحيث أصبح المكون العسكري جزءا أساسيا في مكونات السلطة الانتقالية وممسكا وبطبيعة الحال، بالقوة العسكرية، وفي ذات الوقت متهما في جريمة فض الإعتصام، ونصت الوثيقة بأن يتم التحقيق ومحاكمة المتورطين فيها.!!

في خضم هذه التعقيدات ظل أنصار النظام السابق يتربعون في كل مفاصل الدولة يمسكون بكل الخيوط، ورغم التناقض بينهم والمكون العسكري حول الهدف الأخير ، لكنهم يلتقون في الحرص على إفشال الانتقال الديمقراطي، كما يشكل الإسلاميون في نظر العسكر رصيدا جماهيريا اذا اضطرهم الحال.

وسط هذه المناخ المضطرب المهدد بالانفجار، وافق د. حمدوك وأعضاء حكومته على القيام بمهمة تحقيق أهداف الفترة الانتقالية، من خلال إدارة دولة فاشلة في داخلها دولة عميقة، رموزها يحكمون وفي ذات الوقت يعارضون ويفتقرون لأي قدر من الوطنية.

لما كان على حمدوك أن يقاتل في عدة جبهات متنافرة، فقد اتخذ سياسة ( الحميمية) مع المكون  العسكري، فكان من غير المنطقي أن نتوقع بأن تثمر هذه السياسة خلاف ما أثمرت، وذلك بسبب اختلاف النوايا بين المكون العسكري والمدني، نحو تحقيق أهداف الفترة الانتقالية، لما اسلفت من أسباب.

غير أن ما يحمد للحميمية انها أجلت المواجهة التي لا يحمد عقباها، بما أتاح ويتيح للجميع التفكير وبعقلانية في كيفية الخروج من هذه الورطة، والتي بدون الخروج منها لن يتحقق أي هدف من أهداف المرحلة الانتقالية.

في الجانب الآخر كانت نتائج  (الحميمية)، مكلفة جدا، اوجز بعضها في الآتي :-

ظل تجار وأنصار النظام السابق  يتحكمون في سوق العملات الأجنبية تحت بصر وسمع الحكومة.

ظل الدولار مجنبا في قطاع الصادر الذي تحتكره شركات بعينها، كانت ولا زالت تنخر في جسد الاقتصاد الوطني المتهالك ( الشركات ساريا، زين، الاتجاهات المتعددة.. الخ).

ظل الذهب يهرب جهارا نهارا عبر المواني الرسمية، و بواسطة جهات معلومة للحكومة ، تتلقى التحية ممن يجب عليهم وقفهم.

ظل بنك السودان، وهو المسؤول عن السيطرة على التضخم بالتحكم في الكتلة النقدية ومراقبة أداء البنوك، ظل يعمل كبنك تجاري ويدخل في الكثير من المضاربات، ويقع تحت سيطرة مجلس السيادة وليس مجلس الوزراء، رغم أنف الوثيقة الدستورية.

ظل أنصار النظام السابق يسيطرون علي وزارات حساسة، مثل المالية والتجارة والصحة، فانعدمت الإرادة نحو تحقيق أهداف الثورة، فكانت كل الإخفاقات التي نشهدها اليوم، الغلاء الفاحش، أزمة في الوقود والخبز والمواصلات والدواء !!

ظلت ذات تعاقدات النظام السابق مع شركات مطاحن معلومة سارية ،  فاستمر التهريب وتوزيع الدقيق لغير مستحقيه.

ظل جهاز الأمن وهيئة عملياته وبكل فظائعه التي ارتكبها في حق الشعب، كما هو، ولم يحدث (شئ) من التغيير الا في أعقاب الأحداث الأمنية الأخيرة.

التساهل في إزالة التمكين ورد أموال الشعب خلق أوضاعا تحكي عن استخفاف بالثورة والدولة ، فنجد وزيرا سابقا  يرفض تسليم سيارات الدولة ويقوم بتشغيلها ليموزين!!

والحزب المحلول يقوم بالتصرف في المئات من السيارات بالبيع وبتوزيعها على منتسبيه، لتجد داخل المنزل الواحد أكثر من خمسة عربات، للجد/ة – والأبن/ة – والحفيد/ة- تجوب شوارع العاصمة تستهلك الوقود وتخلق الازدحام.!! لتحدث الندرة والفوضى والسخط.!!

بالتأكيد لا اقصد بهذا الرصد الموجز، إلقاء اللوم على حمدوك وحكومته، لكنه رصد يكشف خطورة ما تسير نحوه الأمور في بلادنا، بما يعني أن تأجيل  (المواجهة البركانية) ، سيترتب عليه  (انهيار الدولة) ، وهما أمران أحلامها مر .

في ذات الوقت اتمنى ان تكف الحكومة عن الوعود، وتواجه الشعب بحقيقة عقدة المنشار، وتدعو الجميع للجلوس، السلطة بمكونيها المدني والعسكري، العسكري بمكونيه الجيش والدعم السريع، قوى الحرية والتغيير بكافة مكوناته الحزبية والمهنية والشبابية ، وكل حكيم حريص على أمن واستقرار السودان، لكي يصلوا لكلمة سواء، توحد النوايا بين المكونين المدني والعسكري، لتخرج بلادنا من هذه الورطة وتسير نحو تحقيق أهداف الفترة الانتقالية والتحول الديمقراطي الآمن.

حاشية لا بد منها :-

ليس في هذا المقال ما يشكل إدانة لأعضاء المجلس العسكري في جريمة ميدان الإعتصام، لكن يشملهم التحقيق بحكم موقعهم في السلطة عند وقوع الحادث .

ليس في هذه المقال ما يشكل دعوة للمكلومين، من ضحايا مجزرة الإعتصام، للتنازل عن حقهم في القصاص.

المخرج الآمن لبلادنا وللجميع هو السير في طريق تحقيق أهداف الثورة.

إذا كنت قد أخطأت الفهم والتقدير في كل أو بعض ما ذكرت، يبقى العزاء أن الصواب يأتي من رحم الخطأ.

 

عبد القادر محمد احمد

[email protected]

تعليق واحد

  1. تلخيص صائب وواضح يا مولانا للوقائع وما يستشف منها من نوايا وما ينعكس عنها من نتائج يعيشها الكل والمحصلة أن الثورة لم تخقق حتى الآن أياً من أهدافها بخلاف إزالة رأس النظام البائد وحفظه في مكان آمن هو وبعض أركان نظامهم البائد وترك الباقون يجمعون صفوفهم من الزواحف الخضر ومافيا الدولار وعصابات النِقَرز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..