مقالات وآراء سياسية

الحاج وراق وفتح نيران جائرة على لجان المقاومة

محمود محمد ياسين

حتى الآن اتضح أن “قاطع الطريق” محمد حميدان حميدتي (المنفذ، بالاشتراك مع الجنرال البرهان، لمذابح الاعتصام في 13 مايو و3 يونيو 2019) يسيطر بميلشيات الجنجويد على الدولة السودانية سيطرة تامة، وهذا من شأنه إدامة ظلام نظام الإنقاذ والبطش بالشعب بصورة أخرى أكثر بشاعة؛ وهذا الوضع يستدعى التحرك والنضال من أجل مهمة طابعها (قومي) الا وهي انه لا يمكن ترك السودان لسيطرة ميلشيات. فعدم التحرك والنضال لمنع هذا الوضع فيه تنكر لتاريخ بلادنا ومن شانه خلق سد يحجب الضوء عن ومضات منيرة يزخر بها هذا التاريخ.

برزت مؤخرا بعض الاتجاهات تعارض الحراك الشبابي المناهض للحكومة الانتقالية بشقيها العسكري والمدني؛ وهي اتجاهات تعكس مواصلة الثبات على التوصيف الخاطئ لطبيعة النظام السياسي في السودان الذي ساد بشكل استثنائي صارخ خلال حكم الإنقاذ.

وهكذا ظهرت بعض الأصوات تدلى بأحاديث مشككة في جدوى التحركات الشبابية والهجوم على خطها الضاغط على الحكومة للشروع الجاد في تنفيذ مطالب ثورة ديسمبر 2018؛ وحجج هؤلاء تتلخص في نقطتين وهي أن كيانات الشباب من لجان المقاومة وتجمعات المستقلين تعوزها الخبرة وان تحركها يتسم بالتطرف وأن أعضاءها يفتقدون للوعي السياسي (الذي أفقدهم القدرة على وعى دور الأحزاب التقليدية).

إن حجة التطرف حجة سخيفة وقديمة تستهدف في السياسة كل من يصادم النظام السائد (status que) ويسعى للتغيير الراديكالي. فأين التطرف في مطلب هؤلاء الشباب بتنفيذ مطالب “الثورة” التي تتعرض للتسويف من قبل الحكم الانتقالي. أليست هي نفس المطالب التي دشن الخروج من أجلها الشعب في 2018 في الدمازين وعطبرة والخرطوم؛ فلماذا كان نفس الموقف المطلبي معتدلا وغير متطرف عندما كان بعض من يهاجمون الحراك الشبابي الثوري يتبنونه ويعرضونه من وراء الحدود عبر القنوات الفضائية العالمية…

إن التعامل الجاد مع ظاهرة التطرف في النشاط السياسي مسالة مهمة ومطلوبة ولكن يكون الانتباه ضروريا للتعرف على محاولات استخدام التطرف فزاعة لمحاربة المواقف الكبيرة والصحيحة.

وحول اتهام الشباب الثائر بافتقاد الوعي السياسي، يقول السيد الحاج وراق، أحد الناقدين، أن هذه الحالة تجعلهم لا يتمتعون بالقدرة على وعى دور الأحزاب في إرساء قاعدة الديمقراطية. وطبعا أراد وراق تجنب تحديد الأساس الاجتماعي للشباب الذين كانوا على صدر الاحتجاجات الجماهيرية ولجأ لحجة لا تعنى شئيا (سياسيا) في وصف الثائرين الذين أطاحت حركتهم بنظام الإنقاذ. وفي حديثه عن الديمقراطية وفهمه السطحي لها كمصطلح مجرد، يأتي بفكرة في غاية الغرابة والتبسيط ينقصها التفكير الجاد ويعجز عن ربطها (الديمقراطية) بما تُعلمنا له تجربتنا الوطنية والطبيعة الطبقية للأحزاب التقليدية. وفكرة وراق أن الأحزاب ومن بينها الحزبين الطائفيين ضرورية لتحقيق الديمقراطية وحجته أن هذه الأحزاب لها قواعد اجتماعية في مقابل الشباب (لجان المقاومة) الذى يتساءل متهكما مخاطبا لهم: كيف تُفعّلون الديمقراطية بال “فيس بوك”؟

إن تلخيص وصف وراق لحراك شباب لجان المقاومة بأن نشاطهم محصور على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، محاولة تفتقد أي قدر من النزاهة واللياقة الهدف منها التقليل من الهبة الشبابية العظيمة التي كان وراءها نشاط معارض لحكم الإنقاذ متواصل للجان المقاومة منذ تاريخ تأسيسها في 2013 والذى تمدد في ديسمبر 2018 واتخذ شكل مواجهات جماهرية حاشدة واجهت قوات نظام الإنقاذ وترسانة أسلحتها بشجاعة فائقة وضحى بعضهم بحياته في سبيل الإطاحة بنظام الإسلاميين الظلامي (المسالة لم تكن مجرد ثرثرة في الفيس بوك).

لكن هذا ليس المهم، فالمهم هو نظرته وتصوره لتأسيس وتوطيد قاعدة الديمقراطية في السودان إذ يراهن في مسألة توطد الديمقراطية على الأحزاب التقليدية بحجة أن هذه الأحزاب لها القاعدة الاجتماعية للقيام بهذا الأمر!! لكن هذا تفكير ومنطق غريبين، بل هو قول لا يعنى شيئا. فكل ما فعله الشباب المعارض للأحزاب الطائفية هو انهم راحوا يكشفون مواقفها المعادية لحراكهم ومحاولاتها للإنقاض التام على الانتفاضة الشعبية بداية بعلمهم بمشاركة بعض قادتها في مجازر اعتصام القيادة العامة وانتهاء بسعيها المحموم الحالي لإجراء انتخابات مبكرة والسيطرة على الحكم بالتعاون مع الجيش ومليشيات الجنجويد لا لتحقيق مطامح الشعب المنتفض بل للمصلحة التي تخدمها هذه الأحزاب.

وأي شخص له أدنى إلمام بمسار التجربة الديمقراطية الليبرالية في السودان يدرك أن اول من يضيق بالديمقراطية هي الأحزاب التقليدية (الطائفية والإسلامية) كما حدث في انقلاب 17 نوفمبر 1958 وحل الحزب الشيوعي في 1965 وانقلاب يونيو 1989.  فحديث وراق عن القاعدة الاجتماعية والتحليل الاجتماعي بشكل عام حديث في الهواء لا معنى له؛ و”التحليل الاجتماعي” لا يجدي التعامل معه كمفهوم مجرد، فتناول الأحداث يكون بلا معنى إذ لم يأت في سياق مصلحة القوى الاجتماعية من ورائها (المصلحة الطبقية). (كثير من مثقفينا لو صبروا قليلا على الماركسية لأدركوا هذا المعنى الذي يفرِّق بين السوسيولوجيا العلمية والذاتية.)

قد تكون هناك ألف ملاحظة وواحدة على عمل لجان المقاومة في اتجاه ضرورة تطورها، إلا أن نضالها ضد المؤامرات التي تحيكها الأحزاب الطائفية ضد ثورة الشعب يستحق دعمها، وبدلا من الهجوم عليها وتبخيس مجهودها النضالي وتعييرها بضآلة الوعي، المساهمة بمد أفرادها بكل ما يجعلهم يرتقون فكريا وهذا لن يتم إلا بالالتحام معهم في نضالهم ضد قوى الظلام والطائفية التي تجد الدعم من العسكر والمليشيات. وعلينا ان لا ننسى أن الوضع الثوري الحالي يهيئ مناخا يجعل الناس أكثر انفتاحا واستعدادا لتقبل وتداول الأفكار الجديدة.

وختاما، إن الحديث المتواتر عن أن معارضة الحراك الشعبي ضد الحكم الانتقالي ستؤدى للانقلاب على ثورة ديسمبر لا يعنى شيئا؛ فالانقضاض على ثورة الشعب يتم تحت ناظرنا بالسيطرة الماثلة للجيش والمليشيات على الدولة التي يدعمها الحزبان الطائفيان لإعادة إنتاج نظام الحكم السابق المرتكز على الأنساق الاجتماعية وعلاقات الإنتاج البالية….

 

محمود محمد ياسين

[email protected]

تعليق واحد

  1. “كيف تُفعّلون الديمقراطية بال “فيس بوك”؟”
    ان كان المقتطف أعلاه قد تفوه به الحاج وراق، فقد خاب ظننا فيه!
    الأحزاب التقليدية و خاصة حزبي الأمة والاتحادي لم يعملا على ترسيخ الديمقراطية و يكفي ان رئاسة الحزب وراثية !!!
    و الطامة الكبرى أن الحزب الاتحادي تحاول مع نظام الانقاذ حتى لحظة سقوطه
    و زعيم الامة قد قال: “البشير جلدنا و ما بنجر فيهو الشوك”
    فاي ديمقراطية سيرسخها هؤلاء؟؟؟؟!!!!
    كفى تضليلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..