مقالات وآراء سياسية

سؤال السلطة؟

عبدالله مكاوي

السلطة من حيث هي سيطرة واكراه، مؤكد ان توسعها خصم علي كل من تطاله بقانونها. لذلك من اجل تدبير الشؤون المجتمعية بطريقة تحافظ علي سلامتها، من دون المساس باكبر قدر من حريتها. قاد ذلك لتنظيم امر السلطة الحاكمة واخضاعها لمزيد من القيود التي تمنع التعدي علي حقوق المجتمعات المكتسبة. وعموما هذا ما كان من امر صراع طويل حسم لو بشكل غير مضمون او نهائي او شامل عبر آلية التداول السلمي السلطة، وبما هو مضمن في الدستور (العقد الاجتماعي) الذي يفصل بين السلطات. و المسألة كما سلف لم تتم بالسلاسة او البساطة المتصورة، ولكن اكتنفها صراع لا يخلو من عنف وتضحيات، وتحولات فكرية ونفسية ومجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، تضافرت جميعها للقطع مع تجربة السلطات المطلقة، والعبور لافق السلطات المقيدة. كافضل ما هو متاح، اقلاه لتلبيتها جانب هام من عملية التراضي والحرية والعدالة النسبيات او المعقولة للجميع. ويصح ان هذه التجربة لم تخضها كل المعمورة، كما انها تجذرت في مجتمعات واماكن محددة. ولكن لحسن الحظ ان اهم ما يميزها هي قابليتها للتطبيق والاستفادة من منجزاتها في كل مكان، اذا ما وجدت الفرصة والظروف المناسبة لهضمها وتمثيلها (عملية التغذية).

اما ما يخص تجربة نخبنا السياسية مع السلطة منذ الاستقلال، فاهم ما يميزها هو اسلوب التعاطي (الطفولي/التملكي) مع السلطة. نسبة لغياب وعي السلطة الحديثة وانعدام تجربة ممارستها. بمعني وعي السلطة لم يكن تراكمي في صراع مع الذات (الداخل/الجوهر) ولكنه كان مع الخارج (الاستعمار/المظهر). وفي حين كانت السلطة الحديثة هي في اصلها تخطي لنظام الاقطاع/الكنسي وملحقاته من الجهل والفقر والاستبداد، ومن ثم تحرير الفرد والمجتمع. نجد الطائفية التي ورثت السلطة، هي حالة مركبة من نظام الاقطاع/الدين! اي تكريس مضاعف للجهل والفقر والاستبداد، ومن ثم اعتقال الفرد والمجتمع في دائرة التبعية والحاجة. وعليه صعود احزاب طائفية لسدة السلطة بغض النظر عن الطريقة، فهو يعني تطييف للسلطة ليس إلا. وهذا ما قاد بدوره، من ناحية لاستعادة خبراتها التقليدية في التعامل مع السلطة، ومن ناحية اخري نقلت نفس امراض المكونات السياسية (خياراتها الصفرية) لساحة السلطة. من دون وضع اعتبار لحساسية وخطورة السلطة، كدينمو يحرك ويتحكم في دولاب عمل الدولة ويحدد مصير الشعب. والحال كذلك، تحولت السلطة من مسؤولية سياسية الي فعل تملك واحتكار للامتيازات. كان من افرازاته كثرة الثرثرة السياسية والتجار السياسين علي حساب الحكمة السياسية والحكماء السياسيين. وبما انه في هكذا بيئة طاردة للمواهب والابداعات السياسية يمتنع انتاج رجال دولة من الطراز الفريد. فهذا ما جعل عملية بناء الدولة محلك سر، وفتح المجال امام التجريب والاصح، التخريب والخبط العشواء وصراع طواحين الهواء.

ويبدو ان الانجليز الذين وفروا بنية تحتية لادارة مؤسسات الدولة، تعمدوا حرمان النخبة السياسية من تكوين خبرات مناسبة للتعامل مع السلطة (تركوا جسد من غير راس). لتلعب نقطة الضعف هذه، كعب اخيل منجز الاستقلال! الذي تحول الي نغمة (احتلال داخلي) او لعنة فشل تطارد المواطنين. وعموما يمكن القول ان السلطة بمعناها ووظيفتها الحديثة، كانت اعلي كعبا من قدرات وطموحات نخبتنا السياسية ما بعد الاستقلال.

وكامتداد لحالة العجز والفشل في التعامل مع السلطة تم استدعاء العسكر لحسم (صراع الديكة) السلطوي! لتنتقل السلطة من جدل السياسة الي تجريم السياسة وقمع السياسيين. اي في الحقيقة انتقلت السلطة من مربع الوصاية السياسية لمربع الوصاية العسكرية باساليبها العنفية. والحكم العسكري (حالة قمع الوعي) قاد الي تعميق ازمة السلطة او سلخها من ابعادها الحديثة، بمنعه القوي السياسية من حقها في التنافس السلمي للوصول الي السلطة، وتاليا حرمانها مراكمة خبرات سياسية تمكنها من التعامل بنضوج مع السلطة. المهم، طريقة تعاطي العسكر مع السلطة، اكد للسياسيين انه ليس اكثر من جهل سلطوي عنيف. يفسد السلطة والحياة السياسية والمدنية بعسكرتها، ويخصم من سمعة واداء المؤسسة العسكرية، بتوريطها في نشاطات وادوار ليست من مهامها! وهذا ناهيك عن مقايضة سلامة سلطته برهن مصالح البلاد لقوي الخارج، بسبب غياب الحاضنة الشعبية والشرعية الدستورية. وهذا ما قاد لمناهضة العسكر، وتتويج مواجهته شعبيا بالانتصار عليه، بعد دفع اكلاف باهظة. لتعود الاحزاب لاستلام السلطة مرة اخري، ولكنها عودة لم تكسبها لا الوعي السياسي في ترقية اداءها، ولا راكم خبراتها في التعامل مع السلطة، اي الخروج بها من دائرة الصراع الصفوي الي الانفتاح علي خدمة المجتمع. وكأن القوي السياسية لم تعِ الدرس؟ لتعاقبها المؤسسة العسكرية بانقلاب آخر، اكثر عنفا وعقما وشمولية من العسكرية السابقة. لتدخل القوي السياسية وقبلها كافة البلاد نفقا جديدا، كرس للزعامة العسكرية هذه المرة، الموازية للزعامة الطائفية. لتتحول كافة البلاد وليس المؤسسة العسكرية فقط، لطائفة يحكمها فرد كالنميري، لا يصدف انه متواضع الوعي والقدرات والمواهب. وبالوصول لهذه المرحلة، اصبحت السلطة محكومة بمزاج او حالة القائد النفسية. وهو درك كما تعلمون عظيم، لمن كان كالنميري ضيق الافق سيئ المزاج. والاسوأ من ذلك امتهانه للسطة وهو يتقلب بها يمنة ويسرة، من اجل الحفاظ عليها. والنتيجة، كانت عسكرية النميري اكثر انحطاط من تجربة عبود، وتعريض مصالح البلاد للخطر الخارجي. وعموما، ما يستفاد من تجربتين عسكريتين كان يشير بوضوح، الي ان اي سلطة عسكرية لاحقة، ستكون اكثر دمارا وكارثية من سابقاتها.

وعلي ذات المنوال، التخلص من عسكرية نميري المتخبطة، كلف بدوره اثمان اغلي وخسائر افدح وتضحيات اعظم، اضافة لمخلفات تركة طال تراكمها لعقد ونصف. لكل ذلك وبدلا من ان تصبح سلطة العسكر، بكل ما تحمله من قبح وخراب وتحطيم للقوي السياسية والسلم الاهلي. مساحة لتدبر تلك القوي وللتعلم من الاخطاء، والقطع مع الممارسات الانتهازية، والتعامل مع السلطة بمسؤولية ومع المواطنين باحترام كاصحاب للشرعية. وهو ما كان يستدعي حرص اكبر من القوي السياسية للمحافظة علي مكاسب الثورة، التي اخرجت نميري من المشهد، والابتعاد عن كل مسببات ضياعها. إلا ان ما حدث هو اعادة ذات الاخطاء، والاسوأ علي ذات النسق. لتدخل الاحزاب السياسية والحركة الشعبية في حالة صراعات مصالح ضيقة! بل كانت طبيعة الخلافات وحدة الصراعات علي السلطة، اكبر وبما لا يقاس من تجربة خلافات وصراعات ما بعد ثورة اكتوبر. وهذا قد يشير الي ان حدة الصراعات والانشقاقات بين المشاركين في المشهد السياسي الثوري، تتناسب مع مدة بقاء العسكر في السلطة، ودرجة تخريبهم للحياة السياسية. ولكن الاخطر في صراع السلطة، كشفه مبكرا غياب تصور متكامل للسلطة! اي اظهر ان دوافع الغريزة وليس محفزات الوعي هي المتحكمة في صراع السلطة، وهو ما انعكس علي طبيعة الصراعات وآليات حسمها. اي ما كان يجري يمكن ان يقال عنه كل شئ إلا انه صراع سياسي. وهذا ما طعن في حقيقة هذه الاحزاب والحركة الشعبية ومدي اتساقها مع شعاراتها. وبكلام واضح، الغاية كانت دائما السلطة وطريقة الوصول اليها، وما تبقي مجرد اجسام او هياكل فارغة، يمكن ان تملأ باي ايديولوجيا او شعارات براقة تداعب احلام البسطاء وتثير حماس الشباب. اي نحن امام اسماء ومكونات ذات مظهر حديث وجوهر تقليدي، بل كرست لاسوأ انوع التقليدية وهو فعل الوصاية. لذلك تجدنا امام احزاب وحركات عجزت عن تحديث ذاتها، فكيف يتثني لها تحديث المجتمع؟ خصوصا وان معيار نجاحها هو حسم مسألة تداول السلطة علي اسس حديثة داخلها. وذلك لا لشئ إلا لان عدم معالجة هذه المسألة شكل محور ازمة البلاد. وابعد من ذلك انها شكلت تابو، قادت محاولات الالتفاف عليه، لحدوث انشقاقات اميبية داخل هذه المكونات. وهو ما جعل عملية التطور داخلها تحمل دائما صفة الارتداد، وتنحو نحو نفي التنافس والتخلص من العناصر المناوئة. والدليل ان هذه الصراعات داخلها او بين بعضها البعض لم تكن صراعات برامج ورؤي، رغم توافر الموارد في الدولة. وهذا غير انها لم تضع اعتبار لهشاشة تركيبة الدولة السودانية، وما نالته من ضربات موجعة من عسكرية نميري. اي هي احزاب محكومة بان ماضيها مهما كان سيئا، افضل من حاضرها ومستقبلها! وهذا ما لا يبشر بخير من غير اعادتها النظر في ذاتها ولكن بنظرة من خارجها، تمنع اعادة انتاج الاخطاء والدوران في حلقة مفرغة من السقوط. وعموما نحن كسودانيين تجدنا امام ظاهرة غريبة، وهي المرض بالسياسة في بلاد السياسة فيها مرض، او هي ملهاة/مأساة عندما ندمن الهوس بالسياسة والتخارج منها في ذات الوقت، خصوصا اذا اعتبرنا السياسة سعي لبناء فضاء مشترك يملك امكانية التعايش علي اسس منظمة وقوانين متفق عليها! وصحيح ان هنالك تفسيرات عديدة لهذه الظاهرة (الممانعة السياسية) كالثقافة الرعوية او القيم القبلية او السلطة العسكرية او غيرها. ولكن ما يهم هو (عدم القدرة ) علي صناعة النموذج السياسي القابل للتطبيق العملي، والقادر علي التكيف مع المتغيرات وعوامل الضغط لاطول فترة ممكنة. وكتلخيص لهذه المرحلة، يمكن اعتبار النخبة السياسية التي اعقبت ثورة ابريل، كانت اقل قامة من امكانات بناء دولة منهارة. والحال كذلك، كل من يشعر انه لم ينل ما يلبي طموحاته من هذه السلطة، فهو يضمر لها الشر ويتمني لها الفشل، واذا صادف ذلك مكون صاحب نزعات عنفية اجرامية، ترجم ذلك الي طمع في احتكارها منفردا بقوة السلاح. وهو عين ما حدث من جماعة الاسلام السياسي، التي خسرت الكثير بقيام الثورة علي عسكرية نميري التي اذاقتها طعم السلطة (تبرير حلف زواج المتعة). وخطورة هذه النقلة انها زودت السلطة العسكرية (الانقلابية) العنفية اصلا، بطاقات تدميرية من خلال تدينها. اي بدلا من انكار العنف الذي يصعب انكاره لجماعة تتبناه، تم التبرير له بادراجه في اطروحة (اكذوبة) حماية الدين، التي يصعب علي المتدينين، بل وغير المتدينين في مجتمع متدين، الاعتراض عليها دون اكلاف. وبالوصول لهذه المرحلة بلغ التشويه لوعي السلطة مداه الاقصي. وهو ما تسبب في التدمير الشامل لكل ما يقع تحت سيطرة هذه السلطة المنحرفة، من مؤسسات الدولة واجهزتها ومواردها ونسيجها الاجتماعي…الخ. اي عملت السلطة الدينية علي الغاء الدولة الفعلية واحلال دولة وهمية محلها! ولذلك ما تم خلال ثلاثة عقود من كوارث يصعب تصورها، وهذا ناهيك عن مفارقاتها الكاركتورية، كطموحها لنشر تجربتها في كل العالم وشعبها يصارع جل يومه من اجل الافلات من الجوع. اما عن تهديدها لروسيا وامريكا وهي تعجز عن ستر عورتها في الجنوب بعد ان حولتها لحرب دينية، فهذا ما يثير الحيرة والعجب في تركيبة هؤلاء المهاويس الذين تنعشهم هذه الاوهام. وبكلمة محددة، مثلت سلطة الاسلامويين العسكرية، العدمية في اقصي تجلياتها. ولذلك التخلص منها لم يكن بالامر السهل، بل كان هنالك من يري استحالة التخلص منها دون تعرض الدولة للانهيار. خصوصا ان هدفها الحصري هو البقاء في السلطة فقط، وليس بالتفصيل الصغير ان كلفته كانت اهدار موارد الدولة وتوافر الاسلحة والمليشيات وانفتاح البلاد علي العنف المضاد، واستباحة البلاد خارجيا بعد فقدانها هيبتها ومكانتها بين الامم المحترمة، وانحدارها لمستنقع تقديم الخدمات الاجرامية، وصولا لفقدان الثقة في الوطن نفسه. لنلج الي مرحلة السلطة الانتقالية الراهنة، التي تمت بعد ولادة قيصرية، بسبب تعنت المجلس العسكري الذي كانت له اليد الطولي في الحفاظ علي سلطة البشير! وهو مكون تسلطي بطبعه، حاول تجيير ثورة الشباب لصالحه، مع التضحية ببعض رموز الاسلامويين الذين لا يرضى عنهم محور الشر! وفي سبيل ذلك ارتكب اكبر اخطائه والاصح جرائمه، بفك الاعتصام السلمي بالبطش العسكري الهمجي، ليضع اسوأ بصمة علي مسيرة واحدة من اعظم الثورات السلمية. ولتكن هي نفسها دافع لخروج جماهير الشعب في كل البلاد، مواصلة الصدح بشعارات الثورة، ومرسلة رسالة واضحة للمجلس العسكري الارعن، ان هذه الثورة ماضية في طريقها مهما كانت العقبات. وعموما هنالك عوامل غير اصرار الثوار ساعدت علي هذه التسوية الانتقالية، ومنها. اولا، تاكد للمجلس العسكري صعوبة تسويق نفسه دوليا، بعد ان اصبحت كلفة حكم العسكر اكبر لرعاتهم في الخارج. ثانيا المجلس نفسه ليس علي قلب رجل واحد، وما يجعله متماسكا هو مواجهته لقوي التغيير المسنودة من جماهير الثورة. وثالثا افتقاد المجلس العسكري لشخصية قيادية مقنعة، فاقوي شخصيتين فيه هما البرهان وحميدتي! فالاول غير انه مغمور الا انه يفتقد كارزمة وقوة شخصية القيادي. اما الثاني فهو غير مؤهل اصلا للقيادة، بسبب فقدانه مؤهلاتها، وهو نقص لن تكمله كل اسلحة العالم. المهم، كل هذه الاشياء تضافرت لتساعد في ولادة تسوية هشة، في مواجهة تركة مثقلة بالازمات المركبة. وما زاد الطين بلة اصرار المكون العسكري علي الاحتفاظ بكل متعلقات الامور العسكرية والامنية (السلطة الفعلية). والاسوأ من ذلك، اصراره علي الاحتفاظ بجهاز الامن بكل تاريخه الاجرامي وسيرته القميئة وانشطته المتشعبة والمكرسة كلها لخدمة الظلامية الاسلاموية. وما يثير الغيظ حقا، بدل ان يصبح مجرد الانتماء لهذا الجهاز في الفترة السابقة، مدان ويستحق صاحبه العقاب بعد مراجعة ثرواته وسجل جرائمه، نسمع عن تعويضات وخيارات، كان احق بها ضحايا هذا الجهاز! وكل هذا علي الضد من دور الجهاز المنصوص عليه في الوثيقة الدستوية، ناهيك عن كلفة الصرف عليه وسط كل هذه الازمات الاقتصادية. مع العلم، ان مجرد الاحتفاظ بهكذا جهاز سيئ السيرة والسمعة ومعادٍ للثورة والثوار يطعن في جدية الثورة نفسها.

من السرد اعلاه نلاحظ ان ما كان غائب دائما، سؤال ماهية السلطة (كنهها وظيفتها حدودها) ناهيك عن مساءلتها. وما جعل السؤال مغيبا والوعي بها مشوها، ان تاريخ استقلالنا هو تاريخ سيطرة الطائفية والعسكرية علي السلطة. وكلاهما خارج وعي السلطة الحديثة. الشئ الذي جعلها تتفلت منهما، واستحال عليهما الامساك بها، او تطويعها لمشاريعهم المناقضة لطبيعتها، طوال تلك الفترة. والنتيجة، ظل وعي السلطة الحديثة ممتنع علي الادراك، وتجربة ممارستها سراب. ولذا احتمال اقرب طريقة لمعالجة هذه الثغرة، التي تسربت منها كل فرص نهوض الدولة وتلبية تطلعات المواطنين. هي النظر للسلطة نظرة فنية والتعامل معها كتقنية. اي شئ شبيه بالطائرة. فالاختلاف قد يكون في مهارة القائد، ولكن ليس له شأن بتصميم الطائرة. وهذا بدوره يقطع الطريق علي محاولات الترويج لدجل الطيران بالسجادة او الدبابة. لان مثل هذه الترهات التي تصر علي عقلنة اللامعقول، تصادر العقول وتعبث بالمصائر. لكل ذلك، تحرير الشعب يبدأ بتحرير السلطة من نظرة السادة (الوصاية)، ومن قبضة العسكر التي تحتقر الحياة والدولة المدنية، ومن اعتقال الايديولوجيا التي تحتجزها في دروب ضيقة ودوغما متحجرة. ومن ثم انفتاحها علي رعاية مؤسسات حيادية ومواطنة كوثيقة انتماء للوطن.

وبما ان تاريخ ثوراتنا هو تاريخ اهدار الفرص وتكرار ذات الاخطاء. ورغم ان ثورتنا الاخيرة هي اعظمها تضحيات وابداعات ثورية في مواجهة منظومة عدمية. ولكن لسوء حظها هي الاكثر اعداء وعقبات كأداء، كنتيجة منطقية لتراكم الفشل والخيبات والاحباطات. وهذا ما يعني ان المسؤولية الملقاة علي عاتق من تولي ذمام امرها، تنوء بحملها الجبال، وان من يؤدها علي حقها سيخلد اسمه في سجلات الابطال، ومن يضيعها كسابقاتها بالصفقات الصغيرة والمصالح الضيقة، سيحل في قائمة العار والشنار. المهم، الفترة الانتقالية رغم ما بها من عيوب واخطاء تسببت بها سوء ادارة ملف المفاوضات. إلا انها شكلت فرصة للقوي المؤمنة بالدولة المدنية (اذا وجدت مثل هذه القوي)، يمكن استثمارها للاصطفاف حول مشروع تحديث السلطة وتمدين الدولة. فهكذا مشروع ان وجد، يخدم عدة اغراض، منها. اولا، يخرج القوي السياسية من حالة التيه والتجاذبات الفارغة التي تعيشها، ويساعدها علي الدخول في بناء مشروع مشترك، يعيد ترتيب الحاضر ويمنح الامل في المستقبل. ثانيا، يرد الثقة للجماهير بصفة عامة ولجان العمل والمقاومة بصفة خاصة، في دورها ومسؤوليتها، اي يحدث نوع من (التغذية الراجعة) بين الطرفين (المشاركة الايجابية). ثالثا، قطع الطريق علي اطماع العسكر الذين ادمنو التسلط باسم السلطة. رابعا، التصدي لمخططات الدول الاقليمية، التي جعلت من اجهاض الاحلام الثورية والتطلعات الديمقراطية، غايتها الاستراتيجية. خامسا، وجود هكذا مشروع، يملأ الفراغ الذي تسبب في ضياع ثوراتنا السابقة، خاصة ان ضياع هذه الفرصة يعني ضياع البلاد مرة واحدة الي الابد.

و اول خطوة لبناء المصداقية في هذا المشروع، هي اعلان كل رموز الفترة الانتقالية المدنية و(اقناع  القيادات العسكرية وقيادة الحركات المسلحة) بالاعتزال مباشرة بعد الفترة الانتقالية. وفتح المجال امام قيادت الصف الثاني او غيرها، لحمل الراية. شرط ان تكون مؤهلة ومقنعة وصاحبة رؤي واقعية. وبكلمة واحدة، علي تلك الرموز الاكتفاء بدور المؤسسين، علي ان تتاح لهم ادوار استشارية غير ملزمة، مع ضمان حياة كريمة لهم ولاسرهم.

واخيرا، يبدو والله اعلم، ان خلاصنا يكمن في ثورة خارج الصندوق، او ثورة (عقلانية منظمة) علي تاريخنا وتجاربنا وخياراتنا. تحدث نقلة لمربع جديد، يدفع نحو إعادة التاسيس علي اسس حديثة. ودمتم في رعاية الله.

عبدالله مكاوي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق