مقالات وآراء سياسية

هل ستفضي مفاوضات جوبا لسلام؟

ذوالنون سليمان

هذا التساؤل يأتي علي خلفية توقيع الاتفاق الإطاري بين الحركة الشعبية بقيادة عقار مع الحكومة الانتقالية الموقع في نهاية شهر يناير بجوبا تحت رعاية وساطة حكومة دولة الجنوب التي استقلت حديثًا من السودان كمفارقة تاريخية تأكد صحة مسببات انفصال البلدين وعدم ادراك العقل السياسي السوداني لطبيعة الأزمة التي تجعل خطر الانقسام ماثلًا ومتجددًا .

رغبتنا الكبيرة كسودانيين في تحقيق السلام تجعلنا نغض البصر عن قضايا حقيقية لا تنفع العاطفة والأمنيات معها ، وتجعل من السلام حلم مستعصي علي الواقع .

اكبر مهدد لعملية السلام في جوبا هي عاطفتنا المضللة وأطراف السلام ومنهجية الوساطة في التعاطي مع الملف .

فالحكومة كطرف رئيسي في عملية السلام ، لا تنطلق من رؤية تفاوضية موحدة مدعومة من مكوناتها ومسنودة من حاضنتها السياسية ، فالظروف المنشأة لها تعقد خيارات السلام والحرب لديها بحسابات مصالحها ، علي الرغم من مظاهر الانسجام والتوافق الكاذب الذي تبدو به ، فقوي الحرية والتغيير فشلت في الوصول لصيغة تفاهمية مع الجبهة الثورية في جوبا واديس أببا حول ذات القضايا محل التفاوض الان ، وهي المكون الرئيسي والحاضن السياسي وفق الوثيقة الدستورية للحكومة الانتقالية ، وملف السلام داخل الحكومة  يدار بواسطة المجلس السيادي الذي يسيطر عليه المكون العسكري المستأسد بالملفات الأمنية والعسكرية ، بعيدا عن شريكه المدني في السلطة وفي غياب للجهاز التشريعي الذي لم يتم تشكيله بعد ، فكيف سيكون الامر عند مناقشة ملف المشاركة في السلطة وملف الترتيبات الأمنية مع حركات الكفاح المسلح ، وهو الملف الفيصلي للأطراف العسكرية في حروبها الطويلة مع الدولة السودانية بمختلف أنظمتها ،هذه الوضعية الشائهة تعطي إشارات غير مطمئنة حول الوصول لاتفاق سلام وتنفيذه .

أما حركات الكفاح المسلح فحالها يغني عن السؤال ، فهي حليف رئيسي في تحالف تفاوض حكومته ، تحالف قوي الحرية والتغيير ، وهي حركات بعدد ذخيرة أسلحتها ، كانت حركة واحدة وانقسمت لعدة حركات تحارب في ذات الأرض و تفاوض في ذات القضايا وتدعي تمثيل ذات الشعب ، هذه الازدواجية والحالة الانقسامية فرضت علي الوساطة والحكومة انتهاج فكرة المسارات المتعددة للتحايل علي الوضع المختل للحركات والمتعلق بأزماتهم التنظيمية. أي تبديل الأزمة بازمة .

فالتفاوض في مسار دارفور يشمل اكثر من ٥ حركات مختلفة تتفاوض في ذات القضايا وتحارب بذات الآلية وعلي ذات الأرض مع مقاطعة حركة عبدالواحد بكل ثقلها السياسي لمنبر المفاوضات ، في الجانب الآخر نجد الحركة الشعبية بقيادة تفاوض في مسارين لمناطق واحدة وقضايا واحدة ، وذلك لوجود قيادتين تنفيذيتين لها ، وما توقيع الاتفاق الاطاري بين شعبية عقار وعرمان والحكومة الا خير دليل للازدواجية المعيبة ، فالحلو ، رئيس  الجناح الآخر للشعبية يفاوض في ذات المسار وفي نفس الزمان والمكان وأبدي اعتراضه علي الاتفاق الاطاري الذي يتعلق بذات قضاياه .

هذا يعني احتمالية نشوب الصراع بين مكونات العملية السلمية واندلاع حرب بين الحكومة والرافضين لها .

الوساطة ابتدعت فكرة المسارات لتجاوز عقبة الإشكالات التنظيمية لمكونات الكفاح المسلح ، ولكنها من حيث لا تدري رحلت المشكل لمرحلة قادمة ، وصنعت مسارات جديدة لمناطق لم تشهد احتراب او صراع كمسار الوسط والشمال ، واستنسخت مكونات جديدة بالشرق ، هذه المسارات الجديدة مغالطة لتصورات الحرب والسلام بجزورها التاريخية وتأسيس  للحلول الجزئية ولسلام مناطقي يهدد بانقسام الدولة ويمهد لصراعات مستقبلية .

تبدو المفاوضات كتفاوض ترضيات اكثر من تفاوض للوصول لسلام حقيقي مستدام لقضايا حقيقية لازمت الدولة السودانية لنصف قرن ، كان يمكن تدارك ذلك بترتيبات سياسية وهيكلية لأطراف التفاوض تسبق عملية السلام ، وتمنع الإشكالات الهيكلية التي أضرت بتحالف قوي الحرية والتغيير والجبهة الثورية علي السواء وجعلتها تحالف شعارات وبيانات .

الوقت ليس للعاطفة …فعاطفة الثورة وحدها لا تكفي لإحداث التغيير الذي ثارت الجماهير من اجله ويعتبر السلام من اولي أولياته الزمن الوطني لا يسمح باستيلاد مسببات فشل الدولة وتفريخ أزمات فشل القيادة السياسية المتكررة في تعاطيها مع القضايا المصيرية ، اننا أمام فرصة تاريخية  لبناء السودان …. سودان الفرصة الأخيرة التي ستعقبها سودانوات كثر ان لم ننجح في استثمارها .

ذوالنون سليمان

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى