مقالات وآراء سياسية

قطار الشوق…رحلة وجدانية في ربوع عطبرة

د. مبارك مجذوب الشريف

ونهر هائج فيه فورة شباب وهو آت في اندفاع وتهور وكأن لا أحد مثله، نهر تختلف أسماؤه بين البلاد، فهو في السودان (نهر عطبرة) وفي الحبشة (تكازي)، تعددت الأسماء والنهر واحد، ويلتقي الشاب المندفع بشيخ وقور هو النيل، شيخ صقلته تجارب المسافة الطويلة التي قطعها زحفا والتقى فيها بمئات القبائل وملايين الأفراد، مسافة تزود فيها برفد الروافد، واتسع صدره لعبث الخيران؛ إذ هي حاملة إليه الجيف والقاذورات، وما أن يتخلص النيل من رعونة النيل الأزرق واستهتاره؛ إلا ويجد في عطبرة فتى متمرداً آخر لا يظهر الخضوع؛ له بل يعانده في إصرار ويضع خطا فاصلاً بينهما إمعاناً في التحدي، لكن وبعد مسيرة عدة كيلومترات يكتشف العطبراوي المغرور أن الصدام لا يجدي، وأن التفاوض ممكن وأن مجرى الحياة يتسع للجميع، فتذوب الفواصل وتتلاشى الخطوط ويسير مع النيل مسيرة سلام طويلة .

طيور تتراقص فوق صفحة العطبراوي تقتنص بعض سمكٍ أعمى الطمي عينيه، والموسم دميرة، لكن لا دميرة عند العطبراوي، بل اكتساح سريع ثم انحسار أسرع منه، انظر حولي فأرى (أدروب) وثلة من قومه يكافحون لإنقاذ كمينة طوب وجه النهر إليهم إنذارا بإخلائها فانصاعوا مجبرين، أما الكوبري الهرم الذي يربط بين عطبرة والدامر الرابض على صفحة الماء فقد كان يرقب غير مكترث كل ما يدور حوله وكأنه مالك الحزين ماداً لسانه ساخراً للنهر الهائج، لكن عدم الاكتراث هذا يتحول الى جزع وخوف؛ عندما يخضع لسلطان قطار طائش يعبره ويهزه هزاً عنيفاً؛ فإذا به يرتجف وتصيح قواعده وجوانبه؛ ولا يتنفس الصعداء إلا بعد أن يمر القطار؛ وكأنه كابوس ثقيل جثم على صدره فتصبح الدقائق المعدودة عنده

وكأنها دهوراً.

(الجو) قرب العطبراوي بقعة هي جنة السكارى ومأوى كل من ينشد الحرية ويهوى الانفلات من القيود، سماء أرض (الجو) غيومها خيالات (الطاشمين)، وسحب الخريف التي تتشكل كما يحلو لها تصنع أزقتها الخاصة في السماء محاكية أزقة المكان المتعرجة، دلوكة (الجو) تهز الوجدان، وترانيم الشاربين و قهقهاتهم؛ و( الليلة هوي يا ليل)؛ تنطلق في نشاز لا يلبث ان يتناغم عندما تحمله الأصداء بعيداً فلا تملك السحب إلا أن ترقص طرباً، أصوات (الجو) الصاخبة لا تقول سوى شيء واحد: نحن أبناء عالم آخر، عالم يختبئ بين اليقظة والأحلام.. هنا تعطي رائحة البول والمريسة والعرقي المحتمية برائحة الشواء؛ تعطي المكان نكهة قل أن تجدها في مكان آخر، وتتدثر كل تلك الروائح برائحة شاطئ النهر المتخمرة؛ وهو يجلب معه في فورة غضبه أرتالاً من الزبل المتعفن والنباتات والأعواد وجذوع الأشجار، قاذفا بها في وجه ضفتيه، رافساً صافعاً، وكأنه ينتقم منهما لتقييدهما حرية حركته في مجرى واحد، ولا يكتفي النهر بالرفس والصفع؛ بل يدعو أفواجاً من الذباب للقدوم، ويلبي الضيف الدعوة؛ فإذا به ليس ببارحٍ غرداً كشارب مترنم، بعضه بحجم عادي وآخر (جامبو) أخضر اللون، وتتشاكس أفواجه وتلهو؛ ويتبارى أفرادها صعوداً وهبوطاً، ورواحاً وغدواً، وكأن الجمع في مهرجان، والنهر العنيد؛وعن المدينةموقعه غير بعيد، لا يفوته وفي جريه الأبدي، استراق السمع الى ضجيج المكان من صوت الصافرات المنطلقة من حناجر القاطرات، وأجراس العجلات المرحة ذات الأصوات الأنثوية ونواقيس الكنائس، ونداءات المآذن، و تغريد الذباب، و دندنة الحالمين وعربدة الهاربين من عالم الأرض إلى جو (الجو).

نخيل حي الطليح على أطراف المدينة ينظر من عليائه الى كل شيء يراقب النهر ويراقب البشر، لكنه يلتزم الصمت لا يبوح لأحد بشيء مما سمع أو رأى، ومع وشوشة الريح يجيل النظر هازئاً الى سحب الدخان المنبعثة من الورش والتي ترتفع مثله في الهواء؛ لكنها ما تلبث أن تتلاشى، فيزداد يقينه أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وتلتقي سحب الدخان السوداء بسحب الغبار البيضاء التي تنفثها مدخنة شركة الاسمنت الرابضة على مقربة من الضفة االجنوبية للنهر، وتتخذ سحب كل جهة أشكالاً شيطانية محاولة تخويف الأخرى ليخلو لها الجو وحدها، لكن هذا العراك بين الأبيض والأسود، شأنه شأن أي عراك آخر؛ينتهيبتوقيع اتفاق على الشراكة في المكان؛ فكما اتسع المجرى للنهرين فالفضاء يتسع للونين.

ورش النجارين والبرادين والمخارط والعمرة والمرمة والمخازن والمطابع ومكاتب العموم والهندسة وغيرها، تشكل جسداً واحداً تتحرك أعضاؤه على إيقاع صافرة مبحوحة تدوي بانتظام وفي توقيت دقيق، تعلن مرة عن بدء العمل ومرة عن الانصراف للفطور، ومرة العودة منه ومرة أخيرة عن انتهاء العمل، وكل هذه الإعلانات تتم دون كلل أو ملل، ومع كل صافرة تتدافع آلاف العجلات عند البوابات دخولاً أو خروجاً فلا يخامرك أدنى شك إن ما من (عجلة ) خرجت للحياة من مصنع في هذا العالم إلا وكانت قبلتها عطبرة.

و(للعجلة) جمال لا يحسه إلا عاشقوها، فهم يتفننون في زركشتها وتطريز سرجها وتزويدها (بالمرايات) والأنوار وتلميعها والاعتناء بها عناية الخواجة بكلب أو قط، لكن لا الكلب ولا القط بقادر على توصيل صاحبه الى دار الرياضة؛ ولا الى سينما الجمهورية؛ او السينما الوطنية؛ أو مسرح النيل؛ او قهوة ود البيه، أو مركز شباب المربعات، ولا بقادر على توصيلك لحفلة تحييها فرقة جاز السكة الحديد يطربك فيها عبد الله دينق ويغنى: ( هم نسونا وقالوا ما نسونا نتمنى دائما لو هم يجونا)، فتدليل (العجلة) دين مستحق والعناية بها بعض وفاء.

و(العجلات) أنواع فمنها العجلة (العادية) ومنها العجلة (الدبل) ومنها عجلة السباق، وللعجلة الدبل هيبة ووقار لا تخطئه عين الناظر؛ وحسن خليفة العطبرواي لا يتنقل في ربوع المدينة الا على عجلة (دبل)، ولما كانت الأقدار قد جرت بان لكل امرئ من دهره ما تعودا، فمن الطبيعي أن تكون عادة شرطة المرور في البلدة فرض الغرامات والجزاءات على كل عجلة أهمل صاحبها تزويدها بالفرامل؛ أو الأنوار او جرس التنبيه، ولهؤلاء حاسة سادسة لا تضل فيلتقطون المخالف حتى ولو اتخذ شكل إبرة في كوم قش.

يعرف أهل عطبرة قول الشيعة ألا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على، لكن القول الفصل في عطبرة هو: لا عجلة إلا (رالي)، ولا راديو إلا (فيلبس)، ويمكنك أن تضيف الى ذلك قائمة طويلة من اعتقادات راسخة لديهم مثل لا ساعة إلا (رومر)، ولا فول إلا (اليماني)، ولا باسطة إلا (عبد الفتاح)، ولا تسالى إلا (الحارث)، ولا عطار إلا (ابو شنب)، ولا بطل إلا (ديجانقو)، ولا خائن إلا (بران)، ولا هندية مثل عائشة بارخ، ولا فيلم إلا (جانوار).

من قشلاق البوليس حيث يقبع مطعم هناك قرب العطبراوي يجئ صوت محمد الأمين الهادر منطلقاً من اسطوانة، صوت يجارى النهر الفائر في قوته و يسير جنباً الى جنب معه:

“جانا الخبر شايلو النسيم في الليل يوشوش في الخمائل

هش الزهر وبكت الورود وسالت مشاعر الناس جداول”

ويا لها من مشاعر، سكبها بعضهم اسماً فجاءت قرية (أمبكول) من ارض الشايقية وأصبحت حياً من أحياء عطبرة كتذكار عزيز “القلب شايلو”، وسكبها آخرون أحزانا فجاءت (زقلونا) صيحة احتجاج على التهميش، ثم تمسك هؤلاء الذين زقلناهم بحبل (الأمل) فأصبح فريقاً جماهيرياً له طبوله وراياته، ورافداً من روافد الكرة في السودان، أمدّ فرق الخرطوم والفريق القومي في العصر الذهبي للكرة السودانية في السبعينات بالكثير من اللاعبين، وفي مباراة نهائية لكأس الدوري في ذلك الزمن الجميل فاز الهدف فريق “الشوايقة” على فريق الشاطئ، فخرج جمهور الشوايقة يغني مغايظاً جمهور الشاطئ ( احمد سالم وين، قالوا لي سافر) على لحن اغنية الكاشف (أنا يا البلال وين قالوا لي سافر). واحمد سالم نجم عطبراوي اختطفه فريق المريخ من نادي الشاطئ ثم أصبح من مدافعي الفريق القومي. ويهزم الأمل الهدف في مباراةأخرى ويرقص جمهوره العريض طرباً على كلمات ( في كل سنة، لعبة أملنا ما أحسنا)، وهو لحن مأخوذ من أغنية للفنان الشعبي فيصل الخير غناها لمايو، لا تعصب ولا تخريب بل أهازيج وأغاني تعبر عن السلام الاجتماعي الذي تعيشه المدينة، لسان هذا الجمهور وذاك الجمهور يردد قول الهادي آدم: “أغدا ألقاك؟”، أغداً القاك يا صديقي في مطاعم الفول أو في أكشاك الليمون ويردد قول سيد احمد الحردلو: “غدا سنلتقي”، غداً سنلتقي أيها الأهل في الورش وفي المقاهي وفي بيوت العزاء و في صفوف “التنباك”، وسنتبادل القفشات؛ والحلف بالطلاق والتعليق على أحداث المباراة؛ ولا مهزوم بيننا؛ فالمنتصر هو الروح الرياضية، وكلنا فخور بأحمد سالم وعوض الحاج وشوقي عبد العزيز وزغبير وعبد الله موسى والطيب سند وشاكر وغيرهم من أفذاذ اللاعبين الذين توجهوا من عطبرة نحو العاصمة ولا عبرة البتة من أي نادي جاءوا، من الأمل أو من الهدف، من الشاطئ أو من الشبيبة. يكفي أنهم من عطبرة.

ولا تنتهي قصة عطبرة مع الأمل فقد جاء الرشيد مهدي وأنتج اول فيلم روائي سوداني طويل وفي أستوديو إمكانياته شديدة التواضع وهو فيلم “آمال وأحلام” وكانت عطبرة سباقة في هذا المجال مثلما كانت سباقة في مجال الرياضة حين أقيمت أول مباراة في السودان تحت الأنوار الكاشفة في استادها العريق.

قبل الرشيد مهدي عمل في إحدى ورش السكة الحديد محمد بشير عتيق، استمد هذا الشاعر الموهوب من جداول المشاعر السائلة قصائده التي خرجت رحيقاً وشهداً ونغماً من نبع الالحان كرومة؛ فاختلط ليل عطبرة بليل أم درمان، فإذا به يحول ليالي الأربعينات من القرن الماضي الى ليالي ساهرة، وقد انتقي عتيق من تلك الليالي (ليلة ساهرة) فريدة طبعت ذكراها في خياله، وتجاوب معها كرومة فلحنها لحنا تكاد ترى -وأنت تسمع -ضجيج الحفل ورقص الفتيات وحركة الفتيان. “ليلة فيها من كل روضة عينة ومن كل عينة زهرة” ، روضة لابسة حلة وفيها الجمال تجلى.

ويغير الجرسون الاسطوانة فتأتي “مريا” وصوت حمد الريح الناعم السلس الذي يماثل هدوء النيل مردداً:

” ليت لي يا مريا أزميل فدياس وروحاً عبقريا”

فيخطر بالقلب صلاح احمد ابراهيم ويخطر بالقلب كبريائه وعزته:

“وأنا منجم كبريت يتلظى

كلما اشتم على البعد تعالِ”

وعطبرة كانت منجم كبريت انفجر مرات عديدة خصوصاً في عهد مايو.

كان للشيوعيين وجود كثيف في عطبرة قبل أن يدير الزمن لهم ولعطبرة ظهره، وسطعت في سماء عطبرة نجومهم اللامعة كالشفيع احمد الشيخ والحاج عبد الرحمن وقاسم أمين وكبج وغيرهم من كبار القوم، ولهم فيها قصص وطرائف لا تحصى، ومنها ان أجهزة الأمن في عهد نميري ترصدت ذات مرة مجموعة قيادية منهم بغرض اعتقالهم وهم متلبسون بجرم عقد اجتماع سري، وحددت الاجهزة نقطة تجمعهم وتابعت تحركهم بعجلاتهم نحو المكان المخصص للاجتماع، لكن قبل الوصول نحو المقر تفرقوا، لقد تم الاجتماع وهم على ظهور العجلات، إذ ناقشوا ما يريدون نقاشه أثناء سيرهم في الطريق ثم انصرفوا سالمين.

في العام الميلادي 350 وعند ملتقى عطبرة بالنيل أعلن الملك عيزانا ملك مملكة “اكسوم ” الحبشية عن غزوه لمناطق سودانية، وجاء إعلانه في نصب تذكاريكتب فيه:

(انا عيزانا، ملك الملوك،ابن الأله، ملك “اكسوم” وحاكم حمير وريدان وسبأ وسالهينوسيدامو والبجة وكاسو المنتصر دوما)، وهذا يعني ان ملكه شمل اليمن والحبشة واجزاء من السودان، ويقول في نصه إن الكوشيين أساءوا معاملة رعاياه من المانجورتووالهاسا وحنثوا بعهدهم فقام بقتالهم على مدى ثلاثة وعشرين يوما وقام بحرق مدنهم ونهب حبوبهم وأشار الى انه قام بالقضاء على النوبة السود والنوبة الحمر وطاردهم وسبى نسائهم وقتل رجالهم. ولا احد يدري ان كانت عطبرة قد أصابها بطش ذلك الملك او لم تكن في حيز الوجود، لكن وجود كنيسة تم بناؤها في العهود المسيحية في نفس المكان الذي وقف فيه عيزانا منتصرا، يمكن ان يستدل منه على أن المكان كان مأهولا وعامرا، ظلت آثار الكنيسة موجودة ثم أقيم في مكانها في عهد ليس بالبعيد سراي كان يمتلكه تاجر من عطبرة، وقد تم حرق السراي في ثورة أكتوبر، لم يكن الرجل صاحبه وزيراً ولا مرتشياً ولا علاقة له بالسياسة لا من قريب ولا بعيد، لكنها جماهير شحنت فلم تجد مكانا لإفراغ تلك الشحنة سوى ذلك السراي، فاحرق ودمر، فكانت غضبة الفقير على الغني ولا شيء غير ذلك. وبررت الجماهير غضبتها بان الموقع كان يتخذ مرقصاً.

عطبرة بنت “كتشنر” هذا ما يقوله مؤرخو الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لكن أهل الداخلة والسيالة وهما من أحياء عطبرة، يقولون غير ذلك، أنهم يقولون: نحن اللبنة الأصلية ونحن النواة ونحن هنا قبل “كتشنر” وبكثير جدا، “كتشنر” لم يفعل شيئاً سوى انه أقام ورش السكة الحديد عندنا، فالمكان كان مأهولاً ومعروفاً، والقرى حول عطبرة تشهد لنا بذلك فقد كان لنا الكثير من العلاقات والمصاهرات معهم، خليوة وكنور والعكد وام الطيور والفاضلابوالهودي والمقرن، أما اسم عطبرة نفسه فتحمله قرية الى الجنوب الشرقي من عطبرة واسمها الحالي (اتبرة الفوق) وقريبا منها كانت المعركة بين الأنصار بقيادة محمود ود احمد وكتشنر وتحديداً في قرية النخيلة.

السلام الاجتماعي في عطبرة كما أسلفنا أمر واقع و لا جدال فيه، نوبة ودينكا وجعليينوشايقية ومناصير وفلاته ورباطاب وبطاحين وشكرية وفور وبقارة وغيرهم من القبائل والعناصر، جاءت بهم السكة الحديد فاستقروا وتعاقبت أجيالهم؛ ثم أصبحوا جميعا أصحاب مزاج عطبراوي، والمزاج العطبراوي ساهم في صنعه المسلمون والمسيحيون، فقد كان للأقباط دور مهم ومؤثر في حياة المدينة، في إدارة السكة الحديد وفي الحسابات والبنوك والصيدليات وكان الكثير منهم تجار أقمشة لا تبور لهم (طاقة) و لا يشق لهم (قماش)، لجودة بضاعتهم ومتانتها، ولا غرابة في هذا الجو المفعم بالتسامح أن وجدنا احد الشعراء وقد تغنى بحب فتاة مسيحية وحشد قصيدة بالمفردات المسيحية، ثم انطلق بها صوت العطبراوي في اغنيته المشهورة:

” يا سلوة المحزون يا قيثارة القلب الجريح ”

ويتحفنا شاعر الاغنية ببقية النظم الجميل:

“بحق بطرس يا فتاتي من شفى الرجل الكسيح

بماري جرجس والصليب بالكنيسة والمسيح

بالقس بالمطران بالجرس المرن على السفوح

قداسة البابا المعمد بالشموع وبالذبيح

ان ترحمي متعذباً يهواك في حب صريح”

كان اليمانية والشوايقة والأقباط هم العناصر الفاعلة في حياة المدينة دون انتقاص لمساهمة العناصر الأخرى، فبقالة اليماني تجد فيها ما يخطر بالبال وما لا يخطر بالبال، ومع اكتظاظها لا يفشل صاحبها في إيجاد مكان لتعليق صورتي عبد الله السلال وجمال عبد الناصر، و عند دكان اليماني كما قال احد شعراء “حملنتيش” (قدرة بوخها الملوي أذاني)، ولم يكتف اليمانية بنصب قدرة فول وحسبأمام الدكان؛ بل أقاموا مطاعم لا تقدم سوى الفول، مطاعم لها جمهور عريض محتشدة بالرواد دائما وأبدا؛ يحملون معهم البصل الأخضر والجرجير والطماطم والطعمية والجبن، ومع كل ذلك فإن صحن الفول-ذاك المحبوب – لا يسلم شرفه الرفيع من الأذى إلا إذا أريق على جوانبه زيت السمسم؛ وتناثرت على حوافه قرون الشطة الخضراء والحمراء. واليماني يستقبل كل هذه الحشود من العمال والباعة المتجولين والطلبة بصبر عجيب عرف به أهل اليمن ويستجيب لطلباتهم ونداءاتهم ويدير الحركة بمهارة نادرة.

ما أن ينتهي الفطور حتى يهرع جمهور العمال الى المقاهي الكثيرة، ولكل طائفة منهم من أبناء منطقة واحدة، أو أبناء مهنة، أو مناصري حزب، مقهاهم المفضل، يرتشفون الشاي والقهوة ويتحدثون في السياسة و”الكورة” والسينما، ولا يخلو الأمر من اغتياب “الكمندة” او الملاحظ أو المأمور؛ وآذانهم مرهفة لالتقاط صفارة العودة الى العمل، وفي تلك المقاهي كان (محمد عوارة) المشهور بابي جنزير لا يكف عن إطلاق النكات والتعليقات الساخرة، وأبو جنزير كان من اخطر المجرمين؛ وقد اتهم بعدة جرائم قتل؛ وكان يستخدم فيها جنزير عجلة للقضاء على الضحية، ونسجت حول شخصيته أساطير عديدة وتخطت شهرته مدينة عطبرة.

في مكتبة دبورة ومكتبة حنتبلى زحام على المجلات والصحف لا يماثله إلا زحام الفول و”الصعوط”، أو فلم بطله شامي كابور، والطائرة التى تأتي بالصحف يحفظ الناس مواعيد قدومها حفظهم لبرنامج مباريات الدوري، وعلى رفوف المكتبتين تجد تنافس القاهرة وبيروت واضح وجلي، كما ان الخليج يقول: ” أيضا أنا هنا. ”

على رف المكتبة سلام من نوع آخر، فالرف يقول أنا كمجرى النيل وكسماء المدينة لدي متسع للجميع، فعلى هذا الرف ترقد مجلة الشبكة اللبنانية وعلى غلافها فتيات بملابس البحر؛ الى جانب مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، فمن أراد غياً فهاك تلك، ومن أراد رشدا فهاك هذه، مصر تقدم “الأهرام وإخبار اليوم والإخبار والجمهورية وآخر ساعة والمصور والكواكب وحواء وسمير وميكي وروايات الهلال وسلسلة أقرأ” ، ولبنان يقدم” الصياد والشبكة والجمهور والموعد والنهار والوطواط وسوبرمان والبرق” ، والخليج يقدم “مجلة العربي والدوحة والوعي الاسلامي” ، وإنتاج الخرطوم هو الآخر كثيف، الأيام والصحافة والرأي العام والميدان والنيل والميثاق والسودان الجديد ومجلة الخرطوم والإذاعة والتلفزيون، وسوق الثقافة في عطبرة رائج يلتهم كل هذا الإنتاج وكشك (عبد السلام التكروني) يبيع مرة أخرى ما تم استهلاكه من كتب ومجلات كبضاعة مستعملة؛ وبأسعار زهيدة، وارخص ما يبيع مجلة (الصين الجديدة) وعلى غلافها صورة لا تتزحزح لماو تسي تونغ.

عهد مضى وأيام خلت وبعدها بدأت المدينة في تلقى الضربات، كانت اولى الضربات تفكيك منظومة السكك الحديدية، ثم أعقب ذلك خروج اليمانية وعودتهم الى بلادهم عند اكتشاف البترول في اليمن في بداية الثمانينات، ثم بدأت هجرة الأقباط نحو استراليا وكندا ودول غربية أخرى في التسعينات، وأجهز الشوايقة على ما تبقي من رونق لعطبرة؛ حين شدوا رحالهم نحو الخرطوم؛ فخفتت حركة المدينة واختفت أسماؤها المضيئة. وفقدت الكثير من بريقها.

أختفى اليمانية وظهر الصينيون، كان اندماج اليمانية في المجتمع سهلاً ولم يجد صالح ومحسن ويحي وعلى أي صعوبة في دخول بوابة المجتمع، بينما وقف حاجز اللغة والثقافة بين أهل الصين والناس، كانت صور الصينيين في مجلة الصين الجديدة تثير الدهشة لشدة تقارب أشكالهم، وما خطر بذهن احد انه سيأتي يوم يخرج فيه هؤلاء الناس من رحم المجلة الى واقع الحياة يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويشيدون الكباري والمصانع والطرق.

على وقع أقدام الصينيين استيقظت عطبرة فجأة لتجد أنها على أبواب مستقبل زاهي وهي تجد نفسها مرتبطة براً ببور تسودان والشرق، ومرتبطة غرباً عبر الكوبري الجديد بالضفة الغربية حتى دنقلاوستعوض هذه بصورة جزئية فقدانها للسكة الحديد ولكن عودة السكك الحديديةأمر لابد منه لأن قدر عطبرة ارتبط معها، وتنتظر المدينة عودة هذا المرفق بشغف ولهفة، والى ذلك الحين سنغنى مع فنان عطبرة (الذكّار) صاحب الأغنية الأصلي و الذي اعتزل الغنا،:

“قطار الشوق متين ترحل ترسينا”

 

د. مبارك مجذوب الشريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..