المقالات والآراء

دارفور … ثم ماذا بعد؟؟

دارفور الإقليم الشاسع بمساحاته والمتنوع فى بئاتة فى الوسط الشمالى الشرفى للقارة السمراء . و الواسع المزدهر بتبايناته الثقافية والمجتمعية المتصاهرة وتداخلاته الأقليمية . مازال يدفع ثمن الحرية والكرامة لا لشئ ، إلا لأنها عصية على الطغاة .

بداءً بخنجر مسموم من الزبير ود رحمة أجيراً للخديوية ، غدر بالسلطنة عندما كانت تدافع وتذود عن حماها من الغازى الخديوى، أنتهت السلطنة بأستشهاد السلطان إبراهيم قرض ،ولكنها لم تركن بل ناصرت المهدي حين لم ينصره أهله . دفعت دارفور أقوى قياداتها لنصرة المهدى ، تم تحرر السودان على دمائهم . ولكن لم يشفع ذلك ، تآمر أبناء النيل على المهدية ، جلبوا الغازي البريطانى المصرى وكانوا قادة آلة الحربية ، فكانت كررى وتوابعها ( لم تكن فى كررى بين الجيش الإنجليزى المصرى بل كانت ما السوانيون والسودانيون من الشمال النيلى ) .

فى حينها عادت دارفور سيرتها الأولى بقيادة السلطان الشهيد السلطان على زكريا (دينار)…. ولكن ذلك لم يروق لهم ،عاد أبناء النيل لممارسة طباعهم مرة آخرى عاونوا وساندوا المستعمر البريطانى / المصرى لإسقاط السلطنة ، والمعلوم أن سلطنة دارفور فى تاريخها لمئات السنين لم تسقط إلا مرتين وفى هاتين كان أبناء النيل هم القاسم مشترك .

فى الحقيقة رفض آباؤنا الأستقلال المبكر للسودان بالرغم من أنه هو عدوهم الأول، لأنهم كانوا يقرأون المستقبل بعقل و تجربة فاحصتين .

نال السودان إستقلاله دون رؤية ثاقبة فشلت كل الحكومات الوطنية فى ترجمة معانى الإستقلال فكان التكالب على كراسى السلطه و التهميش والظلم والعنصرية والفساد والتفكك ما بين مكونات الوطن الواحد ، جاءت الإنقاذ فعملت فى الوطن ما لم يفعله المستعمر ومارست فيه كل أشكال وأنواع السقوط.

لا نريد الإسهاب أكثر ، ففى فترة ما بين الإستقلال حتى الآن لم تهدء دارفور من الإنتفاض ، فكانت ( اللهيب الأحمر ، سونى ، القيادة الغربية فى واو ، الخلاص (داؤد بولاد) أبناء الرزيقات (برشم) ثم توالت حركة تحرير السودان بكل مسمياتها ، العدل المساواة بكل جبهاتها …. لم يكن هذا نابع من فراغ !!!!

آن الأوان لنتدارك ذلك .. لماذا ؟؟ نكرر ما قلناه فى آخر ديمقراطية لحزب الأمة والإتحادى الديمقراطى (1988) والإنقاذ ( 1993 و2002) …

لا إستقرار للسودان ما لم تستقر دارفور !!!!! بهذه المقدمة أرجو أن لا يفهم المعنى بالجهوية أو إستغلالاً لظروف الوطن الراهنه أو نكأ الجراح، أبداً كلا وحاشا !!

إنما هى قراءه لواقع تاريخى مختصر ، المراد منه تحويل التاريخ لتاريخانيه ، للإستفادة من الدروس والعبر ، لتصحيح وتقوية بناء الحاضر والمستقبل …

تنبه :- نتفق مع الجميع بأنه لا بد من السلام الشامل فى السودان ولكن مشلكة دارفور هى الأكثر تعقيداً ولذا كان التوجه لها بمعرفة ودراية . بعض العوامل التى عملت على تأزيم الوضع لدارفور:-

1 . عمل المستعمر لقفل دارفور وتغيير بعض الإدارات الأهلية وجعل المسافة واسعة ما بين دارفور المجتمعات السودانية الأخرى، وذلك للقضاء على إستقلال دارفور ،و لكى لا يكون هنلك تفكير فى عودة السلطنة مرة آخرى .

2 . إستغلال الطائفية الحزبية لإنسان دارفور والعمل على جعلهم تبع و فرض الوصايا عليهم ، مما زاد الغبن لدى الأجيال الحالية .

3 . عدم المساواة فى الحقوق الوطنية ، والإتهام الدائم لأهل دارفور بالجهوية والعنصرية عند الإحتجاج لإى وضع ,

4 . رهن دارفور للنزاعات مع دول الجوار ( ليبيا – تشاد – إفريقيا الوسطى ) حتى أصبحت جزء من تلك النزاعات .

5 . عدم أهتمام المزكر لما يجرى فى دارفور من تدفق السلاح وأصبحت مرتع لكل الخارجين فى دول الجوار .

6 . عمد المركز لتغيير الخارطة السكانية لدارفور وتوطين قبائل غير سودانية على أراضى السكان الأصليين ، بواسائل قبيحه وإستخدام الأصول العرقية للتفرقة ، والإستنصار بأجانب من دول الجوار لها إمتدادات عرقية فى دارفور .

7 . التهميش السياسى والإقتصادى والتنموى والإجتماعى والأمنى . للإنسان الدارفورى مما أوقد التحدى من الأجيال الحالية .

8 . التغيير البيئى والمناخى السالب .

9 . الصراع على الموارد الطبيعية لعدم الترشيد من الدولة .

10. فتح الحدود عن قصد فى عهد الإنقاذ وتمكين المستجلبين. إذا إسترسلنا فى الأسباب هى كثيره ولكن مضينا فى ضغطها فى عناوين كبيره ، حتى نترك للآخرين مساحة …..

ميلاد الإزمة :-

أزمة دارفور ميلادها منذ الحكم الخديوى التركى …..و لكن هنا نحدد ميلاد الأزمة منذ الإستقلال .. فرض الوصايا على شعب دارفور ، مثال تصدير ممثلى الشعب ( أى يمثلهم سودانى ليس مقيم بالدائرة ولا من سكانها )…. المشاركة المحدودة فى الجيش والشرطة والأمن على مستوى القيادات العليا وإن وجدت تكون على مستوى محدود .. لا وجود للدارفوريين على مستويات عليا للدولة للتخطيط وقيادة الدولة السودانية بما يوازى حجمهم السكانى……

جاء الصراع المسلح لدارفور بعدما طفح الكيل وضاقة الأرض ببعض المجموعات السكانية لما تعانيه من الذل والإهانة فى ديارهم وعليه وجب عليهم الدفاع عن أرضهم وأنفسهم وأعراضهم ، ولكن المركز بطبيعه الحال لم يكن يوماً ما حكيماً .. والنتجية الآن حاضرة أمام الأعين. الحلول الماضية للأزمة الدارفورية :- فى كل العهود كانت الحلول للأزمات فى هذا الأقليم غير مستديمة ، لأنها لم تخاطب جذور المشكلة ، ولذا كلها كانت تولد ميته ، وبالفعل التراكمى أصبحت شائكة ومعقدة . نأخذ بعض من الحلول :

1 إتفاقية أبشى لم تخاطب جذور المشكلة ولا الشأن الإنسانى ، بل أتجهة لكسب الزمن من الطرف الحكومى ، مستغلاً عدم الخبرة لحركة تحرير السودان ، وأخيراً عملت لشطر الحركة واضعافها.

2 . إتفاقية أبوجا . شكل الإهتمام الدولى ضغطاً شديداً على الحكومة السودانية مما جعلها تنحنى للعواصف . ولكن بالمقابل جاءت الحركات متشته وبروح فيها القبلنه وعدم التوحد فى الخطاب والأجنده ، مما سهل الإنفراد بها والعمل على تشظيها أكثر . من جانبها عملت الحكومة لحشد توابعها من المؤتمر الوطنى والقبليين والحركات على ذلك النحو ، بدلاً من تسعى الحكومة الى الحركات جعلت الحركات فى دوامه أميبيه تلهث وراء الحكومة وتسعى إليها !!!!!

وقعت على الإتفاقية حركة واحدة رئيسية وخرجت وهى أكثر ضعفاً. الإتفاقية إيضا لم تخاطب جذور الازمة لحل مستديم !!! شكل الحضور المجتمع الدولى والحركات والحكومة عناصر لحل الإزمة ولكن إيضاً كان تغييب اصحاب الحق والضحايا ، وعليه كان رأى المجتمع المدنى الدارفورى غائباً ، مما جعل المجتمع الدولى أن يفكر فى جلب طرف ثالث وهم أصحاب الحق ( المصلحة) لطاولة التفاوض ، ولذا مولت دول الترويكا وحدة إستشارية داخل اليوناميد تسمى ( الحوار الدارفورى الدارفورى)لبناء وتأسيس مجتمع مدنى دارفور من قطاعات ( الزراع – الرعاة- فئات الشباب – تنظيمات المراة- النازحين واللاجئين – الأحزاب خارج الحكومة – المنظمات المجتمعية – تنظمات العمال- المنظمات الطوعية- والإدارات الإهليية ونقابات وإتحادات ….الخ) . وبعد عمل مكثف لأربع أعوام كان ميلاد المجتمع المدنى الدارفورى وموت إتفاقية أبوجا.

3 . أتفاقية الدوحة لسلام دارفور الشامل. هذه الإتفاقية فيها كل ملامح الإستدامة إلا وانه حدث تشويهاً لها ولكنها هى الأفضل بمخاطبتها لجذور الأزمة وكل ذلك بمجهود وجهود المجتمع المدنى الدارفورى الذى ذكرناه فيما سبق أعلاه .

لم يكن لدى الوسطاء والحركات فى مفاوضات الدوحة برامج وأجندة يتفاوض عليها ، فقط كان القبول المبدئ من الأطراف بالجلوس معاً .

ولكن المجتمع المدنى الدارفورى ذهب للدوحة برؤية واضحة تتلخص فيها مشكلة دارفور ومؤشرات الحلول .رفضت حركة العدل والمساواه بيان المجتمع المدنى الدارفورى بحجة أنه صنيعة المؤتمر الوطنى ، وهنا بدء سقوط حركة العدل والمساواه فى نظر المجتمع الدارفورى ، ولم تكن حركة العدل والمساواه وحدها إنها شاركها المؤتمر الوطنى ووفده المفاوض .

كل الوسطاء أتفقوا على صحة بيان المجتمع المدنى الدارفورى وقبلت به حركة التحرير والعدالة ، ومن ثم بدء التفاوض على ذلك البيان كوثيقة أجندة سلام دارفور. الإتفاقية كانت ملبية لإشواق أهل دارفور ولكن ضعف وعدم المصداقية و التطبيق من طرفا التنفيذ حركة التحرير والعدالة والمؤتمر الوطنى نلخصها أدناه :-

1 . إبعاد وعدم إشراك ممثلين من المجمتع المدنى كشركاء واصحاب الاجندة المطرحة للتفاوض .

2 . عدم إلمام حركة التحرير والعدالة بالمشكلة الدارفورية ، حيث أن الحركة أسست من شتات الحركات الرافضة ، خلا المنبر من مفاوض ، جاء مفوضوا الحرير والعدالة وأغلبهم أتى من المهجر .

3 . الحكومة كانت غير مقتنعة بإطروحة المجتمع المدنى الدارفورى ، ولكنها كحالها وعادة الإنحاء للعواصف ، لذا عمدت على اللين مع التحرير والعدالة و خلق تنافر مع المجتمع المدنى الدارفورى . وحققت الحركة أهداف المؤتمر الوطنى فى ذلك.

4 . المؤتمر الوطنى والحكومة عمدوا لتفكيك المجتمع المدنى وشرع المؤتمر الوطنى بالزج بعناصره داخل المجتمع المدنى وذلك بعد التوقيع على الإتفاقية مباشرة .

5 . إنشقاق التحرير والعدالة عند أول ممارسة لتطبيق الإتفاقية ، مما سهل للمؤتمر الوطنى مهامه فى النكص بالمعاهدات

6 . التحرير والعدالة لم يكن لها برنامج وخطة واضحة ،بل إنشغلوا بالمحاصصة واللهث وراء المؤتمر الوطنى وبذلك أجهضت الإتفاقية .

7 . لم يتم إشراك أصحاب المصلحة وأهل دارفور ذوى الخبرات المطلوبة لتقويم وتنفيذ الإتفاقية إنما تم إبعاد الفليل مما كانوا معهم .

أين الحل ؟؟؟:-

لا أحد ينكر وينفى دور الحركات المسلحة الدارفورية فى إشعال شعلة الثورة فى السودان كله وليست دارفور وحدها ولكن هذه الحركات كثيراً منها إبتعد عن الخط الوطنى وإنما اصبح يفوح منها روائح أخري مثل القبلنة والوصول لكراسى السلطة متناسين ما دفع به أهل دارفور عامة والمقهورين المغتصبة ديارهم وأراضيهم وأعراضهم ودمائهم المسكوبة والمنهوبة اموالهم ، ساكنى الأكواخ فى معسكرات النزوح واللجوء ، والذين تقطعت بهم السبل فى ديارهم و هم الغرباء فى أوطانهم.

خارطة الحل:- نأمن إيماناً تاماً بأن السودان كله أزمات بإتجاهاته الأربع … ولكنها لها قاسم مشترك فى بعض الأزمات وهنالك خصوصيات لبعض الأقاليم ولذا نحن من أنصار الحل الشامل الذى يتعامل مع الكل والخاص وقت واحد ولا يؤثر الخاص سلباً على الكل.

مثال :-

1 . الحقوق الكلية للمواطنة السياسية والأقصادية والقسمة العادلة للموارد والإجتماعية والتنمية بجميع اشكالها إلخ …

2 . الإستحقاقات الخاصة فى دارفور :-.

أ . إيقاف الحرب والشروع فى بناء سلام مستديم على أرض الواقع والمصالحة المجتمعية ….الخ …

ب . معالجة جذور المشاكل .

ج . معالجة آثار النزاع تتلخص فى :-

1 . سيادة حكم القانون

2 . نزع السلاح وحل كل المليشات وتسريح منسوبى الحركات المسلحة.

3 . معالجة إقتسام الموارد الطبيعية مياه ومراعى ….. الخ.

4 . مراجعة الوجود الأجنبى فى دارفور ( القادمين من غرب وشمال أفريقيا )

5 . مراجعة الحدود الداخلية مع الأقاليم المجاورة وكذلك الدول المجاورة لدارفور الإحتكام لحدود 1956

6 . عودة النازحين واللاجئين طوعياً لديارهم الأصلية وفق الحلول المستدامة:

أ .إخلاء وتأمين ديار وأراضى الذين نزحوا وهاجروا منها ورد ما فقدوه من ممتلكات

ب .التعويض الجماعى ويشمل الخدمات الأساسية من مياه وصحة وتعليم وأمن…إلخ. ج . التعويض الفردى بكل أنواعه حسب حالة الفرد . د . القصاص من كل إرتكب جرم فى الضحايا. وجبر الضرر . ثم ماذا بعد ؟؟؟؟ بعد إنتصار الثورة وإنقشاع العتمة تفيأنا ظلال الحرية يحدونا الأمل أن ننعم بنسمات السلام ونعايش العدل .

شاهدنا وسمعنا إخوننا فى بعض الحركات المسلحة يسعون مهرولون ما بين العواصم كما يعسى ويهرول الحجيج ما بين الصفا والمروة ، مؤيدون هذا ويهددون ويستبزون ذاك …….

مهر الحرية الآن دفعه الثوار وأنتم من قبل دفعتم مهر أشعال الثورة .. لكن أنظروا ماذا فعل الثوار بعد أن دكوا وهدوا صروح و أبراج الطغاه ؟؟؟!!!! سلموا الراية للمجتمع المدنى السودانى ( تجمع المهنيين وقوى التغيير……؟؟؟؟) ليواصل مشوار بناء الدول المدنية . أما كان خيراً لكم أن تأتوا أيتها الحركات… لمن دفعوا الغالى والرخيص فى دارفور متمثلاً فى مجتمعاته المدنية الدارفورية؟؟؟؟ …….

فاليعلم الإخوة فى المجلس السيادى والحكومة المدنية الإنتقالية بقيادة الأخ / حمدوك ، المجلس التشريعى ……

لن يتحقق السلام فى دارفور إلا بقيادة المجتمع المدنى الدارفورى بالإشتراك مع الحركات المسلحة والثوار الشباب. أخيرأ الحل عند المجتمع المدنى الدارفورى هم أصحاب المصلحة !!!!!!!

أختم رسالتى (أن الحمدلله أول وآخره)
سليمان جمعة ابراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق