تسابق مجنون

هنادي الصديق

نار تحت الرماد، وحالة إحتقان حادة بين الشركاء رغم ما يبدو من إستقرار وهدوء مصطنع من هنا وهناك، هذا بالضبط واقع الحال ببلادنا، ولعل أكثر ما جعل هذا الإحتقان يتزايد، هو القنبلة التي ألقى بها رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبدالفتاح البرهان بلقاء عنتيبي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي وما تلاه من تداعيات لا زالت آثارها مستمرة لليوم.
الظلال التي ألقت بظلالها على الوضع في الساحة السياسية، قسمت الشارع السوداني ما بين مصدوم ومندهش ومنتشي فرحاً، بإستثناء (منسوبي الحزب المحلول)، وما نشاهده من خلال الوسائط من تحليل للنشطاء وبعض السياسيين لا يعبر عن حقيقة الوضع بأي حال، ولا يمكن أن نقيَم رأي الشارع من خلال بوستات نشطاء راغبين في التطبيع مع الكيان الصهيوني بشدة، ولا مع رافضين للمبدأ من واقع العاطفة الدينية، أو المبدأ السياسي الثابت، فكل ذلك لا يتم خلال هذه الفترة الإنتقالية الحرجة، المليئة بالمنعطفات الخطرة المتمثلة في حالة المخاض العسير التي تعيشها بلادنا وهي تنشد الوصول بسلام للتحول الديمقراطي، وإكمال هياكل السلطة الإنتقالية التي لا زالت تنتظر رغبات وأمزجة الساسة والشركاء معاً.
وقبل ذلك يجب الإعتراف بأن ما حدث وما سيحدث مستقبلاً من تخبط وإرتباك سببه عدم الإلتزام والتقيد بنصوص الوثيقة الدستورية التي فصَلت وأطَرت شكل العلاقة بين الشركاء في الجهازين التنفيذي والسيادي، بالتالي يجب الإلتزام بـ (إعادة ضبط) كل جهاز وإلزامه بحدود صلاحياته وإختصاصاته فقط منعاً لأي تداخل وصدام محتمل مع هشاشة الوضع الأمني بالبلاد.
كذلك لابد من إعادة ضبط العلاقة بين الجهاز التنفيذي ممثلاً في مجلس الوزراء وقوى إعلان الحرية والتغيير، والأخيرة تحديداً تحتاج للكثير من المعالجات الفورية ودعم تنسيقياتها بعناصر صلبة قادرة على خلق التوازن بين المكونات الثلاثة، وفي نفس الوقت تتمتع بقبول واسع في الشارع وعلى المستوى السياسي.
وللوصول لنقطة إلتقاء بين هذه المكونات، لابد من خطوة عقلانية وحكيمة تفرض على الفرقاء الإنصات لصوت العقل منعاً للتصعيد السالب الذي لن يكون في مصلحة أي طرف، بل سيغرق المركب بمن فيه ومن حوله، وإيقاف الحملات الإستفزازية بين الأطراف ضرورة ملحَة لإيقاف نزيف المواقف السالبة بين مكونات الحرية والتغيير تحديداً، والإنتباه جيداً للمنزلق الذي يَساقون اليه، وهذا يتطلب تقديم بعض التنازلات التي لا تخل بموقف أو ثوابت.
في خضم هذا الجو المتوتر لابد من طمأنة الشارع بالموقف الصارم تجاه تجاوزات الجناح العسكري وأهمية سير العدالة في طريق إنصاف الشهداء وأسرهم، لأن ترك هذا الأمر والتباطؤ فيه خلق حالة من الريبة والشك وسط المواطنين تجاه الحكومة الإنتقالية، مع الوضع في الإعتبار أن العلاقة مع المكون العسكري حالياً تفرضها ضرورة مرحلة، لذا يجب أن تسير جميع الخطوات بشكل متوازي للوصول لبر الأمان وعبور المنطقة الخطرة بدروبها الوعرة ومطباتها التي يسعى لها المتربصون بالثورة، الساعين لإجهاضها.
ختاماً، نتوقع من جميع الأحزاب التريث ووضع حد للتسابق المحموم والمجنون لحصد الكسب السياسي على حساب مستقبل الوطن، ليس ممنوعاً العمل المبكر للحشد الإنتخابي، ولكن يجب أن يضع الجميع أن الخطوة القادمة هي الإسراع في إكمال هياكل السلطة الإنتقالية وصولاً للتحول الديمقراطي المنشود.
الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق