مقالات سياسية

حسابات إسرائيل الخاطئة

24 أغسطس 2006

أرادت إسرائيل تحقيق عدة أهداف عسكرية وسياسية عندما شنت حربها الأخيرة على لبنان، وعندما بدأت إسرائيل حربها على الجنوب اللبناني كان التصور الإسرائيلي الذي أقنعت به حلفاءها الكبار وشعبها، أن ضربات جوية سريعة ومكثفة كفيلة بتحقيق تلك الأهداف في فترة زمنية وجيزة، يجد بعدها اللبنانيون والعرب عامة ومن يتعاطف معهم من المجتمع الدولي، أنفسهم أمام واقع جديد عليهم أن يرضخوا له وأن يقبلوا به. فالعرب -كما قال أحد زعمائهم يومذاك- يخافون، والقوة القاهرة هي وحدها التي ستفرض عليهم السلام (اقرأْ الاستسلام) مع إسرائيل.

وكان الحديث الإسرائيلي عن الواقع الجديد الذي سيشرق على الشرق الأوسط، يتردد كثيراً على ألسنة القادة الإسرائيليين عند بدء الهجوم الجوي الإسرائيلي على لبنان، ولقد أخطأت إسرائيل هذه المرة الحساب… فالقيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تصورت أن الضربات الجوية السريعة والمكثفة ستدمر نهائياً قدرات المقاومة اللبنانية الحربية، وستنشر الفزع والهلع في لبنان، وستجعل اللبنانيين ينقلبون على المقاومة و”حزب الله” ويحملونه مسؤولية ما سيحدث من دمار، وستبعث من جديد فتنة الحرب الطائفية التي شهدها لبنان من قبل. لكن صمود المقاومة الوطنية اللبنانية أولاً، وتوحُّد اللبنانيين الذي تجلى في أعظم مظاهره بالبيان الذي أصدره زعماء الطوائف الدينية اللبنانية، وأدانوا فيه الغزو الإسرائيلي لوطنهم وإشادتهم الرائعة بالمقاومة الوطنية بقيادة “حزب الله”، كان الضربة الأولى التي وجهت للأهداف الإسرائيلية وأثار “دهشة” أولئك الذين ظنوا أن هنالك في لبنان من يقبل باحتلال إسرائيل لوطنه، وقتل أطفاله وشيوخه ونسائه العزل إرضاءً لشهوة الاختلافات الطائفية.

ثم كان انفجار براكين السخط والغضب في العالم العربي شعبياً ورسمياً على إسرائيل وعلى حلفائها الذين أيدوا ودعموا حربها على لبنان، وعطلوا جهود الأمم المتحدة لإيقاف الحرب، حتى يتسنى لإسرائيل تحقيق هدفها الأساسي، وهو سحق المقاومة الوطنية اللبنانية بالضربات الجوية السريعة والمتلاحقة، والذي ثبت فشله، ودفع إسرائيل إلى استخدام قوة برية كبيرة في معركة غير متكافئة كان ضحاياها من المدنيين اللبنانيين بكثرة أثارت غضب واستنكار حتى أولئك الذين كانوا يتعاطفون مع إسرائيل في الغرب. ولم تجد إسرائيل من يبرر جرائمها تلك حتى من بين أشد المتحمسين لها ولديمقراطيتها في الغرب.

واليوم، وأيضاً حتى في إسرائيل، ترتفع أصوات كثيرة تتساءل عن جدوى ومعنى هذه “العملية العسكرية الفاشلة سياسياً وعسكرياً” وعن قدرة رئيس الوزراء ومجلس وزرائه وسلامة تقديراتهم السياسية والعسكرية.. وسترتفع أصوات أكثر في إسرائيل في مقبل الأيام، فالشعب الذي اعتاد أن يرى “جيش الدفاع الإسرائيلي” كقوة لا تقهر ولا تهزم، يفيق الآن من قوة الصدمة ليراجع حساباته. فحرب الشهر والأربعة أيام هذه التي ستوصف بأنها أطول المعارك والحروب الإسرائيلية- العربية، كشفت للإسرائيليين أن القوة العسكرية الفائقة ليست هي الضمانة الأكيدة والمؤكدة لتحقيق السلام العربي- الإسرائيلي.. وأن القوة العسكرية -مهما عظمت- ثمة حدود تتوقف عندها، وأن القول إن إسرائيل قد كسبت حربها في لبنان هو قول من قبيل الدعاية السياسية.

فالحرب -أية حرب- هدفها الأول هو تحطيم وتدمير إرادة الخصم ليس عسكرياً فحسب، بل الأهم معنوياً وسياسياً، ودفعه للاستسلام لشروط المنتصر. وذلك ما لم يحدث في حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان… فالإرادة الوطنية اللبنانية خرجت اليوم أكثر قوة مما كانت عليه بالأمس، والتضامن العربي الذي اعتبروه من مخلفات الماضي عاد ليقف إلى جانب لبنان بقوة أكثر من الأمس، والقيادة الإسرائيلية المتعجرفة أخطأت الحساب هذه المرة، والواقع الجديد الذي بشرت به كما تصورته، سقط ضمن الحسابات الخاطئة، وحل محله واقع جديد يبعث على الأمل في تضامن عربي من جديد.
عبدالله عبيد حسن
الأتحاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..