مقالات سياسية

بدايات الصحوة العالمية

عبدالله عبيد حسن

21 أكتوبر 2011
كان الطقس في معظم أنحاء كندا يوم السبت الماضي، شديد البرودة، وغزير الأمطار، قوي الرياح لدرجة أن هيئة الأرصاد الجوية ظلت تكرر الإعلان عن ذلك وتنصح المواطنين بالحذر من أخطار هذا الطقس غير المعتاد في مثل هذا الوقت من العام. وقد تخوف كثير من منظمي المسيرة الشعبية السلمية الذين دعوا “الناس” للمشاركة فيها تحت شعار شبيه بذلك الذي رفعه محتجو نيويورك: “احتلو وول ستريت”. المنظمون تخوفوا أن يتسبب الطقس في امتناع “الناس” عن المشاركة في المسيرة السلمية التي وافقت عليها سلطات الأمن وأعلنت أن مهمتها ومسؤوليتها ستبقى -كما ينص القانون- حماية المتظاهرين.

لكن “الناس” الذين اتفقوا أنهم 99 في المئة من المواطنين مهضومي الحقوق وتطحنهم البطالة والغلاء والفقر وتراجع “الرعاية الاجتماعية” التي عُرفت بها كندا، مما زاد الهوة بين الغالبية (99 في المئة) وأقلية الأثرياء (1 في المئة)… خرجوا في جموع حاشدة ضمت “الشباب” بأعداد أذهلت حتى منظمي المسيرة، كما خرجت النساء والأطفال من كل أحياء تورنتو الكبرى وما جاورها، وانتظموا في مسيرة سلمية حضارية موحدة.

ما جرى في تورنتو امتد أثره إلى عشرين مدينة كندية من ضمنها مونتريال وكالجري وهاملتون.. إلخ. كان يوماً سيشهده التاريخ ويضيفه إلى حساب الشعب الكندي المتحضر، فلم يقع حادث واحد استدعى تدخل الشرطة. وسيشهد التاريخ أيضاً أن قيادة أمنية مسؤولة وملتزمة بالقانون أشرفت على تلك التظاهرة. وما جرى في كندا جرى مثله في 77 بلداً في أوروبا وآسيا، حتى في هونج كونج الصينية.

وكما سبق القول فإن العالم في بداية القرن الحادي والعشرين، يشهد تحولات وتطورات كبيرة، حيث يمثل انهيار البورصة وسقوط المؤسسة المالية الأميركية أحد المؤشرات التي يجب النظر إليها بجدية ووعي، والبحث عن جذورها وأسبابها الكامنة في السياسات المالية والاجتماعية.

المجال هنا لا يسمح بالتعمق في أزمة النظام الرأسمالي العالمي، لكن الجموع الذين اجتاحت تظاهراتهم عواصم العالم المتمدن، قدمت الإجابات الصادقة… فها هم صانعو هذه “الحضارة الغربية المنتصرة” من جموع الناس قد بدأ وعيهم وإدراكهم يزيد كل يوم بحقائق العصر وأحوال العالم وسكانه.

لا أقول إن انتفاضات “الربيع العربي” هي الثورة العالمية، ولا أقول إن هذه الانتفاضات ستحقق أهدافها الكبرى في زمن وجيز، لكني أقول إن هذه الصحوة العالمية لفقراء ومظلومي الحضارة الغربية في ديارها، هي بدايات يمكن أن تحقق أحلام الإنسان في العدل والكرامة والمساواة الإنسانية، وإن إنسان هذا القرن سينتصر لإنسانيته مهما طال الوقت.

النظام الرأسمالي بتجاربه الطويلة وخبراته المخزونة قد يستطيع أن يؤجل يوم رحيله ويجد الحلول التي تحافظ على بقائه سيداً ومسيطراً لأطول فترة ممكنة، لكني أقول إن ذلك السبت المطير، شديد البرودة والرياح هو مؤشر تاريخي، وإن هذه الانتفاضات التي تفجرت على غير موعد وتنظيم ستجد من الطرق والوسائل ما تطور به نفسها وتحقق أهدافها.
عبدالله عبيد حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..