مقالات وآراء

الفهم المبتذل لقضية تطبيع السودان مع إسرائيل

كتب أحدهم (زهير السراج) قائلا في أسلوب ركيك يفتقد للوعي الناقد أن الذين يعارضون التطبيع مع إسرائيل يتمسكون بأفكار لا توجد إلا في العصر الحجري تستخدم القضية الفلسطينية لإثارة العواطف….. ويذكر الكاتب أن هذه الأفكار هي أفكار القومية العربية والناصرية والبعث والاشتراكية العلمية والاسلام السياسي!!! وعجز محدثنا عن التعليق الصريح على موقف والدوافع السياسة لرعاة التطبيع الذين لم يبق له، وفق استعراضه لمواقف اللاعبين في الساحة السياسية من هذه القضية، غير الجنرالين (مرتكبي أفظع الجرائم ضد الشعب) البرهان وحميدتى وتابعهم حمدوك!!!

والتوظيف التداولي لعبارةالأفكار القديمة صار موضة متفشية في الساحة السياسية تقوده مجموعة من الأدعياء الذين أصابهم العمه وصاروا غير قادرين أن يبينوا للناس ما هي هذه الأفكار القديمة التي تعيش في العصر الحجري ولماذا لا جدوى من ورائها!؟

وبأسلوب يفتقد اللياقة والادب يذكر الكاتب ان الأفكار التي سماها قديمة لا تجد القبول إلا من المعتلين فكريا وفاقدي العقل في حين ان مستوى تناوله المؤيد للتطبيع لا يتعدى عقلية طلبة المدارس العامة. ونلاحظ أن السياسيين التقليديين والآخرين أصحاب الرؤى المبتذلة صاروا يلجؤون إلى المنابذة والمشاكسة ضد خصومهم في إشارة واضحة لنضوب فكرهم، فها هو الصادق المهدي يصف بالأمس ناقديه بال “المعاقين فكريًا”.

يقول الكاتب بدون تقديم دليل أن اغلبية الشعب ايدت لقاء البرهان بنتنياهو، لكن حتى لو كان هذا صحيحا، فمتى كانت الأحزاب التي تستنير بالنهج العلمي (الشيوعيون بالتحديد) “ببغاء عقله في أذنيه” يردد بلا وعى الأفكار الدارجة في المجتمع، فالصحيح هو أنه بقدر ما تتعلم من الجماهير، بقدر ما تعمل هذه الأحزاب على إخضاع ما تسمعه بتفكير واعى ودراسة وتمحيص وتحليل مواقف الجماهير من القضايا المختلفة وكنه الدوافع الاجتماعية والثقافية من ورائها ومن ثم رفع وعيها (الجماهير) في مجرى قيادتها بحيث لا تكون حركتها عفوية وتنقصها قلة الخبرة (artlessness)؛ ولو لم تكن هذه جزء من مهمة الأحزاب فإذن ماذا تكون؟ إن الأحكام السريعة المبنية على الانطباعات الأولية والاعتماد عليها في تحريك الناس تقود لنتائج ليس في مصلحتهم.

بعد تحذيره مما اسماه الافكار التي كانت تصلح للماضي التي لا مكان لها في عالم اليوم، يقرر الكاتب بنَفَس صبياني أن التعاون وليس الصراع بين الشعوب صار شعار اليوم لحل المشاكل التي تواجه البشرية. لكن العالم تحكمه اليومالاوليجاركياتالمالية والشركات العابرة للقارات التي لم يشهد العالم مثيلا لما تمارسه من توسع في مركزة راس المال العالمي في يدها؛ والديمقراطيات الليبرالية الغربية صارت الستار لحكم تلك الاوليجاركيات. ويجرى صراع شديد الضراوة بين الاوليجاركيات العالمية المختلفة يقترب اليوم من قلب الدنيا رأسا على عقب؛ صراع دافعه اليوم سعى الدول الرأسمالية الكبرى تحقيق، تحت شعار الليبرالية الجديدة (neoliberalism)، المزيد من التسيدعلى الساحة العالمية الذي اتخذ منذ مطلع القرن العشرين شكل استعباد دول وشعوب العالم.

موضوع التطبع مع إسرائيل لا يمكن تناوله بخفة ويجب النظر له من منظار لا تغيب عنه المسائل الآتية:
أولا، إسرائيل كيات صهيوني عنصري لا مكان له في العالم، فإسرائيل تقوم على أساس عنصري صهيوني يتأسس على الادعاء بأن إسرائيل أرضا لليهود فقط. وهو الادعاء الذي يبيح لهذا الكيان استخدام العنف والحرب للتوسع بقتل الشعب الفلسطيني(نساءه ورجاله وأطفاله).

ثانيا، إسرائيل لها عداء مستحكم ضد السودان وصل مداه بشنها ضربات جوية همجية على السودان في 2011 و2012 و2015. وبالطبع عداء إسرائيل للسودان هدفه تفكيكه وتكريس الدولة المستضعفة فيه بغرض إضعاف وتجزئة دول المنطقة خدمة لأهدافها المتعلقة بتوطيد سلطة الكيان الصهيوني.
ثالثا والأهم، إسرائيل هي الأداة التي تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة. وخلافا للتعاون الأمريكي الإسرائيلي الراجع لفترة الحرب الباردة من أجل، أساسا، صد النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، فإن الكيان الصهيوني، في عالم اليوم، يساعد أمريكا بتقديم الخدمات الاستخباراتية في الشرق الأوسط التي تشمل فيما تشمل كشف الحركات الراديكالية المناهضة للتمدد الأمريكي بالتدخل العسكري المباشر او عبر سياسات الليبرالية الجديدة الاقتصادية. وإسرائيل تعمل على إحداث رسم إستراتيجية جديدة ترمى لشطب القضية الفلسطينية تماما من القاموس السياسي والهيمنة الإمبريالية الكاملة على دول منطقة الشرق الأوسط وهذا ما كشفت عنه “صفقة القرن”؛ والتطبيعالجاري تحقيقه بين إسرائيل والسودان مشهد من فصول هذه إستراتيجية.
وتماشيا مع خضوع النظام الحاكم في السودان للوصاية الدولية الموروث من نظام عمر البشير فلا يثير التطبيع مع إسرائيلأي عجب!! بمعنى أن سعى السودان للتطبيع، الذي بدأه النظام المباد، هو شيء طبيعيومنطقي وفق التوجه السياسي للقوى الاجتماعية (الكمبرادور) التي لها السيادة في البلاد وهذا ينطبق على معظم الدول العربية وفى طليعتها مصر والإمارات والسعودية.
إن تطبيع السودان مع الكيان الصهيوني يسير في انسجام مع العملية الجارية لهتك السيادة الوطنية بشكل كامل المتمثلة في اتخاذ رئيس الوزراء عبد الله حمدوك للخطوة الشائنةالمتعلقة بطلبه في 27 من شهر يناير 2020 من الأمم المتحدةأن تسعى إلى الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس من ميثاقالمنظمة الدولية؛ وهي خطوة تمهد الطريق لمجلس الأمن الانتقال من البند الساس إلى السابع الذي يؤدى إلى تدخل مجلس الأمن عسكريا في البلاد.
محمود محمد ياسين

‫2 تعليقات

  1. كلام موزون وله اسانيده. مشكلة الحكومه الحاليه انها تتعامل مع الشعب وكانه دون مستواهم ولا يستحقون التنوير قبل الاقدام على أى خطوه ( ابتداء من المفاوضات مع الحركات المتمرده السابقه -وما هى مطالبهم بالضبط -وماالذى تم الموافقه عليه …ولماذا- وانتهاء بالمقابله المشؤمه ما بين البرهان ونتنياهو- وما الذى تم الاتفاق عليه فى ما بينهم ) – وكأن هذا الشعب بهايم ما يستحق التنوير وابداء الرأى !!!! حسبنا الله ونعم الوكيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..